كان الصيادون في مرفأ صور الفينيقية يسحبون شباك الصيد ويغنون باسم «إليـسا» لأجل الحظ والصيد الوافر.
وفي مرفأ قرطاج القديم، كان الصيادون يرمون الشباك وهم يشدون باسمها حباً؛ «عليسة»، لقبت بـ«إليسار ديدون» أي «الأميرة الراحلة»، كما ورد في «الإنيادة» للشاعر الروماني فرجيل.
إنها ملكة قرطاج وأميرة صور التي بنت مدينة تترنم باسمها إلى الأزل وتركت حضارة تلهث في أذن الزمن، اسمها الفينيقي «إليشات»، نادوها في بلاد الشام بـ«إليسا و إليسار»، وفي المغرب العربي «عليسة»، وفي الغرب «ديدو» و«ديدون»، وقد ألهمت حكايتها خيال الشعراء والمؤرخين والكتاب على مر العصور، فدون حول سيرتها الكثير من الكتب.
الأسطورة والحكاية
ورثت إليسار مع أخيها الأصغر بجماليون العرش حسب وصية والدها ملك صور المتوفى، وتزوجت عاشر باص، كاهن ملقارت الأعظم وأغنى رجال الدولة. طمع أخوها بالسلطة وثروة زوجها، وأراد أن يستولي عليهما، لكنه لم يجرؤ على فعل شيء خوفاً من نفوذ زوجها المحبوب من عامة الشعب.
أخيراً دبر مكيدة وقتله في المعبد، ثم لفق قصة عن مقتله لم يصدقها غير الموالين له والرافضين لمشاركة امرأة في الحكم. تقول الأسطورة إن طيف زوجها زارها في المنام وأطلعها على الحقيقة ثم دلّها على المكان الذي خبأ فيه كنوزه ونصحها بالهرب لأن بجامليون سيقتلها حالما يعثر على الكنز.
فكرت إليسار كثيراً ثم رأت ألا تفعل شيئاً من وراء ظهر أخيها حتى لا تثير شكوكه. أخبرته بأنها ستقوم برحلة لتجلب غرضاً ثميناً، فوافق على الفور، وهو يظن أن ذلك الغرض الثمين هو كنوز زوجها، وزودها بما تحتاج من السفن والرجال. قامت إليسا مع المخلصين لها بنقل الكنوز سراً في أكياس إلى عنبر سفينتها، ثم نقلت أمام رجال أخيها أكياساً مليئة بالرمال ووضعتها تحت الحراسة فوق سطح السفينة.
وفي عرض البحر، قالت إنها تكريماً لزوجها سترجع إليه في العالم السفلي كنوز الذهب التي سببت مقتله، ثم أمرت برمي أكياس الرمال في البحر. فقفز رجال أخيها وراءها وهم يظنون أن فيها ذهباً. فتخلصت منهم بسهولة وتركتهم في البحر. أما الذين لم يقفزوا فقد خافوا من أخيها وعرفوا أنه سيقتلهم، فأعلنوا الولاء لها.
لسان قرطاج
توقفت السفن في قبرص لأجل المؤونة، وهناك بتشجيع منها، حررت العذارى العشرون أنفسهن من الخدمة في معبد عشتار، وتزوجن الشباب المرافقين لـ«أليسار» بهدف تأسيس العائلات والشعب الجديد.
ثم تابعت السفن رحلة البحث عن الأرض المناسبة وجالت في البحر المتوسط حتى وصلت إلى شاطئ إفريقيا الشمالي. وعندما دخلت خليج تونس، لمحت إليسار لساناً من الأرض داخل البحر، فأعجبها وأمرت رجالها بالتوقف.
لم يرحب السكان المحليون من البربر بالزوار الفينيقيين، فطلبت إليسار مقابلة ملكهم جابون. زارته حاملة الهدايا الثمينة وتفاوضت معه حول شراء تلك الأرض.
عرضت عليه كمية كبيرة من الذهب، لكنه رفض. أخيراً وافق على إعطائها أرضاً مساحتها مساحة جلد ثور «من المقاييس القديمة للأراضي هي جلد الثور». قبلت إليسار وأعطته الذهب مقابل أرض تنتهي حدودها مع حدود جلد الثور.
جلد الثور
اعتقد الملك بأنه أبرم صفقة رابحة، لكنه سرعان ما أدرك أن الأرض التي باعها أكبر من مساحة جلد الثور. فقد قامت إليسار مع معاونيها بقص جلد الثور إلى سيور رقيقة، ثم ربطتها ببعضها البعض حتى أصبحت حبلاً طويلاً.
وضعت طرفه على شاطئ البحر، ثم مدته على شكل نصف دائرة حول الهضبة المعروفة اليوم بهضبة «بيرصا»، وتعني في الفينيقية «جلد الثور»، ثم قالت للملك: هذه هي أرضي التي تنتهي حدودها مع جلد الثور. أعجب الملك بذكائها وصعب عليه أن يعترف أمام حاشيته بأن امرأة غلبته بالحجة واحتالت عليه، فقبل بالأمر الواقع.
القرية الجديدة
بدأت إليسار مع معاونيها بتأسيس قرية على تلك الأرض سمتها «قرط حدشت»، وتعني بالفينيقية «القرية الجديدة» سنة 814 قبل الميلاد. وكانت نموذجاً لمدينة صور ومرتبطة روحياً بها، وظل سكانها القرطاجيون يدفعون الجزية السنوية إلى معبد ملقارت في صور حتى سنة 332 قبل الميلاد.
نمت هذه القرية بسرعة وتوسعت لتضم الأراضي حول المتوسط الغربي. وقد ساعد هذا التمدد على نشوء دولة قرطاجة أو الدولة البونية التي احتلت 300 مدينة وتحدّت الإمبراطورية الرومانية لاحقاً، والبونية اسم أطلقه الرومان على الدولة الفينيقية وسكانها القرطاجيين في غرب المتوسط.
تأثر الملك جابون بإنجازاتها وافتتن بجمالها وذكائها، فطلب الزواج منها، ورفضت لأنها لا تزال تحب زوجها الراحل. حاول أن يجد امرأة بمثل جمالها وذكائها، فأخفق. هددها بحرق قرطاج، فوافقت ثم أخذت منه وعداً ملكياً بالمحافظة على قرطاج وصونها. وفي ليلة الزفاف رمت نفسها في المحرقة وماتت أمام عينيه.
تفاصيل واختلافات
الأسطورة وفرجيل وكريستوفر مارلو أسهبت في الحديث حول حياة أليسار، لكن تفاصيل حياتها بقيت غامضة. لذلك حامت حولها الأساطير وانطلق الخيال ليبدع في رسم تلك التفاصيل. فظهرت الاختلافات. لا أحد ينكر أن إليسا ماتت في المحرقة، لكن السبب في التفاصيل يختلف.
في الأسطورة تموت حرقاً لأنها وفية لزوجها وترفض الزواج بملك آخر. وهذا يتوافق مع التقليد الأسطوري حيث تظل الملكة وفية لزوجها حتى الموت.
لكن فيرجيل جعلها مشبوبة العواطف وملتهبة الرغبات تقتل نفسها من العشق أو لأن اينياس رفض الزواج منها! ومع أن فيرجيل يتعاطف معها ويضفي سمات النبل على حبها ومعاناتها، غير أنه يجعلها محطة عابرة في حياة اينياس.
يقول لها اينياس حين يودعها: لا أنكر أيتها الملكة أنك تستحقين ما تعجز عنه الكلمات. أنا لم أحمل مشعل الزواج ولم أقسم اليمين.. أنا لا أسعى إلى إيطاليا بمحض إرادتي.
محطة سوداء
الشاعر الإنجليزي كريستوفر مارلو جعل اينياس محطة، محطة سوداء في حياة إليسار. لقد رسمها في مسرحيته «ديدو ملكة قرطاج» 1585 مارداً، ورسم اينياس قزماً يخون الحب الصادق والمرأة المخلصة التي عاش معها كزوج وشاركها في الحكم وبناء الدولة.
وفي المونولوج أو المشهد المسرحي الذي تناجي فيه نفسها يجعلها تنطق بالشعر الخالد وتعترف بذنبها بأنها أعطت قلبها لرجل لا يستحقه. طبعا لم تصادف هذه المسرحية نجاحاً كبيراً، لأن إينياس كان شبه مقدس وقتئذ.
لكنها تألقت وحطمت الأرقام حين بنى عليها الموسيقار هنري بورسيل أوبرا «ديدو وإينياس» 1688 التي تعتبر أول أوبرا إنجليزية عظيمة قدمتها بريطانيا إلى لعالم، ومنذ ذلك الحين لم يتوقف عرض مسرحية مارلو وتحديثها حتى الآن.
العاشقة الصادقة
تختلف حكاية «إليسار» عن الكثير من حكايات النساء العظيمات اللواتي صنعن التاريخ، بأنها قريبة من القلوب أكثر منهن، ففي تونس، حيث صافحت التاريخ مدينتها قرطاج كصرح حضاري، يبجلونها كسلف ويعظمونها كبطلة تاريخية.
وفي لبنان وسوريا، مهد الحضارة الفينيقية، يحبونها ويفتخرون بها رمز للقوة والجمال، وفي الغرب والشرق يوقرونها ثيمة للتواصل بين الشعوب ورمز للعاشقة الصادقة التي أعطت كل شيء للحب ولم تأخذ منه غير الموت.
في التشكيل، لوحة «موت ديدون» للفنان الإيطالي اندريا ساشي، ولوحة «الوليمة» 1704 للفنان الفرنسي فرانسوا دي تروي، وتمثال «إليسا» للفنان الفرنسي كريستوف كوسيه في متحف اللوفر في باريس.
1641
في الأوبرا، هناك أكثر من أربعين أوبرا، منها أوبرا «ديدون» 1641 للموسيقي الإيطالي فرانشسكو كافالي من العصر الباروكي، كما استلهم منها الموسيقار الألماني كريستوفر غروبنير أوبرا «ديدون»، إضافة إلى أوبرا «ديدون المهجورة» للموسيقار الدانماركي غوسيب سارتي.
1794
الكاتبة الألمانية شارلوت فون شتاين كتبت «ديدو» سنة 1794، وأدخلت فيها بعض الأحداث من سيرتها بعدما تخلى عنها الأديب الألماني الشهير غوتة مثلما تخلى اينياس عن إليسا، بعد ذلك تتابعت الأعمال عنها مثل؛ مسرحية «ديدون» الموسيقية، التي وضع ألحانها الموسيقار الفرنسي هنري دي ماريت ومسرحية «ديدو» الغنائية التي وضع ألحانها الموسيقار الايطالي نيكولو بسيني، و«ديدون المهجورة»، التي وضع ألحانها الموسيقار الإيطالي سافيريو ميركادانتي.
2009
في السابع من أكتوبر2009، أبحرت سفينة «الحب» الفرنسية، بمبادرة من الأديب الفرنسي دانيال رندو، من ميناء مالطة إلى خليج تونس، وكان على متنها أكثر من25 أديباً وسينمائياً وصحافياً من ثمانية بلدان عربية وأوروبية. وقد حملت تلك المبادرة اسم «على خطى إليسار» وهدفها إيجاد سبل جديدة لتطوير التواصل بين بلاد البحر المتوسط.




