يُُمثّل «الديكاميرون»، كتاب القصص الأول في إيطاليا. ذلك حتى وإن كتب وعرفه الناس في القرن الرابع عشر الميلادي. واستمد اسم الكتاب، لمؤلفه جيوفاني بوكاكشيو (1313- 1375)، في اللغة الإيطالية، من اليونانية: ديكا، أي: عشرة. كما تعني "هيميرا": يوم. وبذا فإننا هنا، ومع مضمون الكتاب وعنوانه، بصدد حكايات شائقة، حدثت خلال عشرة أيام.. وهكذا أطلق علية كتاب "الأيام العشرة".
الكتاب، كما يصفه نقاد كثر، بمثابة تشويق وخيال يحكيان أوروبا القرون الوسطى. لعل الكتاب، يُجسّد الملمح الأول الذي يرصد العلاقة (الشكلية على الأقل)، بينه وبين قصص "ألف ليلة وليلة" العربية، إذ يقدم مؤلفه عشر قصص في اليوم الواحد، ولمدة عشرة أيام، يرويها أحد الشخصيات العشر. وكما كانت "ألف ليلة" العربية، سجلاً معبراً عن الكثير من المفاهيم والعادات والتقاليد، مع الخيال الجامح والسخرية والتفكه، بدت حكايات الديكاميرون كذلك أيضاً.
تدور أحداث قصص الكتاب في القرن الرابع عشر الميلادي، إذ أودى انتشارالأوبئة، حينها (مثل: الطاعون)، بربع سكان القارة. كما أنه زمن شهد اندلاع حرب المئة عام (1337-1453)، بين فرنسا وإنجلترا. وكذا فإنه القرن الذي عرف بتراجع نفوذ الكنيسة خلاله، بعد أن كان لها اليد الطولى والعليا لقرون عديدة.
بداية السرد والحكايات
يبدأ الكتاب بوصف دقيق لوباء الطاعون الذي اجتاح أوروبا في عام 1348م، إذ تحولت إلى مسرح يجتاحه الوباء، ويصف بوكاكشيو أعراض الداء والحالة العامة السائدة التي عاشها وعايشها أفراد المجتمع، آنذاك: من تعاسة وشقاء.. وغير ذلك.
ثم يعرض المؤلف لما حدث للشباب والصبايا الذين هربوا معاً، ومن ثم قرروا أن يُنصبوا أحدهم، في كل ليلة، ملكاً، وكذا يستمعون إلى القصص والحكايات، لعلهم بذلك يسرون عن أنفسهم.
وابتعد بذلك بوكاكشيو عن الوباء والمأساوية، وجعلهم يعيشون في القصر الريفي، فيستمتعون بالحياة قبل مجيء الموت.
وحدث ذلك في يوم الثلاثاء من أحد الأسابيع، إذ اجتمع سبع فتيات: فياميتا، بامبينيا، لوريتا، فيلومينا، نييفيلة، اليسا، ايمليا. وذلك بمحض المصادفة، بعد انتهاء القداس في كنيسة القديسة "ماريا نوفيلا"، فاقترحت أكبرهن سناً: بامبينيا، أن يهجرن المدينة التي روعها الطاعون، ويلجأن إلى الريف، وبينما كن يتبادلن الرأي، أقبل من الكنيسة ثلاثة شبان: بامفيلو، ديونيو، فيلوستراتو
. وكان بينهم قريب لإحدى الفتيات. وتعارفوا معا ثم ذهبوا كل إلى حاله. ومن ثم رحل العشرة معاً، في فجر اليوم التالي. وعندما استقروا في القصر الريفي، اقترحت بامبينيا أن ينتخب العشرة من بينهم ملكاً، يتولى أمورهم طيلة اليوم، وعلى أن يتناوب العشرة على الزعامة، واحد لكل يوم، ولما اقترب المساء، جلس الجميع في البستان، وأمرت ملكة اليوم الأول أن يجلسوا في حلقة، واقترحت عليهم أن يروي كل منهم قصة، فأخذ العشرة بالتناوب يروون القصص.
قصة من اليوم الأول للقصص المئة
يتناول اليوم الأول قصصاً حرة، من دون التزام بموضوع محدد، فقط تروى قصص تتناول عالم الكهنة والبورجوازيين وعاداتهم في القرن الـ 14، وكذا مفهوم الدين عندهم.
ونقرأ في الكتاب، من بين قصص اليوم الأول، واحدة عن صلاح الدين الأيوبي، القائد المسلم الذي حرر القدس من الصليبيين.وتبين القصة مدى رفعة خلقه وانسانيته وشجاعته. إذ تعرض لما قدمه لاحد الصليبيين وفاء لموقف سابق وقفه هذا الاخير.
تمام العشرة
وهكذا، تتواصل القصص، مع توالي تنصيب ملك جديد من المتبقين بين العشرة، في كل يوم.. ونصل في اليوم التاسع إلى موضوع القصص الحرة. وأخيراً، يخصص اليوم العاشر للقصص المهذبة، كقصص الفروسية والعواطف والشرف، الموروثة عن العصور الوسطى.
ثم ينهي الكاتب مؤلفه، مقدماً شكره للرب الذي أتم عليه نعمه حتى أنهى عمله هذا.
نماذج نسائية
هناك العديد من القصص في الكتاب، عكست صورة المرأة العاشقة. وبينت كيف أنه حين يطغى العشق على قلب المرأة، تغيب كل الأشياء ولا يظل إلا قلبها الخافق بمن تحب.. ويمنحها قوة أخرى لأن تعيش الحياة.
نطالع في القصة الخامسة، نموذجاً للمرأة الوفية. إذ نقرأ فيها كيف يجتمع إخوة "ليزابيتا" ويقتلون عشيقها. فذات ليلة.. وبينما ليزابيتا ذاهبة إلى حبيبها، لمحها أكبر الإخوة، وفي اليوم التالي أخبر أخواه بما حدث، وقرروا معاً أن يتصرفوا بما لا يلحق العار بأختهم. وتظاهروا بأنهم سيذهبون في نزهة و"لورنزو": العشيق، معهم. وحين واتتهم الفرصة في مكان ناء، قتلوا العشيق وأخفوا قبره. وأخبروا الجميع أنهم أرسلوه في مهمة عمل.
وحين طال غيابه صارت ليزابيتا تسألهم عنه وتبكي طوال الوقت، حتى غلبها النوم بعد أن بكت كثيراً، فظهر لها لورنزو في الحلم، شاحباً ومشعثاً، وهو يقول:
".. اعلمي أنني لن أستطيع الرجوع، ففي آخر يوم رأيتني فيه قتلني إخوتك". ثم وصف لها المكان وطلب منها أن تكف عن البكاء وألا تنتظر عودته. فقررت الفتاة أن تذهب إلى المكان وطلبت من إخوتها الخروج في نزهة مع خادمتها، واتجهت إلى المكان الذي أشار إليه حبيبها.. وهناك راحت تحفر الأرض وعثرت على حبيبها. وفصلت رأس الحبيب، ثم لفت الرأس بمنديل وأعادت دفن بقية الجسد، وعادت مع خادمتها إلى البيت.
وبعد عودتها إلى البيت، اعتكفت في مخدعها ومعها الرأس، وبكت عليه طويلاً وبمرارة إلى أن غسلته بدموعها. وأخذت بعد ذلك أصيصاً كبيراً، وضعت الرأس فيه، ثم زرعت فيه نبتة ريحان. وعقبها، علم الإخوة بذلك، فقلبوه على الأرض ووجدوا المنديل وفيه الرأس، فخرجوا سراً متوجهين إلى نابولي.. ومعهم الأصيص. أما "ليزابيتا" فلم تتوقف عن البكاء والمطالبة بالأصيص إلى أن ماتت، وبهذا انتهى حبها التعس.
«المحتالة»
دارت قصص اليوم السابع، في الكتاب، حول الحيل التي تستخدمها النساء للتخلص من أزواجهن. ومن ذلك القصة السابعة، التي تروي حكاية أحد الشبان النبلاء في فرنسا، الذي عشق امرأة تدعى "بياتريس" من بولونيا، من خلال حديث الرجال عنها، فيقرر السفر والتعرف إليها.
ولم يتردد باحث في فنون السرد في الإقرار بأوجه الشبه والتلاقي بين الـ"ديكاميرون" و"ألف ليلة وليلة"، وهو ما تبدى جلياً، في أسلوب السرد المباشر واللغة.
الأديب العاشق
يبدو أن حياة جيوفاني بوكاكشيو (1313- 1375)، مؤلف الكتاب، نفسها، تحولت إلى ما يشبه الأسطورة. إذ قيل إنه ولد في مدينة فلورنسا في العام 1313م.
قضى بوكاكشيو، فترة طويلة كان يتنقل فيها بين مجموعة أماكن. ثم التقى في نابولي حبيبته فياميتا ماريا داكينو، الابنة غير الشرعية لملك نابولي، وكان هذا الغرام مصدر إلهامه خلال الـ12سنة التي عرفها فيها.
في التشكيل
1894 لوحة فنية تعكس إحدى قصص «الديكاميرون»، للمبدع جون ويليام ووتر هاوس( 1849 - 1917).
1500 لوحة للفنان ساندرو بوتيشيلي ( 1445-1510)، تُجسّد تصويراً فنياً لأحد موضوعات الكتاب.
طبعات قديمة
1492 نسخة قديمة من كتاب «الديكاميرون»، نشرت في مدينة البندقية «فينيسيا».
1467 نسخة إبداعية تمثّل إحدى قصص الكتاب، مزودة بنص ورسم، رسمها وخطها شخص مجهول.
القرن الـ15 نسخة لإحدى صفحات الكتاب.
في النحت
القرن الـ19 تمثال للكاتب جيوفاني في مدينة فلورنسا الإيطالية.
في السينما
1971 «ديكاميرون»، فيلم إيطالي شهير، مقتبس عن الكتاب، ويُجسّد قصصه ومضمونه. أخرجه وألفه بيير باولو بوسوليني. وشاركت فيه، نخبة من الممثلين.
2012 نال فيلم «تو روم ويذ لاف»، المقتبس عن الديكاميرون، شهرة كبيرة، وحصد عدة جوائز. والفيلم من تأليف وودي الن، وإخراج وودي الن وليتي ارونسون. شارك فيه، ممثلون كثيرون، منهم: روبيرتو بينيغني وجودي ديفيس.
مسكوكات
القرن الـ20 قدمت مؤسسة عالمية بارزة، مسكوكة ذهبية لمؤلف الديكاميرون جيوفاني بوكاكشيو(1313- 1375)، نالت شهرة كبيرة في العالم.


