«الكوميديا الإنسانية»، سلسلة روائية بدأها الكاتب الفرنسي الشهير أونوريه دي بلزاك، ليرسم صورة حقيقية للمجتمع الفرنسي وصدرت في 37 مجلداً.ولتبحث في عمق التكوين الاجتماعي والانساني وتشابكات العلاقات. وقبل أن يخوض غمار هذا العمل الكبير، كان قد نشر الكثير من الأعمال، من أشعار وروايات وقصص بأسماء مستعارة، قبل العام 1829، إلى أن صرح باسم هذا العمل.
ومن ثم أصبح نجم الكتابة في فرنسا والعالم. ضمت السلسلة الفريدة عشرات الروايات، مثل: «سارازين» و«الأب غوريو» «الكولونيل شابيه» و«زنبق الوادي» و«الفتاة ذات العينين الذهبيتين». وعدها النقاد بأنها أكبر مستودع للعواطف الإنسانية.
على خطى دانتي
كان هدف بلزاك في كتابة الكوميديا الإنسانية، تصوير تاريخ السلوك البشري. وأراد الكاتب أن يعبّر عن الطبائع البشرية في مقارنتها مع الحياة الحيوانية التي تختلف بالمظهر المادي الفيزيائي، وبالسلوك الذي يوضح أساليب الحياة، وأيضاً: طرق التفكير والطبيعة الأخلاقية للأفراد.
تتضمن الكوميديا الإنسانية 91 عملاً أدبياً: (قصص، روايات، مقالات تحليلية). وكان بلزاك يرغب في أن تضّم 137 عملاً. وتحتوي على 46 عملاً غير منجز (بعضها لا يوجد منه سوى العنوان). ولا يتضمن هذا العمل الضخم، مسرحيات بلزاك، الخمس.
وعنوان "الكوميديا الإنسانية"، عمل يحاكي إبداع الكاتب الإيطالي اليغري دانتي "الكوميديا الإلهية".ويحتوي العمل على 2209 شخصيات، منها: الشخصية الشهيرة الأب غوريو.
نظمت "الكوميديا الإنسانية" في ثلاث خطط دراسية: التحليلية، الفلسفية، والسلوكية. ذلك في ثلاثة أمكنة: باريس، المحافظات، الريف. وفي ثلاثة أنواع من العلاقات: الحياة الخاصة، الحياة السياسية، الحياة العسكرية. وهي تغطي الفترة، من عام 1789 إلى 1850. وتمتد إلى ماضٍ بعيد. كما تجعل القارئ يتجوّل بخياله، في فرنسا وأوروبا.
الحياة الشخصية والعامة
تطورت "الكوميديا الإنسانية" ببطء مع بلزاك. وأعمالها الأولى، لم تُكتب حسب خطة معينة، مثل ما فعل بلزاك في روايته التاريخية "الشوان" ـــ نسبة إلى أهالي بريتانيا، المنطقة الفرنسية المتوحشة، والتي وقفت ضد الثورة الفرنسية. كذلك معها: "سيكولوجيا الزواج" التي هي دراسة تحليلية للزواج. ولكن في عام 1839 بدأ بلزاك يجمع رواياته الأولى: "ساراسين، غوبشيك". وأعطاها عنواناً: "مشاهد من الحياة الخاصة".
وكان قد قرر في عام 1833، نشر عمله "أوجين غرانديت"، تحت عنوان "مشاهد من الحياة الريفية". ومن هنا بدأت شخصياته تظهر من رواية إلى أخرى، وهو ما جعل أعمال "الكوميديا الإنسانية"، مترابطة في جدلية واحدة.
وعندما استخدم هذه التقنية في رواية "الأب غوريو"، كتب رسالة إلى عشيقته مدام هانسكا، يشرح لها فيها، مشروعه الأدبي طويل الأمد، أي انه قرر في سنة 1834، أن ينظم أعماله في ثلاثة مجاميع، ما سمح له أن يضم "سيكولوجيا الزواج" إلى العمل الكلي. ومن ثم أضاف إليها دراسة السلوك في القرن التاسع عشر والدراسات الفلسفية والتحليلية. واكد كارل ماركس، أنه استفاد من روايات بلزاك لقراءة الاقتصاد في القرن 19 أكثر من الكتب المتخصصة البحتة.
قائمة واعترافات
استخدم بلزاك للمرة الأولى، تعبير "الكوميديا الإنسانية" في عام 1839، وعندما بدأ مشروعه لم ير نهاية له، حتى بعد رحيله. إذ وجدت فصول كثيرة لم يكتبها. ولكنه رسم وخطط لكتابتها. وكتب بلزاك في مقدمة الكوميديا الإنسانية: "كنت مدفوعاً بقراءة أعمال علماء الأحياء:
جورج ــ لوي ليكليرك، الكونت بوفون، جورج كوفيير، وخاصة ايتيان جيوفري سانت هيليير".وأكد بلزاك في مقدمة العمل، أنه يحاول فهم الأنواع الاجتماعية بطريقة بيولوجية. إذ كان عليه أن يحلل الأنواع الموجودة في حديقة الحيوان. وحاول وصف العلاقات بين الرجال والنساء والأشياء. وصاغ بلزاك رواياته مستوحياً أحداث الثورة الفرنسية، على نمط روايات البريطاني سير والتر سكوت، الوالد الشرعي للرواية التاريخية.
ولفت أنه كان قد وضع في روايته «الشوان»، تفسيرات حول الرواية التاريخية وأساليب البحث والاستقصاء المتعلقة بها، وأنه وقّع هذا النص باسم مستعار هو فيكتور موريون.
وظل بلزاك يعدل في نصوصه ضمن العمل، في الطبعات المتتالية، إلى أواخر أيام حياته، بل إن عنوان الرواية نفسه، تغيّر مرات عدة، فقد أطلق على الرواية أولاً «بريتانيا في التسعينات» ثم صار «آخر الشوان»، قبل أن يستقر على العنوان النهائي الذي وصلنا.
ومن هنا لم يكن غريباً أن تقتبس رواية «الشوان» مرات عديدة، حتى في شكل لوحات زيتية ومحفورات، ثم، عند نهاية القرن العشرين، في فيلم فرنسي حقق نجاحاً كبيراً. وقامت فيه صوفي مارسو، بدور ماري دي فرنوي، الشخصية المحورية في الرواية.
الرواية التاريخية
كانت الرواية التاريخية ظاهرة أوروبية في النصف الأول من القرن التاسع عشر، من خلال أعمال كتاب وروائيين عديدين، أمثال: سير والتر سكوت وجيمس فينيمور كوبر. وفي فرنسا: الكسندر دوما الأب، فكتور هيغو. وهناك أحداث من "الكوميديا الإنسانية"، تقع في عهد الملكية الفرنسية، وأخرى أثناء الثورة الفرنسية، وغيرها في العصور الوسطى أو عصر النهضة.
وبيّن أنه تأثر بلزاك بالروايات المتسلسلة الشهيرة آنذاك، التي كانت الصحف تنشرها على شكل حلقات، مركزة على العوالم السرية للجريمة والفحشاء، التي تتخفى وراء المجتمع الفرنسي.
أما القصص القصيرة في العمل، فهي مأخوذة من الرواية السوداء، أي البوليسية. أو الرواية القوطية أو الفانتازيا.
نبذة
يعد الروائي الفرنسي، أونوريه دي بلزاك (1799 - 1850)، أحد مؤسسي الواقعية في الأدب الأوروبي( مع فلوبير). ويصنف الباحثون المتخصصون طبيعة نتاجه الادبي الغزير، بمثابة الرصد التحليلي الوصفي لبنية المجتمع.
برز بلزاك في الفترة التي أعقبت سقوط نابليون في فرنسا، كمفكر وقائد رأيي. وتجاوزت رواياته وقصصه ال91 عملا، ذلك خلال الفترة : بين عامي 1829 و 1852. ويؤكد الدارسون المتخصصون أنه من الكتاب الرواد الذين اتقنوا توظيف الخيال التاريخي والسياسي والفلسفة، في ثوب الرواية والقص.
ظهر العمل الذي يحاكي إبداع الإيطالي دانتي «الكوميديا الإلهية» في 37 جزءاً
ظل بلزاك يُعدّل في نصوصه في الطبعات المتتالية حتى أيامه الأخيرة
إبداعات تُحفّز خيال القارئ وتُغطي حكايتها الفترة الزمنية من 1789 إلى 1850 في فرنسا وأوروبا
ماركس: استفدت من روايات بلزاك لقراءة الاقتصاد في القرن 19 أكثر من الكتب المتخصصة البحتة
في السينما
1941 "دوقة لانجيس"، فيلم إيطالي، إخراج: جاك دي بارونسيلي
1943 "الكولونيل شابير" الفرنسي رينيه لي هيناف
1943 "وتستمر الحياة"، فيلم بريطاني، إخراج: كليرانس براون
1991 "المتشاجرة الجميلة"، فيلم بريطاني، إخراج: جام ريفيت
1994 "الشوان"، فيلم فرنسي، إخراج: ايف انجيلو
2007 "النزل الأحمر"، فيلم فرنسي، إخراج: جيرارد كراويسك
في المسرح
1835 "الأب غوريو"، إخراج الفرنسي: ايمانويل تيولون
1894 "الشوان"، إخراج الفرنسي: ايميلي بلافيه
1908 "النزل الأحمر"، إخراج الفرنسي: سيرج باسيه
1957 "الفاعل"، إخراج الفرنسي جان فيلار
1978 "الكولونيل شابير"، إخراج الفرنسي: جان مايير
1990 "امرأة مهجورة"، إخراج البريطاني: ستيفان أوفري ــ نوروري
2006 "جلد العذاب"، إخراج الفرنسي: دومنيك بيتواسيت
2012 "أوجين غرانديت" أو "تاريخ حياة جامدة"، إخراج الفرنسي: ألن بونيفيل
2012 "أصوات وفضاءات"، إخراج البريطاني: الكسندر باريير
