أضاءت الحضارة الإسلامية العالم لأكثر من خمسة قرون، بما أنتجته من علوم وآداب ومعارف مختلفة في شتى مناحي الحياة. وقد اعتبرها رجال الفكر والأدب والسياسة، القنطرة البشرية والقاطرة التي انتقل بواسطتها العالم كله، إلى مرحلة استخدام العقل والإبداع الإنساني المتجدد.
كما اعتبرها البعض الآخر من المفكرين والفلاسفة، الحلقة الوسطى في تاريخ الحضارة الإنساني. ويعد كتاب «تهذيب الحيوان» للجاحظ، أحد تلك النماذج العربية التي لم تفقد حيويتها وجاذبياتها للقارئ إلى اليوم، ويعد في جانب منه من الكتب العلمية، وعلى الجانب الآخر من الكتب الأدبية وربما الطريفة أيضاً، التي تركت أثرها في التراث العربي.
مرجع تراثي
يعتبر الجاحظ أول عربي جمع في علم الحيوان، جمعاً متميزاً علمياً وأدبياً. وإن سبقه البعض في الحديث المتفرق عن الحيوان، كما كتاب «الإبل» للأصمعي، وهذه الكتب لم تعط الجانب العلمي للموضوع أكثر ما تهتم به الجانب اللغوي، على العكس من الجاحظ.
المتابع للمراجع التي اعتمد عليها الجاحظ يلحظ موضوعيته في التناول، وهي: القرآن، الشعر العربي، ومن أرسطو أو صاحب المنطق كما أطلق عليه الجاحظ، ثم الخبرة الشخصية التي اعتمدت على قوة الملاحظة والذكاء الفطري.
طبع هذا الكتاب الذي يعتبر من أشهر كتب التراث، عام 1905م في مطابع القاهرة، ثم توالت إعادة طباعته. وهو كتاب كبير الحجم، يقع في سبعة أجزاء، ويبدو أن الجاحظ كان يعلم كبر حجمه، ويشعر أنه قد يكون ثقيلا على القارئ العادي، فقال بطريقته الساخرة: «فرأيت أن جملة الكتاب، وإن كثر عدد ورقه، أن ذلك ليس مما يمل ويعتد علي فيه بالإطالة، لأنه وإن كان كتاباً واحداً فإنه كتب كثيرة، وكل مصحف منها فهو يقرأ على حدة...إلخ».
تقسيمات
وقد أشار الجاحظ إلى معظم مؤلفاته التي كتبها قبل «الحيوان»، وكلها تعبر عن سعة علمه ومعارفه، سواءً في الكيمياء أو الرياضيات أو القصص، وغيرها. وفي الكتاب قسم الجاحظ العالم إلى: متفق ومختلف ومتضاد. أما الأجسام فقسمها إلى نام وغير نام، والنامي: حيوان ونبات، والحيوان: شيء يمشى، وشيء يطير، وشيء يسبح، وشيء ينساح. أما حيوان البحر، فليس كل عائم سمكة..وهكذا.
يبدأ الجاحظ في أبوابه السبعة، فيتحدث عن «الخصاء» وأهميته في الحيوان، لأنه يزيد من وزنه لحماً وشحماً. وفي حديث طويل عن «الكلاب»، يتحدث عن أنواعها وطبائعها ومميزاتها..
كما أطال في كلاب الصيد. وأشار إلى بعض الأمراض التي تصيبها. كما قص بعض الطرائف عن الحمام، فقال: «إنه طائر يعرف بالزواج، وبحسن الصوت والهديل والدعاء والترجيع..»، كما وصف كيفية بناء العش، ورعاية الأبوين للصغار، وغيرها من الطباع الحميدة، مثل «عناية الحمام بنسله».
باب النمل
أما حديثه عن النمل فقد كتبه في باب كامل، حيث وصفه بالنظافة وحب الادخار وقدرته على حمل أثقال أضعاف حجمه ووزنه، كما تحدث عن العديد من الطيور الشائعة في زمنه مثل السمان وكيف أن الناس لا تأكل لحمه، بينما أكله الجاحظ ووجده طيب المذاق. وتحدث عن الخنازير..
وكيف أنها شديدة البأس ويمكنها أن تهاجم الأسد، كما تتميز بكثرة نسلها. وفي جزء طريف منه، تحدث الجاحظ عن «سلخ المخلوقات»، كما في الحيوانات توجد في الأشجار بسقوط الورق، وسلخ الحشرات بالخروج من الشرنقة وهكذا.
كما توقف أمام موضوعات ليست على صلة بالحيوان، مثل لعب الأعراب، ونوادر القصائد والأشعار وغيره. والطريف على ما توقف الجاحظ أمام الحيوانات العديدة، طال حديثه عن الفيل، وتحدث عنه بإعجاب ودهشة لضخامته وسرعة تدريبه. وعن الزرافة يرفض ما كان يقال عنها انها من نتاج الناقة والنمر، مما يشير إلى أن الجاحظ كان يتسم بعقلية علمية بجانب شهرته الأدبية.
إن المطالعة السريعة لعناوين الموضوعات، تكشف قدر كبيراً مما أشرنا إليه من موضوعية وعلمية، أشار إليها الجاحظ، منها: خصاء الإنسان والحيوان، وأكل الهرة أولادها..
وأعراض الكلب «مرض الكلب أو السعار»، عداوة بعض الحيوان لبعض، أعاجيب الخفاش، كلام النمل، الخنزير، أكل لحوم الكلاب والسنانير، الحيات المائية، ما تضيء عينه من الحيوان، الحية ذات الرأسين، بعض خصال العصفور، العنكبوت، الضفادع.. وغيرها.
شعر وقصص
جانب الشعر في الكتاب لا يمكن تجاهله، حيث أورد العديد من القصائد والأشعار، وفي فن القص، ساق قصصاً ونوادر وطرائف، كما تحدث عن الأدب والبلاغة، وفي شؤون غرائب الناس والبلدان، تحدث عن عبادة النار، فقال:
«ومازال الناس كافة، والأمم قاطبة - حتى جاء الله بالحق - مولعين بتعظيم النار، حتى ظن كثير من الناس لإفراطهم فيها أنهم يعبدونها..»، وتتعدد الموضوعات والآراء والشواهد والحكايات والأشعار، في هذا الكتاب التراثي الفريد، ليبقى ضمن المؤلفات الخالدة.
مؤلفات الجاحظ
الجاحظ كتب العديد من الكتب، في مختلف فروع الأدب والثقافة. إلا أن الباحث لن يجد كل تلك الكتب المهمة التي فقدت، إلا بعضها، منها الكتب التالية: «البخلاء»، «الحيوان»، «البيان والتبيين»، و«التاج»، «المحاسن والأضداد»، «العرجان والبرصان»، ورسائل قليلة غيرها. ويتميز الجاحظ بعمق تناول الأفكار، مع سهولة الأسلوب، وبدت موضوعاته أقرب إلى الحكمة والفلسفة، بسبب قراءاته فيها وعمق درسه لها.
وفي عموم الكلم بدا الجاحظ حريصاً على أن يكتب فيما يدور في خلد الناس، ويتحاورون حوله، كما في كتابه «البخلاء»، الذي تولى فيه الجاحظ تحليل «البخل» وكتب عنه من خلال الجوانب النفسية والاجتماعية، فأصبح أهم ما كتب حول الموضوع، لأنه خاطب النفس الإنسانية في كل زمان ومكان.
وفي مقدمة كتاب «البخلاء»، سرد الجاحظ ميزات الضحك والرغبة في اللهو وأهميتهم، كما للبكاء فائدته، إذا وافق الموضع ولم يجاوز المقدار.
طرائف ونوادر
كما تابع الجاحظ عادات الشعوب مع الضحك، فقال في أهل «مرو» بخرسان: «إذا جاءهم ضيف، وأطال الجلوس، سأله المضيف: «تغديت اليوم؟»، إن قال «نعم»، قال: «لولا أنك تغديت لغديتك بغداء طيب»، وإن قال: «لا»، قال: «لو كنت تغديت لسقيتك خمسة أقداح»، وعلى الوجهين لا يتغدى الضيف!.
فيما ذكر الجاحظ طرفة عن أهل المدائن، تحت عنوان «وسيلة إثبات سرقة التمر»؛ فيقول «كان بالمدائن تمار (تاجر تمر)، إذا دخل غلامه الحانوت وتأخر، اتهمه الرجل بسرقة وأكل التمر. فلما أنكر الغلام ذات مره، أمر التمار بقطنه بيضاء، ثم قال: «أمضغها»، فلما فعل الغلام وأخرجها، كان لونها أصفر، وطعمها فيه حلاوة!».





!["shutterstock_162265316 [Converted]"](https://www.albayan.ae/assets/archives/images/2014/10/24/2227991.jpg)
!["shutterstock_199437416 [Converted]"](https://www.albayan.ae/assets/archives/images/2014/10/24/2227990.jpg)