فريد نعمة
لعلها الرواية الوحيدة التي حققت نجاحاً مزدوجاً على المستوى العالمي. إنها قصة المغامرات الشيقة التي تأسر عقول الأطفال وبطلها بارز، مثل ميكي ماوس في عالمهم.
إنها "رحلات غوليفر"، للروائي الأيرلندي جوناثان سويفت، الرواية الهادفة التي تشد عقول البالغين ومؤلفها مشهور، كما شكسبير، في عالم الأدب. وإذ يلهو الأطفال مع الخيال في حديقتها، ولا يرفعون نظرهم إلى بابها الخلفي، فإن البالغين لا يرون الحديقة، ولا يبالون إلا ببابها الخلفي. يا ترى ماذا وراءه؟ وفي العموم، ينظر إلى الرواية كمغامرة هادفة اجتماعياً، تبحر في عوالم العقل والخيال، لتدين كل السلوكات الخاطئة.
محطات ورحلات متنوعة، نطالعها في فصول الرواية، ولكن جميعها ينضح بالتشويق والجمال والمتعة.
الرحلة الأولى: في بلاد الأقزام
يفتح الطبيب الجراح ليميول غوليفر عينيه، بعد تحطم سفينته، ويجد نفسه مقيداً بعشرات الحبال الرفيعة كالخيوط فوق شاطئ جزيرة الليليبوت، وحوله وفوقه، مخلوقات صغيرة، تدنو منه بحذر وهي تسدد سهامها الصغيرة التي تشبه الدبابيس إليه، لكن تلك المخلوقات، التي لا يتجاوز أطولها، السبعة إنشات، تشعر بالارتياح عندما ترى أنه غير مؤذٍ، فتُحسن ضيافتة، ويذهلها أنه يأكل في الوجبة أكثر مما يأكله ألف رجل منها.
ألفة
يأخذونه على عربة خاصة، إلى العاصمة ويقدمونه إلى الإمبراطور الذي يستظرفه، ويجده، مع حاشيته، مسلياً، فيعطيه سكناً خاصاً ويسمح له بالتجول في المدينة، وسرعان ما يصبح غوليفر ثروة وطنية ودعامة الامبراطورية، فيساعد الأقزام في الأعمال الصعبة، وينجز في دقائق ما ينجزون في شهور، ثم يساعدهم على التغلب على جزيرة بليفوسكو المعادية، غير أنه يرفض ضمها إلى امبراطورية الليليبوت، فيستاء منه الامبراطور ومستشاروه، ويتهمونه بالخيانة العظمى، ويحكمون عليه بكف النظر والموت جوعاً، فيساعده صديق على الهروب إلى جزيرة بليفوسكو. وهناك يرمم قارباً قديماً، ويبحر به إلى أن تنقذه سفينة عابرة، وترجعه إلى وطنه. يبقى غوليفر مع عائلته عدة شهور، ثم يحصل على عمل في سفينة ادفنتشر ويقوم بالرحلة الثانية.
الرحلة الثانية: في بلاد العمالقة
ترمي أمواج عاصفة، غوليفر، في أرض بروبدينغناغ، ويعثر عليه مزارع طوله22 متراً في الحقل، فيأخذه معه إلى منزله وتعتني به ابنته كأنه حيوان أليف، ثم يستخدمه لكسب النقود، ويعرضه على الناس كمخلوق عجيب. وأخيراً، يبيعه إلى الملكة التي تعجب بمواهبه الموسيقية، وتبني له منزلًا صغيراً سهل الحمل، كالصندوق أو القفص. ومع ذلك يجد غوليفر صعوبة بالغة في العيش هناك، فكل شيء حوله عملاق، ويشكل خطراً على حياته. المفروشات وأدوات الاستعمال اليومي عملاقة، وحتى الحشرات عملاقة، وتهاجمه الزنابير العملاقة لتلتهمه، فيخوض معها المعارك، يضاف إلى ذلك، مداعبات سيدات البلاط بأياديهن العملاقة التي تكاد تسحقه.
ورغم أحجامهم الضخمة، يجد غوليفر العمالقة، سذجاً لا يعرفون الكذب والخبث والخداع، ويذهله جهل الملك بالسياسة وفنونها. وعندما يخبره عن المجتمع الانجليزي، ويعرض عليه حالة أوروبا والحروب فيها، ويصف له البنادق والمدافع، يشمئز الملك ويستنكر الحروب والأسلحة و يعتبر أوروبا متخلفة.
وفي إحدى الرحلات الاستكشافية لحقل جديد قرب الحدود مع اثنين من الأمراء، ينقض نسر على الصندوق، ويطير به. وعندما يكتشف أن غوليفر ليس حشرة تؤكل، يرميه في البحر وينقذه بحارة إحدى السفن.
الرحلة الثالثة: في بلاد العلماء
يستولي القراصنة على سفينة غوليفر، ويرمونه على ساحل جزيرة صخرية قرب الهند، فتلتقطه الجزيرة العائمة: لابوتا، وهي مملكة يسكنها العلماء والباحثون الذين يكرسون حياتهم للعلم والموسيقى. وتحكم هذه الجزيرة، الأرض تحتها واسمها بالينباري، وإذا تمرد سكان هذه الأرض، رمتهم لابوتا بالصخور المدمرة.
يكتشف غوليفر أن سكان لابوتا غير منطقيين وغير عمليين. إنهم ينفقون المبالغ الضخمة على أبحاث علمية لا فائدة منها، ويبذلون الجهود في مشاريع منافية للطبيعة والعقل. وفي زيارة إلى مركز الأبحاث العلمية، يرى أنهم يحاولون استخراج أشعة الشمس من نبات الخيار، ويجرون التجارب لجعل الرخام رخواً وليناً غاية صنع الوسائد. بعد ذلك، يقوم برحلة قصيرة إلى جزيرة غلوبدوبديب، حيث يقابل خبيراً في علم الأرواح، فيتناقش معه حول بعض الشخصيات التاريخية. وعندما يستحضر ذلك العالم، شخصية يوليوس قيصر، يجده غوليفر أقل هيبة وعظمة من وصف الكتب له، ثم يزور لاغناغيانز، حيث يسكن الكهول الخالدون الذين يعانون الشيخوخة، ويفتقرون إلى الحكمة، يغادر غوليفر هذه الجزيرة مع تاجر يأخذه إلى اليابان. ومن هناك يعود إلى بريطانيا.
الرحلة الرابعة: في بلاد الحكماء
رغم رغبته البقاء في منزله، يعود غوليفر الى البحر كقبطان سفينة تجارية، فيتمرد عليه البحارة ويستولون على السفينة، ثم يتركونه في قارب بجوار أول جزيرة يمرون بها. وتجده مخلوقات بشرية متوحشة اسمها ياهو. وتأخذه إلى أسيادها الجياد هويهنهنمس، وهي جياد عاقلة وحكيمة تحكم الجزيرة ويخدمها الياهو.
يُعجب غوليفر بالجياد ونمط حياتها المثالي، فيقترب منها ويبتعد عن البشر من الياهو، وعندما يتعلم لغتها، يستنير بثقافتها الراقية ويخبرها عن المجتمع الانجليزي، ثم يعرب عن رغبته في العيش معها ويطلب حق اللجوء، لكن، بعد الكشف الطبي عليه، يرون أن جسمه مثل جسم الياهو، فيرفضون طلبه ويطردونه، فيتألم غوليفر ويبحر في قارب صغير إلى أقرب جزيرة. يصادفه قبطان سفينة برتغالية وينتشله، يعامله القبطان البرتغالي معاملة جيدة ويكرمه، لكن غوليفر لا يستطيع أن يعامله بالمثل، لأنه أصبح مثل الجياد ينفر من الياهو.
ثم تنتهي الرواية بادعاء غوليفر أن الجزر الأربع التي زارها هي مستعمرات بريطانية، ثم يناقش استعمار بريطانيا لبلاد أخرى.
عاقل وجاهل
تحمل الرواية مغزى واضحاً، وهو أن الإنسان عملاق وقزم.. عاقل وجاهل، في آن، وعليه كعملاق، أن يرحم نفسه في ضعفه، وكعاقل، أن يرحم نفسه في جهله، ونحن نرى غوليفر خارقاً يقوم بالمعجزات في بلاد الأقزام.. ونراه عاجزا يخاف من الحشرات في بلاد العمالقة. نراه أيضا، مستنيرا في بلاد العلماء..وكالأعمى في بلاد الحكماء. ويواكب هذه الرؤية مغزى آخر، وهو الطبيعة الثنائية للإنسان، وقدرته على الخير والشر معاً. وسواء أكان خيّراً أم شريراً، فإنه، وبالفطرة، قادر على فعل الخير والشر، كما أنها تشكل إدانة مباشرة من سويفت لغلو المجتمعات الأوروبية، وتحليلاً لأزماتها المجتمعية
رواج في الثقافة العالمية
لا يستوقف النقاد والباحثين الرواج العالمي لهذه الرواية، بقدر التأثيرات التي تركتها في الثقافات العالمية. ومنها:
تُستخدم كلمة" ياهو" الآن في عدة لغات للدلالة على" الإنسان الهمجي" أو "قاطع الطريق".
شاعت كلمة" ليليبوت" في لغات عديدة، كصفة تعني صغيراً أو دقيقاً. وهناك نوع من السيجار الصغير اسمه ليليبوت. وأصغر مصباح كهربائي قطره خمس ميليمترات، اخترعه توماس اديسون اسمه ليليبوت. وفي اللغة الهولندية تعني كلمة ليليبوت الإنسان قصير القامة الذي لا يتجاوز طوله المتر و30 سنتيمتراً.
دخلت كلمة بروبدينغناغ قاموس أكسفورد كمرادف لكلمة عملاق أو ضخم جداً.
تأثر الأديب والفيلسوف الفرنسي الشهير فولتير بهذه الرواية، وكتب قصة "كائنات دقيقة الحجم" سنة 1750.
في الدراما
1968 - مسلسل"مغامرات غوليفر" بالرسوم المتحركة، من إنتاج هنا باربيرا، وعرضه تلفزيون( أي بي سي):" Abc "، في أميركا.
في التشكيل
1705 لوحة "غوليفر والمزارع العملاق" للفنان الانجليزي ريتشارد ريد غريف.
1714 لوحة للفنان غراند فيلي.
في السينما
1902 الفيلم الفرنسي" رحلات غوليفر في بلاد الأقزام والعمالقة".
1935 الفيلم الروسي" غوليفر الجديد".
1939 الفيلم الأميركي " رحلات غوليفر"، من إخراج ديف فليستشير، تمثيل ويلارد بوسكي، رولاند غراندال، فرنك كيلينغ.
1965 الفيلم الياباني" رحلات غوليفر وراء القمر".
أديب ساخر
جوناثان سويفت (1667-1745)، أديب أيرلندي، من كتاب الروايات الخيالية أو أدباء الخيال العلمي، كما انه أديب ساخر متشائم وناقد لاذع لا يرحم، وعد بطلاً قومياً في عيون الأيرلنديين، فهو صاحب" الاقتراح المتواضع" الشهير الذي يقترح فيه تربية وتسمين أطفال الفقراء الأيرلنديين، لتقديمهم طعاما على موائد السادة الإنجليز. ولذلك لا نستغرب أن يختتم غوليفر روايته، في الحديث عن الاستعمار.
والتصريح أن البلاد التي زارها مستعمرات بريطانية! وفي الحقيقة، يوجه سويفت سهامه نحو المجتمع الأوروبي عامة، والمجتمع الانجليزي خاصة، وإضافة إلى العيوب الشائعة كالحسد والخبث والمكر والخيانة ونكران الجميل والشهوة إلى القوة، يركّز على السعي الأعمى وراء العلم والنتائج السلبية التي يعانيها المجتمع، من جراء إنفاق المبالغ الهائلة على التجارب العلمية لأجل صنع الأسلحة التي لا تجلب غير الدمار.
