دارين شبير
أعمال أدبية كثيرة تحفر في الوجدان، وتترك في أعماقنا بصماتٍ لا يمحوها الزمن، وتبقى في ذاكرتنا وذاكرة الأدب أساطير خالدة، تعيش وتكبر في دواخلنا كما يكبر الإبداع مع صاحبه. وفي رواية «أن تقتل طائرا محاكيا»، حفرت الكاتبة الأميركية هاربر لي في الوجدان عميقا، وحلقت مع روايتها في سماء الإبداع، لتقدم لنا واحدة من أهم روائع الأدب الأميركي الكلاسيكي الحديث، واضعة خبراتها الكبيرة وتجاربها الطفولية، جنبا إلى جنب، في هذا العمل الأدبي الذي رأى النور عام 1960، وفازت به في جائزة «بوليتزر» عام 1961.
ترجمت رواية «أن تقتل طائرا محاكيا»، إلى أربعين لغة، لتصبح من أكثر الكتب مبيعا، خاصة أنها أضاءت فيها على العنصرية والتفرقة العرقية، وهي القضية التي عانت منها الولايات المتحدة الأميركية في الثلاثينات من القرن الماضي، وأوصلتها، بحس أدبي إبداعي تمتزج فيه الدعابة مع شقاوة الطفولة، لتروي بعمق قصتين، أولهما غامضة والثانية قاسية، تلتقيان في النهاية في حبكة فنية متقنة ومميزة.
حبكة متقنة
تعد «أن تقتل طائرا محاكيا»، رائعة من روائع الأدب بما احتوته من حوارات جميلة وقوية، وبما تضمنته من حبكة شائقة، وتروي هذه الرواية حكاية الطفلة «سكاوت فينش» وأخيها الأكبر «جيم»، ووالدهما المحامي «أتيكوس فينش»، وعلى لسان الطفلة التي لا تزال في طور النمو، تبدأ الأحداث التي تغزوها الأخطاء التعبيرية والوصفية من كل جانب، وهذا أمر منطقي بالنسبة لطفلة تقوم بهذه المهمة، يأخذها فضولها نحو «بو رادلي» الجار غريب الأطوار، الذي يعيش في بيت محكم الإغلاق، وتدور حوله الشائعات المخيفة، وتصوره على أنه وحش على هيئة إنسان، ويشاركها أخوها وجارهم الطفل «ديل»، في مغامرات يحاولون من خلالها إخراج «بو رادلي» من منزله، ويفاجئهم بتقبله لهم وتقديم الهدايا لهم، حتى يأتي الوقت الذي يجد نفسه فيه، مجبرا على الخروج من منزله لمساعدتهم حين يحتاجونه.
وعلى الضفة الأخرى، يعيش الوالد «أتيكوس» مغامرة أخرى تتعلق بقضية اغتصاب، إذ عين للدفاع فيها عن رجل أسود، اتُهِم زورا، باغتصاب امرأة بيضاء. ورغم النظرة الظالمة للمتهم وأمثاله، إلا أن أتيكوس يصر على الوقوف الى جانب المتهم، ويتحدى كل الظروف التي تحيط به، وكل المشكلات التي ربما تواجهه وأبناؤه، في سبيل تحقيق العدالة المجتمعية، ويصمد ببطولة في وجه الأصوات المطالبة بمعاقبة المتهم الأسود، حتى قبل إدانته وإثبات التهمة عليه، فلونه في نظرهم، تهمة في حد ذاتها.
وكلما كبرت الطفلة سكاوت، أتقنت استخدام اللغة، لتأتي في نهاية القصة، بلسان طلق ولغة متقنة، تخلو من الأخطاء التعبيرية والنحوية، ما يضيف الكثير من المصداقية والإحساس الى القصة.
قيم إنسانية
سلطت هاربر لي من خلال تناولها للتفرقة العنصرية، في هذه الرواية، الضوء على قيم إنسانية كثيرة، أهمها العدالة التي يجب أن تسود رغم أنف الطغاة، والتعاون الذي يجب أن يكون لغة التعامل الإنساني، ومحاولة فهم الآخر قبل الحكم عليه. وهي قيم يفتقدها الكثيرون في المجتمع البشري، ويحتاجون إلى إعادة النظر فيها. ونجد ان كل هذه القيم، وصلت في الرواية، بسلاسة، من خلال أسلوب الكاتبة المتقن.
تفرد
ملمس مخملي دافئ، يمتزج مع نظرة واعية وإحساس بالآخر. هذا ما عكسته رواية «أن تقتل طائرا محاكيا»، وما أوصلته مؤلفتها الى القارئ، فرغم مناقشة قضايا جدية كالعنصرية، لامست الكاتبة أعماق القارئ بدفء المفردات التي استخدمتها، وسلاسة وعذوبة اللغة الوصفية للأحداث والأماكن، فتشعرنا في لحظة، أننا نمشي في شوارع مقاطعة «ألاباما»، مكان الحدث، ونشم رائحة البيوت، ونشعر فيها بخوفنا من بعض الأشخاص، وتعاطفنا مع آخرين، كما نحب الطفلة «سكاوت»، ونلامس روحها المرحة. وكذا نشاركها دعاباتها التي لا تنتهي، ونسمع ضجيج المحكمة وحوارات القاضي والمحامي والمتهم. وكل ذلك بفضل قدرة الكاتبة الفائقة على تحويل الفكرة إلى صورة مرئية، بمجرد كتابتها بأسلوبها المتفرد، وتسلسل الأحداث، الذي ينقل القارئ من صورة إلى أخرى، وكأنه يشاهد فيلما سينمائيا.
يكمن جمال الرواية في قدرتها على معالجة قضايا مهمة من منظور طفلة صغيرة، بدأ عقلها يتفتح على ما حولها لتطرح أسئلة محرجة. وتشير إلى تناقضات يقوم بها الكبار، من دون وعي. ويبدو واضحا في الرواية، تأثر الكاتبة بالأحداث التي مرت بها في طفولتها ونشأتها، ما أكسب العمل واقعية ومصداقية كبيرتين.
علاقة الإبداع بالمكان
علاقة هذه الرواية بكاتبتها، حميمة إلى أبعد الحدود. إذ أسقطت هاربر لي شخصيتها وتجاربها، على الطفلة «سكاوت»، التي بدت تشبهها إلى حد كبير. فالاثنتان نشأتا في «ألاباما»، وكان والد كل منهما محاميا، كما عانت والدة الكاتبة من مرض ألزمها البقاء في المنزل، بينما ماتت والدة «سكاوت» وهي لا تزال طفلة. ونجحت الكاتبة في نقل القارئ إلى البيئة التي عاشت فيها، من خلال إعطاء انطباعات عن اختلاف طباع ومعتقدات كل ولاية داخل الولايات المتحدة. كما نقلت الأحداث التاريخية التي مرت بالجنوب الأميركي والعالم، كالكساد الاقتصادي. وأضاءت على الطبقية التي سادت تلك الفترة.
كل هذه العوامل أسهمت في تكوين صورة واقعية وحقيقية، وأخذت المتلقي ووضعته في مكان الحدث، كأنه يراه بعينيه.
من المكتبة إلى الشاشة
فازت رواية «أن تقتل طائرا محاكيا» بجائزة «بوليتزر» عام 1961، وتحولت عام 1962 إلى فيلم سينمائي من إخراج روبرت موليغن. وتمكن من أن يخطف جائزة الأوسكار في ثلاث فئات: الأولى كأفضل سيناريو مستوحى من قصة مكتوبة. والثانية كأفضل ممثل بدور رئيسي. والثالثة كأفضل ديكور لموقع تصوير.
معزوفات خالدة
تكمن عظمة الفيلم المقتبس من رواية «أن تقتل طائرا محاكيا»، عام 1962م، في العناصر التي اجتمعت معا، لتقدم عملا فنيا سينمائيا بامتياز. فقوة القصة امتزجت مع روعة الموسيقى المرافقة للفيلم، والتي تعد واحدة من أعظم الافتتاحيات الموسيقية التي رافقت الأفلام بصريا وسمعيا، إضافة إلى المعزوفات المنفردة التي رافقت المشاهد المختلفة، وعبرت بشكل دقيق عن ما عجزت الشخصيات عنه، لتأخذ المُشاهد في رحلة تقودها الآلات الموسيقية، على اختلاف أنواعها، كالبيانو والأكورديون والفلوت، ما أضفى تتابعا عاطفيا متناغما، ذا طراز فريد.
وأبدع المؤلف الموسيقي إلمر بيرنستين، في تقديم موسيقى وافقت عالم الأطفال، ورافقت «سكاوت» و«جيم» و«ديل»، في رحلتهم الغامضة التي سعوا فيها لاكتشاف المجهول. إذ تناولها من وجهة نظر الأطفال، فانسابت عذبة شفافة، واستحقت الترشيح الى الاوسكار، ثم الفوز بجائزة «غولدن غلوب».
ولأن الإبداع لا يموت، تحولت المعزوفات الموسيقية الأربع عشرة، التي رافقت الفيلم، إلى أسطوانة خالدة، بعد إصرار بيرنستين على جمعها وتوفيرها لعشاق الرواية والفيلم.
في السينما
1952 عرض الفيلم الاميركي «أن تقتل طائرا محكيا». من إخراج روبرت موليغن. وفاز بثلاثة جوائز أوسكار عام 1963م، هي:
أفضل سيناريو مستوحى من رواية. فاز بها الكاتب الأميركي هورتون فوت.
أفضل ممثل بدور بطولة وفاز بها غريغوري بك.
أفضل ديكور لموقع تصوير.
في المسرح
2012 تعرض مسرحية «أن تقتل طائراً محاكياً» كل ربيع، في متحف مقاطعة مونرو التراثي.
في التشكيل
2009 لوحة للفنان الأميركي داف ماكدويل.
2010 بورتريه للفنانة الأميركية نيكول لوسي.
في الأوبرا
2013 عرضت أوبرا «أن تقتل طائراً محاكياً» في دار روتشستر للأوبرا.
مسرحية وأوبرا
لا تزال رواية «أن تقتل طائرا محاكيا» والفيلم المقتبس عنها، يعيشان في ذاكرة ووجدان الكثيرين ممن بادلوها الوفاء. فالآلاف من محبيها يزورون «ألاباما»، الى الوقت الحالي، وتحديدا الأماكن التي وصفتها الكاتبة في روايتها. كما يحتفي متحف مقاطعة مونرو التراثي سنويا، برائعة هاربر لي الأدبية، ويعرض مسرحية «أن تقتل طائرا محاكيا» في كل ربيع. وأخيرا، عرضت هذه الكلاسيكية الخالدة، كمسرحية، في دار روتشستر للأوبرا، وظهرت فيها القيم الإنسانية التي قدمتها.


