عمل استأثر باهتمام رجال الإعلام والمخابرات إبان الحرب الباردة وبقي وهجه مستمراً

الدكتور جيفاكو.. الأدب سيد السياسة

لعل رواية «الدكتور جيفاكو»، لمؤلفها، الكاتب الروسي، بوريس باسترناك، الوحيدة التي دخلت عالم السياسة من الباب الواسع، واستأثرت باهتمام رجال السياسة والإعلام والمخابرات، إبان الحرب الباردة.

وكان متوقعاً أن يخبو الاهتمام بها مع ذوبان الحرب الباردة، لكنه توهج وتركز على أمرين: إنصاف هذه الرواية والكشف عن الحقائق الضائعة بين الدعاية الأميركية الداعمة لها، والدعاية السوفييتية المدمرة لها.

خيوط الحكاية

تبدأ أحداث الرواية في منطقة الفولغا سنة 1903 بجنازة ماريا، أم الصبي يوري جيفاكو (11 سنة)، التي هجرها زوجها، اندريه جيفاكو، وبدد ثروة العائلة في القصف والعربدة. ويتولى رعاية الصبي عمه كوليا ونيكولاي نيكولافيش، وهو كاتب صحفي تقدمي.

وفي أحد أيام الصيف يسافر نيكولاي ومعه يوري، إلى بلدة دوبليانكا لزيارة صديقه ايفان في المزرعة التي يملكها كولاغريفوف، وهو تاجر ثري لديه ابنتان: ناديا وليبا. يلهو يوري معهما ثم يتعرف على الصبي ميشا، الذي ينتحر والده المخمور ويرمي نفسه من عربة القطار. وبعد تلك الزيارة، يرسله نيكولاي إلى موسكو ليقيم مع عائلة غروميكو ويتابع دراسته، فيتعرف على تونيا غروميكو.

لقاءان

وفي سنة 1904، تندلع الحرب الروسية اليابانية، وتنزح آماليا مع ابنها روديا وابنتها لارا، من يورياتين في جبال الأورال إلى موسكو. تعمل بنصيحة صديق زوجها السابق، المحامي كوماروفسكي، وتوظف مالها في متجر لبيع الألبسة ثم تسكن في شقة فوق ذلك المتجر.

يتودد إليها المحامي ويتخذها عشيقة، ثم يغوي ابنتها لارا ويعاشرها من وراء ظهرها. تنزعج لارا من كوماروفسكي، فتهرب من المنزل وتعمل مربية للصغيرة ليبا كولاغريفوف. وهناك تتعرف على باشا، الشاب المنكوب، الذي قاد والده الإضراب في محطة سكة الحديد في موسكو، واعتقله البوليس ثم نفاه من موسكو. فتتعاطف معه وتحبه ثم تصمم على ترك عملها والزواج به.

لقاء

يقابلها يوري بالصدفة مرتين. الأولى سنة 1906 حين تحاول والدتها الانتحار بالسم، ويترك جارها عازف الفيولونسيل الحفلة الموسيقية ويسرع لإنقاذها. يلحق به يوري وميشا إلى شقتها ويدخلان إحدى الغرف، فيجدان لارا نائمة على كرسي في الغرفة المظلمة. في تلك اللحظة، يدخل كوماروفسكي وبيده المصباح، فتستيقظ لارا وتتصرف معه بدلال.

في تلك اللحظة يهمس ميشا في أذن يوري؛ « إنه الرجل الذي دفع والدي إلى الانتحار في القطار». وكان اللقاء في المرة الثانية سنة 1911، بعد التحاقه مع تونيا وميشا بكلية الطب، في حفلة الميلاد الراقصة. إذ تطلق لارا النار على كوماروفسكي، فتصيب النائب العام بجرح طفيف.

قدر محتوم

تجنباً للفضيحة، يستخدم كوماروفسكي نفوذه لمنع محاكمة لارا التي تتزوج باشا، وتعود معه إلى يورياتين. يتطوع باشا في الجيش الروسي الذي يدخل الحرب مع المانيا والنمسا، وتعمل لارا ممرضة، يأسره الجيش النمساوي ويعتقد الجميع أنه مات.

أثناء ذلك، يتخرج يوري ويتزوج تونيا ويعمل طبيبا في الجيش في غاليشيا. تصيبه قذيفة مدفعية بجروح، ويُنقل إلى المستشفى الميداني في بلدة ميليوزيفو حيث تعمل لارا. تعتني لارا به، فيشعر بالامتنان والحب لها، لكنها لا تبادله المشاعر. ثم تصل الأخبار بقيام الثورة وتنشق الوحدة العسكرية المحلية عنها.

يودع يوري لارا وداعاً عاطفياً، ثم يركب القطار عائدا إلى موسكو، وتعود هي إلى يورياتين. بعد أيام تبدأ الحرب الأهلية وتصبح الحياة خطيرة وصعبة جدا في موسكو. يلجأ مع عائلته إلى المزرعة، التي يملكها جد زوجته في فارينكو قرب يورياتين، وينعم هناك بالهدوء والغذاء الوافر ويكتب الشعر.

يزور المكتبة العامة في يورياتين، ويصادف لارا هناك. يتودد إليها من جديد ويرتبطان بعلاقة حميمة. بعد شهرين يشعر بالندم ويصمم على الاعتراف لزوجته بالخيانة وطلب الصفح منها. وفي الطريق إلى المزرعة، يختطفه الثوار بقيادة ليبيريس المتطرف، ويجندونه ضابطاً طبيباً.

بين قصتين

يمضي يوري وقته مع ليبيريس، ويكتشف أنه مدمن كوكايين. يبقى محتجزاً معهم سنتين ثم ينجح في الهروب ويعود إلى يورياتين مشيا على الأقدام. وهناك تخبره لارا أن زوجته أنجبت طفلة في غيابه، وهربت مع الطفلة وابنه ساشا ووالدها إلى موسكو، بعد أن حوّل الثوار المزرعة إلى جمعية تعاونية. يحصل يوري على عمل في المستشفى ويقيم مع لارا.

وبعد شهور، يسلمه أحد الرجال رسالة من زوجته، انتقلت من يد إلى يد حتى وصلت إلى يورياتين. وتخبره فيها ان الثوار نفوها مع طفليها ووالدها من موسكو إلى باريس، لأن جدها أحد أقطاب صناعة الفولاذ. وعندما ينتهي من قراءة الرسالة، يشعر بالألم في صدره ويصاب بالإغماء.

يُعين المحامي كوماروفسكي وزيراً للعدل في الحكومة الجديدة، ويحاول مساعدة يوري ولارا على الهروب إلى الغرب، فيرفضان. يحذرهما من الخطر المحدق بهما، وأنهما معرضان للاعتقال والاستجواب في أية لحظة.

يُقنع يوري لارا بالذهاب مع كوماروفسكي، على أن يلحق بها. ثم يعود إلى موسكو ويسكن مع مارينا، ابنة عائلة صديقة وأم لولدين. وهناك يكتب الشعر ويبحث عن عمل. وعندما يجد عملاً مناسباً، تصيبه أزمة قلبية ويموت. بعد مدة تموت لارا في أحد معسكرات الاعتقال.

سؤال.. فصدارة

نُشرت هذه الرواية في ميلانو عام 1957، بعد تهريبها من الاتحاد السوفييتي الذي منع نشرها وبالغ في حظرها. أما كيف جرى تهريبها ولماذا، فذاك سؤال بقي بلا جواب حتى هذه السنة. واذا بها، أخيرا، تتصدر من جديد العناوين الرئيسية في الإعلام العالمي.

ففي مقالة بعنوان «الدكتور جيفاكو»، نشرتها صحيفة «التلغراف» البريطانية في السادس من الشهر الماضي، قال الكاتب الأميركي، بيتر فوستر «تحمل هذه الرواية السمات البارزة للحرب الباردة.

وبدأت سنة 1957 حين سلمت محطة للمخابرات البريطانية في موسكو، فيلمين على بكرتين صغيرتين، إلى عملاء في وكالة الاستخبارات الأميركية. لم يظهر في الفيلمين صور لطائرة حربية سوفييتية جديدة أو صاروخ باليستي جديد. ظهرت صور لسلاح أقوى منهما في الحرب الايديولوجية بين الشرق والغرب.. حملا صورا فوتوغرافية لصفحات الرواية الرائعة. أما الدافع، فهو استخدامها أداة لتشجيع المعارضين وإثارة الانشقاق داخل الاتحاد السوفييتي».

أحقية مطلقة

بعد نشرها بسنة واحدة فقط، فاز مؤلف الرواية، بوريس باسترناك، بجائزة نوبل. واعتبر الاتحاد السوفييتي هذا الفوز إهانة بالغة. فروجت أجهزة إعلامه ومعها اتحاد الكتاب السوفييتي، للرأي القائل ان الجائزة مٌنحت لاعتبارات سياسية لا أدبية. هل هذا صحيح؟ عندما فتحت اللجنة المسؤولة عن نوبل الملفات المحفوظة لباسترناك سنة 2008، أي بعد خمسين سنة، ظهر ما يدحض ذلك الرأي.

 إذ جرى ترشيحه للجائزة 6 مرات، أربع قبل نشر الرواية إضافة إلى مرتين بعده. ومن جهة أخرى، عادت هذه الرواية معززة ومكرمة إلى وطنها عام 1987، وحولها الأدباء والفنانون الروس إلى دراما ومسرحية. واحتفلوا بمرور 50 عاما على نشرها.

 

بطاقة

 

بوريس باسترناك (1890-1960)، روائي وشاعر روسي. يعد ديوانه «أختي حياتي» من روائع الشعر الروسي والعالمي. ضغطت عليه السلطات السوفييتية حتى يرفض جائزة «نوبل» بعد أن فاز بها عن روايته «الدكتور جيفاكو»، ومنعته من السفر. كتب قصيدة شهيرة بعنوان «جائزة نوبل»، وقد توفي الروائي بعد عامين من إعلان فوزه.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات