سيمفونية البحر وترنيمته الخالدة. كنز من كنوز الأدب العالمي ومفخرة الأدب الأميري. ويقول الأميركيون عنها: "إنها ملحمتنا الأميركية الوحيدة". ويعتبرونها الأم لكل أدب وفن حول البحار والحيتان. إنها رواية "موبي ديك": (الحوت الأبيض)، للكاتب والروائي الأميركي هيرمان ميلفل.
وعندما نُشرت الرواية عام1851، لم يبال أحد بها وبمؤلفها هيرمان ميلفيل. وظلت مهملة ومرمية حتى التقطتها مؤسسة "ايفري مان لايبراري"، الشهيرة سنة 1907 وأنزلتها في سلسلة الأعمال الخالدة. عندئذ بدأ الاهتمام بها ثم تأجج سنة 1920. فشغلت القراء والنقاد والباحثين والناشرين.
خيط الحبكة الأساس
يصمم الراوي الشاب إسماعيل، بعد أن عمل بحاراً في أربع سفن تجارية، على أن يجرب حظه في إحدى سفن صيد الحيتان. لذلك يسافر من مانهاتن في نيويورك إلى ماساشوسيتس، ويصل في الليل إلى نزل"سبوتر" في نيو بيدفورد. لكنه لا يجد سريراً فيضطر إلى النوم في سرير مشترك مع رجل غريب.
ينفر إسماعيل من ذلك الرجل الفظ، الذي يغطي الوشم جسمه، واسمه كيكيغ. ويعمل صياداً للحيتان بالرمح. غير انه سرعان ما يرتاح له حين يراه طيباً ومرحاً. يتفق معه على السفر إلى نانتوكيت، مركز تجارة الحيتان، للبحث عن عمل. وهناك يوقع الاثنان على عقدين بالعمل في السفينة بيكود التي يقودها القبطان الغامض والشهير آهاب.
رحلة وهدف
تبحر السفينة صباح يوم عيد الميلاد البارد، ويشعر إسماعيل بالقلق، عندما يشاهد قبل الإبحار بوقت قصير، قارباً يقف إلى جانب السفينة ويصعد منه رجال لم يستطع تمييزهم بسبب الضباب ثم لا يظهر أثر لهم! يتعرف الصيادون والبحارة على الكابتن الأول، ستاربك.. والثاني: ستاب.. والثالث: فلاسك. لكن القبطان آهاب لا يظهر للتعارف!
وعندما تدخل السفينة المياه الحارة، يظهر آهاب ويجمع البحارة ويحثهم بخطاب مثير، على تحقيق هدف الرحلة، وهو اصطياد الحوت الأبيض: موبي ديك، لأنه برأيه، الشر المتجسد ويجب تخليص الناس من شره. ثم يشجعهم ويعلن أن"الدبلون الذهبي" مكافأة الرجل الأول الذي يرى موبي ديك. فيعترض ستاربك ويصر على أن هدف الرحلة هو زيت الحيتان والعنبر، والعودة بسلام، غير أنه يذعن بعد جدال حاد.
تتجه بيكود صوب جنوب أفريقيا، ويخرج من حوضها الغرباء، الذين تسللوا إليها قبل إبحارها، وعلى رأسهم رجل فارسي اسمه فضل الله. ويتضح أن آهاب يثق به وبقدرته على التنبؤ بالمستقبل. ويدرك إسماعيل أنهم كانوا رفاق آهاب في المعركة الأولى مع موبي ديك، مقابل الساحل الياباني.
تدور بيكود حول أفريقيا وتدخل مياه المحيط الهادي وتصادف سفناً أخرى لصيد الحيتان، فيستفسر آهاب باستمرار عن موبي ديك. وينهيه العراف غابريل في السفينة جيرابوم عن مطاردة موبي ديك. ويحذره من الموت الذي ينتظر كل من يحاول قتله.
وبعد كلام غابريل يحدث ما يعتبره البحارة نذر شؤم: يقع الصياد تاشتيغو داخل رأس الحوت وهو يستخرج الزيت منه، ويسقط معه في المحيط. يقفز وراءه كيكيغ وينقذه بصعوبة. وبعده يسقط الصبي الأسود، واسمه بيب، في المحيط وينقذه كيكيغ أيضاً.
فجأة يصيب مرض خطير كيكيغ ويتوقع الجميع موته في أية لحظة، فيصنع له نجار السفينة، بناءً على طلبه، نعشاً من الخشب على شكل مركب طويل ليحمله فوق ماء المحيط، لكن كيكيغ يتعافى ويستخدم النعش كصندوق لحفظ أغراضه الثمينة.
العثور على موبي ديك
تقابل بيكود سفينة صيد الحيتان الإنجليزية صموئيل اندرباي، ويخبر قبطانها بومر آهاب بأنه شاهد موبي ديك وحاول اصطياده فخسر ذراع يده اليمنى.. بعد ذلك تقترب بيكود من خط الاستواء وتقابل السفينتين راشيل وديلايت، والاثنتان واجهتا موبي ديك.
أخيراً يلمح آهاب الحوت، فتنزل قوارب الصيد وترميه بالرماح. يصيبه بعضها ويغرز في رأسه، لكن الحوت لا يستسلم. تستمر المعركة ثلاثة أيام. وعندما تأتي اللحظة المناسبة ليرميه آهاب بالرمح المميت، يلتف حبل الرمح حول رقبته ويجره إلى الموت. ويحاول ستاربك إنقاذ بقية الصيادين.
ويعترض موبي ديك بالسفينة، لكنه ينطحها ويحدث فجوة فيها، فتغرق وتُغرق بقية القوارب معها. يموت الجميع ما عدا إسماعيل الذي يرى نعش كيبكيغ قربه، فيتمسك به إلى أن يراه بحارة السفينة راشيل التي تبحث عن ابن القبطان المفقود وينقذوه.
هيرمان ميلفيل وموبي ديك
يمكن وصف هذه الرواية بالسهل الممتنع. فهي تبدو بسيطة ونستطيع أن نوجزها في سطور قليلة، لكننا لن نستطيع أن نعطيها حقها في كتب عدة. كما بمقدورنا اعتبارها رحلة استكشافية للبحر، والقارئ إذ سيتعرف على أشياء كثيرة يجهلها عن البحر والمحيطات. واستعان مؤلفها بتجاربه البحرية، ولم يترك ظاهرة أو عادة أو مصطلحاً أو لقباً بحرياً إلا وذكرها.
وكذا ينظر إليها كرحلة استكشافية للنفس البشرية. فالسفينة بيكود تبحر في أعماق المحيط ونحن نبحر معها في أعماق أبطالها وبحارتها. وهم تشكيلة عرقية متعددة الجنسية، وتحمل معها معتقدات وثقافات مختلفة. وإذ يطلعنا ميلفيل على تلك المعتقدات والثقافات، فإنه يضع شخصياته في صراع مثلث: صراع مع الطبيعة وصراع مع الذات وصراع مع الإنسان. ثم يدفعها إلى التأمل في الإنسان والوجود والإيمان والخير والشر، ومراجعة بعض المفاهيم والأعراف الاجتماعية.
ولبلوغ الأثر الدرامي، استعان المؤلف بالتكنيك المسرحي الشكسبيري. واستخدم الرمز والاستعارة والكناية بكثافة، وعرضها بأسلوب بليغ وسرد مبهر يشد القارئ ويتركه، رغم بعض التفاصيل المملة، في حالة تأمل عميق.
بكلمات قليلة، كتب ميلفيل عن البحر ما لم يستطع أن يكتبه أحد من قبله وبعده. واعترف له بهذا أدباء ونقاد العالم. ونورد على سبيل المثال ما قاله جورج برنارد شو: "منذ أن تعلم الإنسان الكتابة، لم يكتب مثل هذه الرواية...".
«نادوني إسماعيل»
تبدأ الرواية بـ"نادوني إسماعيل"، وهي افتتاحية متميزة شاعت كأنها قول مأثور. ونتبين أنه يشد الراوي أوتار الإثارة حين يوافق على النوم في سرير مشترك مع رجل متخلف، فنتوقع شراً. لكن إسماعيل يرخي الأوتار حين يخبرنا أن الرجل عكس ما يبدو عليه، ويتركنا نسترخي معه وهو يعرّفنا تدريجياً بنفسه: نشأ يتيماً وعمل معلماً في إحدى المدارس.
لكنه عاش مقصياً وغريباً في مجتمع يسوده الكره والحقد نتيجة التمييز الطبقي والعنصري والديني. فصمم على العمل في البحر، قريباً من الطبيعة وبعيداً عن المجتمع وشره. وفي البحر، يصطدم بتلك التعقيدات التي هرب منها. ويعاين الشر في أبشع أشكاله.
يراه حقداً في هيئة إنسان يضحي ببحارته ليروي ظمأه للانتقام من حوت! فجأة يكتشف بأن الشر من صنع الإنسان، والإنسان يحمله معه حيثما حلّ ووجد. وبهذا يستمر إحساسه بالغربة والإقصاء، وهنا يشعر القارئ بأنه يتفهم لماذا يريد أن يناديه إسماعيل. غريب على البر وغريب في البحر.
الصراع مع الذات
كل الشخصيات في هذه الرواية منقسمة على نفسها ويتقدمها، القبطان آهاب. إذ عانى من قسوة الحياة في سن مبكرة. عمل في البحر عندما كان في الثامنة عشرة من عمره وأمضى أربعين عاماً في صيد الحيتان. متزوج وله ابن لكنه لا يكترث به.
وفي بداية الرواية يخبرنا إسماعيل أن آهاب اسم ملك شرير في سفر التكوين. وعندما مات ذبحاً رفضت الكلاب أن تلعق دمه! إنه مصاب باعتلال عقلي وتسيطر عليه فكرة واحدة: الانتقام من موبي ديك الذي بتر ساقه وبتر معها هيبته وكبرياءه. أكل الحقد قلبه وعقله وبات يكره نفسه والبشر. ومع ذلك، هناك شيء من الخير في أعماقه. وفي لحظات مفاجئة، يطفو في وعيه ويصارع ذاته الشريرة.
شكسبير أميركا
هرمان ميلفيل (1819- 1891). روائي أميركي شهير. لم ينل الشهرة والاهتمام، إلا بعد وفاته بستة عشر عاماً. إذ عانى من التجاهل، ما جعله يتوقف عن كتابة الرواية ويعمل موظفاً في الجمارك، حتى مات منسياً. وحالياً، يضعه النقاد والمعنيون.
في منزلة شكسبير. ويصفونه بالأديب الذي سبق عصره! وتكريماً له، تحتفل المؤسسة الثقافية الأميركية بالذكرى السنوية لصدور روايته. وكذا احتفل محرك البحث الإلكتروني: غوغل، بالذكرى 161 له، في 18 اكتوبر2012.
في السينما
1956 قدمت السينما تسعة أفلام مقتبسة عن الرواية، وهي:
الفيلم الصامت "وحش البحر". وآخرها فيلم "موبي ديك" عام 2011. وأشهرها فيلم "موبي ديك" 1956، إخراج جون هوستون. وتمثيل غريغوري بك (آهاب) وريتشارد باسيهارت (إسماعيل).
في الدراما
1997 مسلسل "أسطورة موبي ديك". وهو من إنتاج ياباني، بالرسوم المتحركة. من إخراج اوسامو ديزاكي. واستمر حتى عام 1999.
1998 مسلسل "موبي ديك"، إنتاج أميركي أسترالي. من إخراج فرانك فرانك رودهام. ويوجد، أيضاً، مسلسل "موبي ديك".. من إنتاج ألماني نمساوي، أخرجه مايك باركر.
في الرسم
1997 أنجز الفنان فرانك ستيلا، عن موضوعة الرواية، 138 لوحة. بدأ في رسمها سنة 1985، وانتهى منها سنة 1997. وكل لوحة منها، تمثل حدثاً وتحمل اسماً من "موبي ديك".
1943 لوحتان للرسام جاكسون بولوك، تجسدان مضمون العمل .
