ضمن سلسلة موسوعته الفنيّة العالميّة، توقف الدكتور ثروت عكاشة عند (الفن الهندي) الذي يعتبر ابن مجتمعه، والمعبّر الصادق عن عقائده وبيئته الطبيعيّة والاجتماعيّة. وللفن والأدب في الهند أنساق خاصة، يتناول من خلالها الفنان أو الكاتب موضوعه ليقنع به المتلقي بطريقة غير مباشرة، وذلك باستخدام عناصر جذابة متنوعة مثل الفكاهة أو الهزل أو التعاطف أو الشفقة أو البطولة أو الترويع أو الطمأنينة أو الإثارة الجنسيّة أو الدهشة..
فضلاً عن عناصر أخرى مكملة تلهب المشاعر، كمشهد ضوء القمر، أو إقبال الربيع، أو النسيم العليل، أو قطرات الندى، أو زخات المطر، إلى جانب استثارة المشاعر كالنظرة الخاطفة المعبّرة، واليأس والشك والغيرة.
مقومات ومقارنات
يقول الدكتور عكاشة ان الفن الهندي نشأ في البداية متحرراً متنوعاً، ثم ما لبث أن أصبح أسيراً لنواميس فنيّة جامدة مستقاة من التقاليد والأعراف الهنديّة، فغدا فناً كهنوتياً بعد أن ظهرت كتب تضم قواعد وأصولاً تلزم الجميع بالتقيد بها. وكما كانت اليونان هي النبع الذي استقى منه الفن الأوروبي، كذلك كانت الهند هي مهد الكثير من الطرز الفنيّة في شرقي آسيا بصفة عامة.
وعلى غرار فناني العصور الوسطى المسيحيين، اهتم الفنانون الهنود بصفة خاصة، بتمثيل عالم الآلهة الغيبي، وقوى الطبيعة الخارجيّة، فلم يبالوا كثيراً بالتمثيل الواقعي للأجساد أو النسب بقدر ما عنوا بتمثيل مشاعر الرهبة والرعب والتبجيل.
ويزخر الفن الهندي بالعديد من القصص المعبّرة عن عقيدته الدينيّة، وكان الفكر البوذي قد غزا القلوب، فانتشرت فنونه من عمارة ونحت وتصوير في أنحاء الهند، ثم انتقل شرقاً عبر طرق القوافل المارة بصحراء جوبي نحو الصين ومنها إلى اليابان.
ويؤكد الدكتور عكاشة وجود أوجه للتشابه والاختلاف بين الفن الهندي والفن الأوروبي. فقد كان الفن الهندي فناً دينياً تقليدياً على غرار الفن المسيحي في العصور الوسطى الأوروبيّة الذي كان مكرساً للتعبير عن الطبيعة القدسيّة للآلهة، وتعزيز مكانة الكنيسة، والكشف عن أسس العقيدة.
مقارنة مع الفن اليوناني
من جانب آخر، درج القوم على تلقين الفنان الهندي قواعد النسب والتناغم التي تؤهله لإبداع صور تجريديّة مثاليّة قادرة على الإيحاء بالطبيعة القدسيّة للأرباب، والصور الهنديّة في واقع الأمر، تجريد للشكل الآدمي. فبينما اتجه الفنان اليوناني إلى إضفاء الكمال والمثاليّة على الجسد البشري، اتجه الفنان الهندي نحو خلق شخصيات مثاليّة خارقة للعادة..
ومخالفة للنسب المتعارف عليها، متبعاً قواعد ونسباً مقصوداً بها تجاوز الجمال الإنساني، فلا يُستخدم الجسد العاري في الفن الهندي لمجرد التعبير عن العري كما هو الحال في الفن الأوروبي، بل للإيحاء بحسيّة أرواح الإخصاب، أو بقدرة الراهب الجيني على التحكم الذهني في إرادته. والفن الهندي بصفة عامة، لا يكشف عن معرفة عميقة بتشريح الجسد الإنساني بقدر ما يكشف عن دراية واسعة بحياة الإنسان ومشاعره، وبلغة الإيماءات المعبّرة.
وتتجلى الاختلافات الحقيقية بين الفنين الهندي والأوروبي عند المقارنة بين خصائص نمط (أفروديتي) الإغريقي ونمط (الباكشي) الهندي إلهة الخصوبة الهنديّة. فبينما يوحي الفنان الإغريقي بالجاذبيّة الجنسيّة ووظيفة الآلهة من خلال المحاكاة الحرفيّة في الرخام، يصل الفنان الهندي إلى النتيجة نفسها من خلال وسائل تجريديّة، لكنها في الوقت نفسه تتبع قواعد تشكيليّة راسخة ينمحي معها التميز الفردي.
عمارة ونحت
يرى الدكتور عكاشة أن العمارة الهنديّة (كما النحت) نبعت من صميم المعتقدات الدينيّة الهنديّة، وقد وفدت إليها تأثيرات أجنبيّة على مر التاريخ. وبدأ تشييد العمارة الهنديّة المبكرة بالخشب، ثم بالطوب والحجر، وبعضها كان يُحفر بالصخر على هيئة صومعة، ولاحقاً على هيئة معابد كاملة دُعيت (المعابد الكهفيّة) حيث تبارى البوذيون والجيينيون والهنديكيون في حفر المعابد الكبرى في جوف الجبال الصخريّة..
ولعل أروع هذه المعابد هو المعبد الهندوكي في (كايلاشه). وهناك أنماط معماريّة خاصة استخدمتها العقيدتان البوذيّة والجيينية أشهرها (الستوية). كما ابتكر المعماريون البوذيون في الهند معبد الشجرة المقدس (كايتيه) غير المسقوف. وهناك أيضاً القصور الفارهة، والأبنية المتعددة الوظائف، وقد وصلت العمارة الهنديّة في بعض العصور إلى قمة الابتكار والدقة والكمال، زينتها التماثيل المجسمة والنافرة، ولوحات النقوش المختلفة العناصر والأشكال.
سمات جوهرية
من جانب آخر، يرى الدكتور عكاشة أن الفن البوذي اليوناني الروماني وجهان لعملة واحدة، وهذا ما يمكن الاهتداء إليه في فن قندهار. والحقيقة أنه لا يمكن الحكم على الفن الهندي إلا مرتبطاً بالسمات الجوهريّة لشعوب الهند، فمرد التطور البطيء الذي وسم فنون الهند هو شغف شعبها بجمع القواعد والنظم وتصنيفها، وتقديسه للأعراف والتقاليد، فلا تتغير (الأشكال) فجأةً بل تدريجياً.
وإلى جانب المنجزات الفنيّة الهنديّة الدينيّة (سواء البوذيّة أو البراهمانيّة أو الجيينيّة) كان ثمة فن دنيوي مثل اللوحات العاجيّة المحفورة التي تستخدم لتزيين مقاعد وأسرة السيدات في أجنحة الحريم، على أنه من الصعوبة بمكان التمييز بين الفن الدنيوي والفن الديني في المنجزات الهنديّة.
إسهام
أسهم المسلمون والمغول في التصوير الهندي، حيث ظهرت مدرسة التصوير المغولي بعد أن أسس ظهير الدين محمد بابر إمبراطوريّة المغول الإسلاميّة بشمال الهند، ناقلاً بذلك حضارة الإسلام إلى الهند، إذ واكب اضمحلال البوذيّة فيها شيوع نهوض الإسلام، ما شجع المصورين على تزيين مخطوطات الكتب المقدسة بالتصاوير التي تناولت في عهد السلاطنة القصائد الرومانسيّة والتاريخيّة لأمير خسرو دهلوي وملحمة الشاهنامة للفردوسي..
والحكايات الشعبيّة التي تمجد أبطال الإسلام، فضلاً عن أساليب طهي الطعام. وتكمن أهمية منمنمات هذا العهد فنياً في صدق أسلوبها عند تصوير ما يُروى ويُحس من مشاهد، وفي ثراء ألوانها، وفي لجوئها إلى الأساليب الفنيّة الأجنبيّة بعد تطويرها لتواكب التقاليد.
2000
التصوير بكهوف أجانته
يرى الدكتور عكاشة أن روعة اللوحات المصورة فوق جدران أجانته تكاد تحجب جمال المنحوتات التي لم تظفر بعناية الباحثين مثلما اعتنوا بالتصاوير الجداريّة الآسرة، مثل (جانجه) ربة النهر، وأقدم هذه الكهوف يرجع إلى سنة 2000 ق.م.
واللافت في هذه اللوحات استجابة الفنانين التامة لمبادئ التصوير الهندي التقليديّة المعروفة باسم (سادنجة)، التي تنبني على تنوع الأشكال ومراعاة النسبة والتناسب بين مختلف الشخوص والأشكال، وتضمين اللوحات المصوّرة بالمشاعر والأحاسيس، مع إعمال عناصر التعبير عن الجمال في تشكيل التكوينات الفنيّة.
1000
موسيقى ورقص وأدب
توقف كتاب (الفن الهندي) للدكتور ثروت عكاشة في بابه الرابع والأخير، عند فنون الدراما الهنديّة التي انبثقت من الطقوس والشعائر القديمة، وهي بشكل عام مبنية على توحد فنون الشعر والرقص والموسيقى، والهند هي المنبع الأصلي للمسرح الآسيوي الذي قام على أكتاف الدعاة من البوذيين الذين اضطروا إلى النزوح عن الهند.
أما الموسيقى الهنديّة، فهي من الفنون العريقة ويرجع تاريخها إلى ثلاثة آلاف عام، أي حوالي سنة 1000 ق . م، وهو فن غير منقطع لعرف ثقافي متوارث جيلاً بعد جيل. كذلك الأمر بالنسبة للرقص الهندي.
1632
مقام تاج محل
يضم مقام تاج محل رفاة ممتاز محل زوجة الإمبراطور شاه جهان التي توفيت وهي تضع له مولوده الرابع عشر والأخير، وقد استمر بناؤه اثني عشر عاماً، حيث تم بناؤه حوالي عام 1632 م، وساهم فيه نخبة من عمالقة المهندسين بحيث توصلوا في النهاية إلى تصميم مكتمل لا يحتاج معه إلى أي تعديل أو حذف أو..
إضافة. إلى جانب المهندسين، ساهم بإنجازه أشهر البنائين والمرصعين والخطاطين، وتطلب استكمال بنائه استخدام عشرين ألف عامل، وهو كما قال شاعر الهند طاغور: (حسب شاه جهان أنه قد سكب على ضفة النهر دمعة واحدة التصقت بوجنة الزمان).
1913
ملك الشعر طاغورالشعر يتمازج مع الرقص، وهو عند الهنود نوع من القربان الذي يقدم إلى الآلهة. وفي سماء فنون الأدب الهندي الكلاسيكي ثلاثة كواكب لامعة هم: (فالميكي) مؤلف ملحمة (الراماينه) و(فيدافياس) مؤلف ملحمة (المهابهارت) والشاعر العبقري (كاليداسه) الذي أبدع عدداً من الروائع الأدبيّة. ومن النجوم الساطعة في سماء الأدب الهندي الشاعر والمؤلف والروائي والمسرحي والموسيقي والمصوّر والفيلسوف والمتصوف والمصلح الاجتماعي والحائز على جائزة نوبل للآداب سنة 1913 رابندرانات طاغور.

