ليست ملحمة الإنيادة، أعظم من الإلياذة والأوديسة، لكنها حظيت بمكانة أرفع منهما في التراث الإنساني. وواضح أن فرجيل تقفى خطوات هوميروس في بناء ملحمته ورسم بطله على شاكلة أوديسوس، غير أن الفرق كبير بينهما: هوميروس يتغنى بالأمجاد وفرجيل يصنعها. أوديسوس بطل مغامر يخوض الأهوال ثم يركب السفينة عائداً إلى وطنه، وإينياس بطل مشرد يمتطي المخاطر ويمخر البحر باحثاً عن وطن. وأضفى ذلك الهدف نبلاً على هذه الملحمة وجعلها تتجاوز الحد روعة في الفكر والفن.

رحلة ومحطات

يبحر إينياس مع والده وابنه والناجين من مذبحة طروادة، وتلاحقهم الآلهة الغاضبة بالعواصف التي تدفعهم من أرض إلى أخرى. تبلغ السفن شاطئ جزيرة كريت ويبنون هناك مستوطنة، لكن الطاعون يتفشى ويرغمهم على الرحيل. تسير السفن في الخط ذاته الذي سلكه أوديسوس، ويواجه الطرواديون، العمالقة المتوحشين والحوريات الساحرات هاربيس..

والوحشين سكيلا وكاربيدس. وبعد سبع سنوات من المخاطر والضياع، ترسو السفن على ساحل جزيرة صقلية، ويظن الطرواديون أنها أرض الوطن الجديد، لكن أبولو يخبر إينياس أن الأرض هي لاتيوم (إيطاليا) القريبة. تبحر السفن من جديد، وتضربها «جونو» زوجة ملك آلهة الرومان جوبيتر، بعاصفة ترميها على ساحل قرطاجة، فترحب بهم الملكة ديدو، وهي ابنة ملك صور التي هربت مع المواليين لها من بطش أخيها الأصغر منها الذي طمع بالعرش والثروة وقتل زوجها وحاول قتلها.

إينياس وديدو

في الوليمة التي تقيمها ديدو على شرفه، يتحدث إينياس، بحزن وألم، عن مذبحة طروادة وعن قتل زوجته كروسا أثناء الهروب. يخبرها كيف أنقذ والده العجوز أنخيسيس وابنه الصغير أسكانيوس، ولجأ إلى الجبال، فلحق به الناجون من الطرواديين والتفوا حوله. يخبرها أيضاً عن شبح هيكتور الذي ظهر له وطمأنه بأنه سيبني طروادة الجديدة، الدولة العظيمة في أرض بعيدة. ثم يروي لها المغامرات والأحداث المروعة التي اعترضته حتى وصل إلى قرطاجة.

تتعاطف ديدو معه، فهو أمير هارب يبحث عن وطن مثلها، وتقع في حبه ويبادلها الحب. وفي أحد الأيام، تدفعهما عاصفة إلى اللجوء إلى كهف ويحدث ما تعتبره ديدو، حسب تقاليدها، زواجاً. يقبل إينياس بتلك التقاليد، ويعيش معها بسعادة ويتعاون مع رجاله على بناء وطن للشعبين. لكن أبولو يظهر له ويحثه على إنجاز المهمة الملقاة على عاتقه.

فيقرر أن يعود إلى البحر ويودع ديدو. تظلم الدنيا في عينيها وتودعه من دون أن تظهر الحزن. وعندما يركب سفينته، تأمر ببناء محرقة من المتاع الذي كان يستخدمه ثم تصعد إلى المحرقة وتطعن نفسها بسيفه الذي نسيه وتضرم النار.

الاستيطان الأول

تدفع العواصف السفن إلى صقلية مرة ثانية. وهناك يقيم إينياس المباريات الرياضية في الذكرى السنوية الأولى لوفاة والده. وبعد المباريات تشتكي النساء المنهكات من ركوب الأمواج المتواصل بلا طائل، ويطالبن بالاستقرار في صقلية.

يقع إينياس في حيرة. فتأتيه رؤيا تطلب منه أن يزور والده ويستشيره في مملكة الموت. ينزل بمساعدة الحورية سيبل إلى هناك. ويقابل والده الذي يشجعه على إنجاز المهمة ويريه صوراً من المستقبل الباهر للدولة التي سيبنيها. يعود إينياس ويبحر تاركاً الرجال والنساء اللواتي رغبن بالاستيطان في صقلية.

الحروب مع اللاتين

يستقبل الملك لاتينوس إينياس ورجاله بحفاوة. ويشعر بأن النبوءة التي تقول إن أميراً غريباً سيتزوج ابنته لافينا وينشئ دولة عظيمة، ستتحقق. ينزعج تورنوس زعيم الروتوليين الذي يريد لافينا له، وتقف أمها أماتا إلى جانبه.

ويحرض الاثنان على كره الطرواديين وطردهم. أثناء ذلك يصطاد أسكانيوس حيواناً يتضح أنه ملك لأحد الرعاة المحليين، وينشب شجار بسيط. يستغل تورنوس هذه الحادثة ويوغر صدور اللاتين على إينياس وابنه، ثم يجهّز جيشاً ضخماً ويشن الحرب على الطروادين. يؤازر الملك إيفاندر إينياس، فيقتل تورنوس ابنه بالاس ويصيب رمح إينياس فخذه. يفكر القادة اللاتين بعقد هدنة ويوافق إينياس، لكن أخت تورنوس تنقضها..

ويستعر القتال حتى يقتل إينياس تورنوس. فيتزوج لافينا وينشئ مدينة لافينيوم، ويموت بعد ثلاث سنوات. ويتحرك ابنه إسكانيوس صوب الألب، ويبني ألبا لونغا التي يولد فيها رومولوس وريموس، مؤسسا روما.

الشاعر والبطل

أراد فرجيل أن يصنع مجداً لدولة فتية لا مجد لها. فلجأ إلى الموروث الشعبي وبعث الروح في أسطورة إينياس التي يدعو من خلالها إلى الافتخار بالسلف والاقتداء به، واستلهام أخلاقه النبيلة في بناء المجتمع والدولة على غرار ما فعله سليل أسرته الإمبراطور أغسطس، حاكم روما آنذاك (إينياس ابن فينوس ربة الحب والجمال).

وعلى عكس ما هو مألوف في الملاحم التي دأبت على تقديم أبطال عظام فوق مستوى البشر، قدم فرجيل بطلاً عظيماً من مستوى البشر، وجعله ضعيفاً وعاطفياً ومسلوب الإرادة في بعض المواقف، وخاصة عندما يؤدي الواجبات الدينية والعائلية. إنه ابن بار وزوج صالح وأب حنون ومؤمن يهتدي بالآلهة.

ويضع فرجيل إينياس، في أحداث الملحمة وتفاصيلها، في تعارض مع الشخصيات الملحمية، مثل بوولف وجلجاميش وأخيل وهرقل وجيسون، وحتى أوديسوس. فكلهم لديهم عائلات، لكننا لا نراهم خاضعين ومسترحمين، ولا نعلم شيئاً عن ذلك الجانب الإنساني في مآثرهم. إنهم يثيرون فينا الحماسة والإعجاب، لكن إينياس يثير فينا أيضاً المشاركة والتعاطف. إنه بطل قريب منا، وهذا ما ابتغاه فرجيل.

في الفنون والملاحم الأخرى

1798 هناك المئات بل الآلاف من الأعمال الأدبية والفنية التي تأثرت واستوحت واقتبست ووضحت هذه الملحمة. ويقول بعض النقاد لولاها ما وجدت الملحمتان «الكوميديا الإلهية» لدانتي، و«الفردوس المفقود» لملتون. كذلك ملحمة «الإنيادة» للشاعر الكرواتي إيفان كوتلاريفسكي (1798)، الذي جعل إينياس بطلاً كرواتيا يناصر الفلاحين، ويبني دولة كرواتيا الجديدة.

في المسرح

1693 مسرحية «ديدون» الموسيقية، للموسيقار الفرنسي هنري دي ماريت. عُرضت للمرة الأولى على «مسرح الباليه الملكية» في باريس. لايزال عرضها مستمراً، واحتلت المركز الأول في «مهرجان بون» في ألمانيا 2007.

2008 مسرحية «إينياد» الغنائية. كتب الأغاني لها ووضع الألحان آدم بروكس، وأخرجها ماتيو كوزاك 2008. واستمرت عروضها بلا انقطاع. إذ كان آخرها في أكتوبر 2013 في الولايات المتحدة الأميركية.

في الأوبرا

1641 أوبرا «ديدو وإينياس». وضع ألحانها هنري بورسيل. ويفتخر بها الإنجليز ويعتبرونها الأوبرا الإنجليزية العظيمة الأولى. ولاتزال تجول في عواصم العالم. وأحدث عرض لها جرى على «مسرح سيدني للأغاني» في أستراليا في يناير 2014.

1856 أوبرا «الطرواديون». وضع ألحانها هكتور بيرليوز، وعرضت بداية على «مسرح دي لا فيل» في باريس. يعتبرها الفرنسيون من الروائع. وعرضها مستمر بلا توقف.

الشاعر والإمبرطور

بدأ الشاعر الروماني فرجيل (70 ق.م - 19 ق.م)، بكتابة هذه الملحمة بعد سنتين من انتهاء الحرب الأهلية التي أدت إلى سقوط الجمهورية وصعود الإمبراطورية. وحاول الإمبراطور أغسطس التوفيق بين النظام الجمهوري والنظام الإمبراطوري، فأجرى الإصلاحات الاجتماعية ورعى الحركة الفكرية، وكان فرجيل من الشعراء المقربين إليه. لذلك اقترح فرجيل بناء هذه الملحمة بهدف تمجيد روما وشعبها والإشادة بالإمبراطور الذي ينحدر من الأسرة التي أسسها إينياس.

وعندما انتهى من كتابة نصف هذه الملحمة، اكتشف أن أغسطس لا يريد شيئاً غير تمجيد أسرته وتكريس حقه الإلهي في حكم روما. فتوقف عن الكتابة واعتذر. لكن أغسطس لم يقبل الاعتذار وأمره بالاستمرار. ومضت إحدى عشرة سنة ولم يكمل الملحمة. وقبل موته إثر ضربة شمس حادة، وهو عائد من اليونان إلى روما، طلب من أصدقائه حرق الملحمة لكن أغسطس رفض تنفيذ وصيته وأعطى الملحمة إلى توكا وتاريوس، وطلب منهما تنقيحها. وأصبحت جاهزة بعد سنتين من موته.

 

1962 فيلم «المنتقمون» : إنتاج إيطالي . إخراج جورجيو ريفالتا. وتمثيل: ستيف ريفز وكارلا مارلير وليانا أورفي وجياكو روزي. حقق نجاحاً باهراً. وهناك طلب مستمر عليه (على أقراص السي دي وأشرطة الفيديو العادية).

1995 فيلم «ديدو وإينياس»: إنتاج أميركي. إخراج باربارا سويت. وتمثيل: جنيفر لين وروسل براون وآن مونويوس وشاري سوندر.

ملحمة حظيت بمكانة رفيعة في التراث الإنساني تتبع فيها فرجيل خطوات هوميروس في بناء حبكته كما رسم بطله على شاكلة أوديسوس

«إينياس الطروادي» يجسد النبل فهو بطل مشرد يمتطي المخاطر ويتحدى الأمواج باحثاً عن وطن

سبع سنوات من الأهوال والضياع تنتهي بالرسو على ساحل صقلية لكن أبولو يخبر المغامرين أن المقصودة هي لاتيوم (إيطاليا)

ديدو ملكة قرطاج تتزوج إينياس وتحاول استمالته ومن معه للاستقرار في مملكتها لكنه يرفض فتنتحر فور مغادرته

ينجح «ابن فينوس» أخيراً في هزم جميع أعدائه من اللاتين وغيرهم فينشئ وطناً جديداً للطرواديين ويؤسس لروما العظيمة