في اليوم السابع من الشهر السابع كل عام يلتقي الحبيبان، في اليوم السابع من الشهر السابع كل عام يحتفل اليابانيون بهذا اللقاء، لقاء الحبيبين صار عيداً وطنياً لأمة بكاملها، إنه عيد لا يوزع الهدايا، لكنه يوزع الأحلام ويحقق الأماني، إنه عيد تاناباتا.
وقد لا يُصدّق أن حكاية شعبية خرافية غدت إرثاً أدبياً تتناقله الأجيال، وتركت دمغات لا تُمحى في ذاكرة الشعوب، وقد زحفت هذه الحكاية بحلتها وزينتها اليابانية إلى أوروبا والأميركتين وفعلت في النفوس ما فعلته في اليابانيين منذ مئات السنين.
الراعي والجميلة
تروي الحكاية أن الراعي الشاب كان عائداً مع أبقاره إلى قريته، وعندما مرّ بالبحيرة، لمح شيئاً يلمع على ضفتها، فسار اليه ووجد ثوباً من ريش الطيور. كان أجمل ثوب شاهده في حياته، التقطه ووضعه في سلته وسار في دربه، عندئذ سمع صوت فتاة يقول: اعذرني أيها الشاب. جفل وقال: ماذا؟
هل هناك من يخاطبني؟ أجابت الفتاة: نعم، ارجع لي ثوبي. أنا أعيش في السماء وقد نزلت الى هذه البحيرة لأستحم. بدون ثوبي لا أستطيع أن أعود إلى منزلي. تظاهر الشاب بالدهشة وقال: ثوب من الريش! لا أعرف شيئاً عنه.
حب عارم
تهدج صوت الفتاة وبدت على وشك البكاء وقالت: أرجوك أرجعه لي، لكن الشاب لم يرغب بإرجاعه، فتظاهر مرة ثانية بأنه لم يره ووعدها بمساعدتها في البحث عنه ثم تابع طريقه. لحقت به وتوسلت اليه طول الطريق دون جدوى. كان يريد ذلك الثوب بقوة. سألها: ما اسمك؟ أجابت: تاناباتا، وأنت؟ أجاب: ميكيران. لم تعد تلك الفتاة قادرة على العودة إلى بيتها في السماء، ونامت تلك الليلة على الأرض عند مدخل كوخ ذلك الشاب.
في صباح اليوم التالي رق قلبه وهمّ بإعادة الثوب، لكنه شعر بالحب العارم لها. فتشبث بالثوب وأخفاه، ثم تزوجها وعاش سعيداً معها. في أحد الأيام وعندما كان في المرعى، سقطت ريشة من سقف الكوخ. عرفت تاناباتا أنها من ثوبها. تسلقت الجدار ووجدت الثوب بين عارضتين خشبيتين في سقف الكوخ. ارتدته على الفور فعادت إلى طبيعتها الأولى ولم تعد تنتمي إلى عالم الأرض.
حياكة ألف خف
عاد ميكيران وشاهدها في ثوبها عند مدخل الكوخ، فبدأت تطير فوقه وترتفع، نظر اليها بذهول وصاح: تاناباتا لا تتركيني. نظرت إليه ببرود وشعرت برغبة الانتقام منه لأنه كذب عليها، لكن حبها له جعلها تصيح: إذا كنت تحبني، قم بحياكة ألف خفٍ من قش الصندل ثم اطمرها حول شجرة الخيزران. عندما تفعل هذا، سنلتقي ثانية. أرجوك افعل ما أقول. سأكون في انتظارك. ثم ارتفعت في السماء حتى غابت عن النظر.
وفور اختفائها انطلق يبحث عن قش الصندل ويلمه حتى غابت الشمس. فعاد الى كوخه وصنع أول خف في تلك الليلة. مضت الأيام وهو يجمع القش نهاراً ويحيكه ليلاً. وعندما أنهى حياكة آخر زوج، حمل الخفاف كلها إلى شجرة الخيزران وطمرها حولها.
وإذا بشجرة الخيزران تنمو بسرعة وترتفع عالياً. تسلقها ميكيران وصعد معها. فجأة توقفت الشجرة عن النمو على بعد متر من حد السماء، والسبب انه من توقه لرؤية تاناباتا، طاش عقله ولم يصنع الخف الأخير، حاك 999 خفاً. صاح بهلع: تاناباتا.. تاناباتا! سمعها تقول: أنت! هذا أنت! ثم مدت يدها ورفعته إلى السماء.
اختبار الحقل
فرح الحبيبان لفترة قصيرة، فقد انزعج والد تاناباتا من اختيارها رجلاً من عالم الأرض زوجاً لها، وأراد اختبار ذلك الرجل قبل الموافقة على الزواج. فكلفه بعمل شاق وطلب منه أن يحرس حقل البطيخ ثلاثة أيام متتالية، ليلاً ونهاراً، دون أن يلمس بطيخة واحدة، ثم تركه في الحقل دون طعام وماء. أوصته تاناباتا بالامتثال وحذرته من أكل بطيخة واحدة وقالت له: إذا فعلت، سيحدث شيء كريه وبغيض.
مضت الأيام الثلاثة دون أن يلمس ميكيران بطيخة واحدة. وفي الدقائق الأخيرة شعر بالظمأ القاتل ولم يستطع تحمله. فتناول بطيخة وكسرها ليبل ريقه. في تلك اللحظة تفجر الماء من داخل البطيخة وتدفق بغزارة دون توقف حتى أصبح نهراً جارفاً يفصله عن تاناباتا. صاح ميكيران: تاناباتا... تاناباتا!
لكنها لم تستطع أن تفعل شيئاً. نظراً إلى بعضهما بحزن عبر النهر الذي لا يستطيعان عبوره. بات مستحيلاً لقاؤهما. ترجت تاناباتا والدها واستعطفته حتى لان، وسمح لهما باللقاء مرة واحدة، في مساء السابع من يوليو كل سنة. تنتهي الحكاية بتحول الحبيبين الى نجمين؛ النسر الهابط (نجم راعي البقر) والنسر الطائر (نجم الحائك)، اللذين يتقابلان مرة واحدة في المجرة (درب التبانة) كل عام.
طقوس احتفالية
تشكل عن هذه الرواية الخرافية، على مر السنوات، طقوس احتفالية، تعرف بمهرجانات (تاناباتا)، إذ يستعد اليابانيون للاحتفال قبل أسبوع. يضعون أغصان الخيزران كشجيرات تحمل الأوراق الملونة وطابات الزينة أمام المنازل والمدارس والمخازن والمعابد، ويرفعون فوق منازلهم الرايات الملونة الخفاقة وينثرون الأمنيات على أوراق الخيزران.
أسطورة حية
حكاية (تاناباتا) الشعبية الخرافية غدت إرثاً أدبياً تتناقله الأجيال، وتركت دمغات لا تُمحى في ذاكرة الشعوب، فهناك تاناباتا في الصين أيضاً، ويسمونها حكاية أوكسي واسم بطليها اوريمي (تاناباتا) وهيكوبوشي (ميكيران). وقد زحفت هذه الحكاية بحلتها وزينتها اليابانية إلى أوروبا والأميركتين وفعلت في النفوس ما فعلته في اليابانيين منذ مئات السنين.
ويقول الباحثون إن جذور تاناباتا صينية وقد جلبتها الإمبراطورة اليابانية كوكين من الصين عام755 م. ومع ذلك تختلف تاناباتا اليابانية عن أصلها الصيني. فهي رومانسية شفافة والصينية طقسية وتعليمية. وقد تكون الرومانسية علة انتشار اليابانية العالمي وسبب شهرتها في أدب الأطفال وأدب البالغين.
فالإنسان يقرأها طفلاً ويعيشها شاباً. وكثيراً ما يصادف في تلك المهرجانات فتاة أحلامه أو يتصافى معها ويتزوجها. وقصص الحب في يوم تاناباتا كثيرة، لهذا يسمونه بيوم فالنتاين الشرقي.
في المهرجانات
2013 يحتفل الصينيون وبعض المناطق اليابانية بيوم تاناباتا وفق التقويم القمري في السابع من أغسطس، وفي أميركا، بدأ، هذا العام، مهرجان تاناباتا السنوي الخامس في لوس انجلس والرابع في سيلكون فالي في 9 يوليو واستمر يومين. واحتفل البرازيليون بمهرجان تاناباتا السابع في ساو باولو في عطلة نهاية الأسبوع الأول من شهر يوليو 2013.
في كواليس السياسة
2008 تزامن المؤتمر 34 لمجموعة الدول الصناعية في طوكيو 2008 مع عيد تاناباتا. وكمضيف دعا رئيس وزراء اليابان فودوكا القادة الثمانية إلى المشاركة في الاحتفالات وهيأ جواً خاصاً لهم. فطلب شجرة خيزران مزينة وفق التقاليد اليابانية وقصاصات مميزة من الورق الملون ليكتب عليها الزعماء أمنياتهم.
في الفنون
2000 في التشكيل، هناك مئات اللوحات والرسومات، أبرزها لوحة "تاناباتا" للفنانة الاسكتلندية اليسون ماكينزي. في الدراما، عشرات القصص المصورة والمسلسلات التلفزيونية الكارتونية بأسماء مختلفة: " تاناباتا" "الأماني والأحلام" و"الراعي والحائكة" و"أحلام الأطفال" و"عيد النجوم" عام 2000. في الشعر قصائد لا تنضب يعلقونها على شجيرات الخيزران.


