أربعة وثمانون يوماً ولم يمسك الصياد سانتياغو سمكة واحدة! أهو منحوس أم عاجز؟ في اليوم الخامس والثمانين، قرر أن يضع حداً للنحس، فغامر وتوغل بمركبه الشراعي الصغير في أعماق الخليج بحثاً عن الصيد الكبير.
ذاك هو محور رائعة «العجوز والبحر»، للكاتب الأميركي الراحل آرنست همنغواي، التي لم تكن ملامح قوة الحبكة وجمال السرد، الثيمتين الوحيدتين البارزتين اللتين ميزتاها. فذاك العمل المؤثر، تغلغل إلى عمق البحث في خفايا النفس البشرية والحياة المجتمعية، عاكساً أهمية تسلحنا بالإرادة في مواجهة بؤس الحياة ومصاعبها، متمسكين بالأمل الدائم في النجاح.
قصة إصرار
نبحر في عوالم «العجوز والبحر»، التي كتبها همنغواي سنة 1951، ونشرها ماكسويل بيركينز في 1952 (عدد النسخ في النشرة الأولى 50.000 نسخة)، إلى عوالم غنية بدلالاتها وعبرها.
فحين يقرر سانتياغو الذهاب في تحديه إلى تخوم النهايات تطلعاً لتغيير ذاك القدر المسور بالسواد، لا تطول به المغامرة حتى تبتلع سمكة «مارلين» الطعم. إلا أن ضخامتها وقوتها، يخلقان له مشكلات ومفاجآت غير محسوبة.. لكن سانتياغو بدا، معها، مصمماً على ألا يتركها تفلت، فيربط خيط الصيد بجسمه.
ويشرع يشدها ويجذبها إليه.. ولم تكن خواتيم الأمر هنا، سريعة، حيث يمر يومان ويبقى الاثنان خلالهما يقاومان ويكافحان. فكلاهما يرمي إلى تحقيق مراده. لكن، وفي اليوم الثالث تضعف السمكة، وحينها يبذل سانتياغو كل ما تبقى لديه من القوة. فيفلح في سحبها إلى القارب، ويباشر طعنها برمح الصيد، ومن ثم يربطها إلى جانب القارب. ويعكف إلى إدارة دفة المركب نحو الشاطئ.
وفي تلك المرحلة، وبعد أن ينجح سانتياغو في قتل السمكة الضخمة، تظهر أمامه عقبة كأداء جديدة خطرة. إذ يجذب خط الدماء الذي تركته السمكة وراءها على صفحة المياه، أثناء مسارها، القرش، فتندلع معركة جديدة عندها، ويبدأ في قتال ضار مع أسماك القرش. لكن، من دون فائدة، ما أدى إلى نهش القرش لسمكته وافتراسه كامل جسدها بينا كانت تُسحب خلف مركب الشيخ.
وفي خلالها، كان هو لا يحتمل أو يقدر التفكير على شيء غير النوم في كوخه. وعندما وصل الشاطئ في فجر اليوم التالي، لم يكن القرش قد ترك من «مارلينته» سوى هيكل عظمي.. فنزل الشيخ من القارب وحمل صاري مركبه على كتفه متوجها إلى كوخه.
وكان، حينها، منهكا خائر القوى، فسقط أرضا.. ولم يعاود محاولة النهوض إلا بعد أخذه قسطا وفيرا من الراحة. وحين أراد الوقوف، لم يستطع. فجلس هناك بينما الصاري على كتفه، وباشر يتأمل أمامه تلك الطريق الممتدة إلى كوخه. من ثم، وبعد فترة قصيرة، نهض من جديد وتابع مسيره إلى حيث يبغي.. ولم تكن مرحلة وصول الكوخ سهلة. فقواه المنهكة أجبرته على الوقوف والاستراحة مرات خمس. وعندما وصل إلى الكوخ، رمى بنفسه، فورا، فوق السرير.
وفي الخارج، حيث كانت تقبع السمكة، أو ما تبقى منها، تجمع الصيادون والأهالي وبعض السياح، حولها، يلفهم العجب والدهشة من ضخامتها وشكلها. فقاس أحدهم طولها. إذ تبين له أنها تبلغ 18 قدماً. وتأكد للجميع، في تلك الأثناء، أن العجوز اصطاد سمكة لم يستطع صياد، قبله، أن يحوز مثلها.. طبعا، جميع تلك النقاشات والأحاديث كانت تتوالى أمام باب الكوخ، بينما كان سانتياغو في الداخل، يغط في نوم عميق، ويحلم بأشبال الأسود.
شهرة طائرة
لم تكن تلك الأشبال التي حلم بها سانتياغو، في حقيقتها، سوى الشهرة التي تنتظر رائعة همنغواي تلك. فمن خليج ستريم في شمال كوبا، وإلى خلجان العالم أجمع، وفدت أشبال الأسود تزوره في كوخه البسيط، حاملة الجوائز، واحدة تلوى الأخرى، وسط صخب إعلامي واستحسان عالمي فريد، على المستويين الأدبي والشعبي. واهتمت مجلة «لايف» (Life) بالرواية، على نحو موسع، وأفردت لها مكانة بارزة. واستقطبت الرواية شعبية نوعية، فباعت خمسة ملايين نسخة في يومين! ثم نزلت ضيفا في لائحة «كتاب الشهر» التي تهتم بالأعمال العظيمة.
لم يعرف سيل النجاحات والتميز بالنسبة للرواية، حدوداً، تلك الآونة، فحصدت في شهر مايو من العام 1952، جائزة «بوليتزر» العالمية. ثم نال مؤلفها بفضلها، جائزة نوبل للآداب سنة 1954.
وكان لافتاً تلك الشعبية الهائلة التي نالتها «العجوز والبحر»، من عموم شرائح المجتمعات في العالم. إذ انعكس تعلق الناس بها في تسميات وأشياء الحياة اليومية لديهم. فظهر عدد من المحال التجارية والمطاعم، في دول عديدة، باسم: «العجوز والبحر».
وبعد ذلك، نزلت الرواية إلى الأسواق في كاسيت مزدوج، بصوت تشارلستون هستون. فاستطاع الناس سماعها تروى بينما هم في أماكن العمل والراحة. وكذا دخلت إلى المدارس والجامعات لتصبح مادة دراسية. وإذا بشخصية سانتياغو تصبح رمزاً يُقتبس، ومثلاً ونموذجاً، تردده الألسن في كل مكان في العالم.
أصل السر
آراء نقدية وتحليلية، متباينة، درست وشرّحت مضمون الرواية، باحثة في منبع تميزها، ومرد الشهرة التي نالتها، عالمياً. وكان اللافت اتفاق معظمها، على أن سر ومكمن فرادتها يقبعان في ماهية شخصية بطلها (سانتياغو)، الذي يبدو، في بادئ الأمر، بائسا لا يستحق سوى الرثاء.
وعقب أن مضت ثلاثة شهور تقريبا، ولم يكسب فيها ثمن طعامه! أشاع الصيادون في تلك القرية، أنه منحوس حتى العظم، ويجب عليه أن يرحل قبل أن تصيبهم عدواه. وعندها، انتقل الصبي مانولين، مرافقه في القارب وصديقه الوحيد، بتدبير من والده، إلى صياد آخر! ولم يكترث سانتياغو بتلك الأقاويل والأحداث. كما أخبر مانولين أن حظه السيئ أشرف على نهايته. ومن ثم خاطر وأبحر في الأعماق بحثاً عن صيد ينهي ذاك الشؤم.
وبدلاً من أن يصطاد، اصطادته سمكة أضخم من قاربه الشراعي، وسحبته معها مثل لعبة لها. ولم يفارقه النحس! لكنه عندما قتل المارلين واطمأن وسكن، بدأ يفكر بالنقود التي يبيع بها السمكة، ويتساءل كم شخصاً ستطعم؟! وإذا بالنحس يباغته فجأة، عبر أسماك القرش!
ويتضح في عبرة تلك الحكاية، كم هائل من مزيج الألم والسخرية، اللذين يثيرهما الحظ العاثر للعجوز. ولكن أيضا، نجد انه يبعث سانتياغو، بمواقفه وإصراره، على الإعجاب والتقدير. إذ ظل يعارك، ليلا ونهارا، متحديا قوة سمكة المارلين، وبعدها أسماك القرش، متغلبا على انهاكه وتعبه، من دون أن يفقد الأمل..
وفي كفاحه يحفز التعاطف معه، لا سيما حين يحترم المارلين لرفضها الاستسلام، معبراً عن تقديره لصبرها ومقاومتها. فيصفها بالخصم النبيل والشريف. ويناديها بـ«الأخ». ويقول إنه بسبب نضالها، لا يستحق إنسان أن يأكل لحمها! وفي منتصف اليوم الثالث، تسبح المارلين بحركات دائرية، ويعرف سانتياغو أنها منهكة ومستسلمة.
فيشعر بالأسف عليها كونه لا بد من قتلها، فهو صياد وعليه أن يثبت جدارته. وبعد ذلك، تنقلب الأمور، فيأخذ هو مكان المارلين في الصراع مع القرش - الصياد. ويقتل القرش الأول «ماكو» برمح الصيد ويسحب القرش الرمح معه. فيربط سانتياغو السكين بطرف المجذاف ويقتل القرش الثاني، وهكذا يجهز على خمس أسماك ويصدّ البقية، ولكنها تعود في الليل، فيضربها بالهراوة التي ينتزعها قرش من يده. وعندئذ يستخدم ذراع الدفة ويضرب ويضرب حتى يتكسر المجذاف. فلم يعد هناك شيء يستطيع أن يقاتل به.. وحينذاك، ومثل سمكة المارلين، نجده يقبع وينتظر الذي لا مفر منه.
يقدم لنا هذا الصياد البسيط، في خلاصة الحكاية، بإجماع النقاد، ملحمة إنسانية معاصرة في التصميم والمثابرة والبطولة والشجاعة والكبرياء. ويبيّن لنا أن كرامة الإنسان تكمن في كفاحه، وأنه لا يمكن هزيمته إلا حين يفقد الأمل.
من «ستريم» إلى الشاشتين
دغدغت الرواية أحلام صانعي السينما، بالإنجاز العظيم، طوال عقود أربعة. ولم يكن تحويلها إلى نص سينمائي سهلاً، فهي قصيرة وذات حبكة بسيطة ومحورها شخصية واحدة وسمكة. كما أن المكان فيها محدود: القرية والبحر. والزمن قصير: ثلاثة أيام!
سيرة
آرنست همنغواي. روائي وكاتب أميركي (1899-1961). يعد من أهم الروائيين وكتاب القصة الأميركيين. غلبت عليه النظرة السوداوية للعالم في البداية، إلا أنه عاد ليجدد أفكاره فعمل على تمجيد القوة النفسية لعقل الإنسان في رواياته. شارك في الحربين العالميتين: الأولى والثانية. وفي آواخر حياته، انتقل للعيش في منزل في كوبا.
حيث بدأ يعانى من اضطرابات عقلية. وفي الساعات الأولى من صباح الثاني من يوليو 1961، أطلق النار على نفسه من البندقية المفضلة لديه. من أعماله: سيول الربيع (رواية)، رجال بلا نساء (قصص قصيرة)، وداعاً للسلاح (رواية).
في السينما
1958 تبنت الرواية، بعد أربع سنوات على صدورها، شركة ورنر برذرز. فقدمت في فيلم: «العجوز والبحر».
1989 قُدم مسلسل تلفزيوني أوروبي لصالح التلفزيون البريطاني، مقتبس عن «العجوز والبحر».
1990 تألقت الرواية في السينما والتلفزيون، في فيلم مميز، رشح لثلاث جوائز أوسكار. أخرجه جود تيلور.
التشكيل والنحت
1957 لوحة بورتريه لهمنغواي، للفنان الكندي الأرميني الأصل يوسف كارش.
2007 تمثال لهمنغواي في العاصمة الكوبية: هافانا. أنجزه النحات الكوبي، جوس فيلا سوبيرون.
