يعد ابن خلدون، بفضل "مقدمته"، ومؤلفاته الأخرى، مؤسس علم الاجتماع. وهو من استقى منه، وتطور بفضل رؤاه ومنهجه، أفذاذ العلماء في المجال ضمن الحضارة الغربية، لاحقاً، أمثال: أوغست كونت. وبهذا فإن ابتعاد ابن خلدون عن العمل في السياسة، مثل خيراً وإضافة فكرية وعلمية، للحضارة البشرية جمعاء، وربما أن أول المستفيدين أو المدينين في تقدمهم العلمي لهذا العالم العربي: أوروبا.

بعض الأعمال الإبداعية الفكرية، كما الجوهر، لا يزيده تقادم الأزمان، سوى رقي في القيمة وتميز في المكانة والتأثير. تلك هي حال "مقدمة" ابن خلدون، إذ لا تنفك عن الحضور القوي المؤثر، ضمن العلوم والمطارح والدهور والمجالات كافة. وهكذا لا تمر مناسبة فكرية أو ثقافية أو اجتماعية، في العالم أجمع، إلا ونجد خيوطها فاعلة براقة.

وهكذا نجد المؤسسات الثقافية المصرية، سارعت، منذ سنوات قليلة، كغيرها في شتى بقاع الأرض، وخلال فعاليات مناسبة احتفال اليونسكو بالعلامة العربي "ابن خلدون"، إلى إعادة نشر أحد أهم كتبه: "المقدمة". فصدرت النسخة الأخيرة في ثلاثة أجزاء، يقع كل منها في 448 صفحة.

المولد والنشأة

عاش العلامة ابن خلدون، التونسي المولد، في المغرب ومات بمصر. وكان قد ولد لعائلة أندلسية هاجرت من إشبيلية في الأندلس، بعد غزو سكان الشمال بلدتها، ذلك في القرن السابع الهجري. واسمه: ولي الدين أبو زيد عبدالرحمن بن محمد بن محمد بن الحسن بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن خالد (خلدون) الحضرمي: (ولد في غرة رمضان 732هـ/27 مايو 1332 - توفي في 19 مارس 1406م/26 رمضان808هـ).

وكان أبوه معلمه الأول. كما شغل أجداده في الأندلس وتونس، مناصب سياسية ودينية مهمة. وهم أهل جاه ونفوذ.

اتسمت شخصية "ابن خلدون"، بالقوة والصرامة، حتى وصفه البعض بالقسوة، وقيل إنه لم يكن على المستوى الإنساني محبوباً. ذلك لميله إلى القوة. ولأنه يبدو متقلباً في أحواله وآرائه خلال فترة عمله في السياسة. واللافت أنه بدت تلك المرحلة السياسية. وأوضح ابن خلدون، في سيرته، شعوره باليأس من تحقيق الاستقرار السياسي في تلك البلاد.

إلا أنه كحال السياسيين كافة، لهم تقلباتهم في آرائهم أحياناً، التي ربما تبدو غامضة ومثيرة، استمر في العمل الشاق، قرابة حوالي الربع قرن. وهو ما دفعه لأن يعتزل العمل السياسي والحياة العامة، وتفرغ للكتابة مدة أربع سنوات، في قلعة "ابن سلامة"، حيث الهدوء والتأمل. وتوج ذاك الاعتكاف، بكتابة "المقدمة".

فكر جامع

شكلت "المقدمة"، درة أعمال ابن خلدون. إلا أنه لم يتوقف، بعد إنجازها، عن مسيرة العطاء الفكري. فقدم مؤلفات مهمة، على الصعيد الاجتماعي والسياسي والفلسفي. ومن بينها: "العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر"، الذي هو في الأصل والحقيقة، الكتاب الوحيد الذي كتبه ابن خلدون غير سيرته. ذلك لأن كتاب "مقدمة ابن خلدون"، ليس أكثر من الجزء الأول منه.

تاريخ عائلة في حياة شخص

استمر أجداد ابن خلدون، بعد استيلاء الأسبان على اشبيلية، ورحيل عائلته إلى سبتة المغربية، ثم إلى تونس، في التفرغ للعمل بالسياسة والانشغال بعمق في الاهتمامات العملية والمعرفية المتنوعة. أما والده، فآثر العلم.

هكذا، فإن وعي ابن خلدون بعراقة نسبه وتاريخ عائلته، انعكس في كتاباته، وهو ما يتجلى في وضوح في "المقدمة" وغيرها. وكان له تأثير كبير على شخصيته السياسية والفكرية. وبارز أنه أفلح، في هذا السياق، في الجمع بين السياسة والعلم.

محطات

يمكن تقسيم حياة ابن خلدون، التي امتدت أربعة وسبعين عاماً، إلى ثلاث مراحل: تكوّن الشخصية، الانخراط في العمل السياسي، العطاء الفكري. ولا يعني هذا التقسيم وضع حدود فاصلة بين مرحلة وأخرى، إذ إنه كان يعمل في السياسة من خلال شخصيته الفكرية. وحين كان يتعلم أو يعلم العلوم التي اكتسبها أو أنشأها، لم يكن بعيداً عن تأثير خبراته السياسية أو المحيط السياسي الذي يدور حوله.

وحدث أن أُرسل أكثر من مرة، لحل نزاعات سياسية مختلفة، إذ كان قد عينه السلطان محمد بن الأحمر، سفيراً إلى أمير قشتالة، الإمارة الأسبانية، لعقد الصلح. وبعد ذلك بأعوام، قابل الحاكم المغولي تيمورلنك. لم تكن رحلة ابن خلدون، إلى مصر، بداية، بنية الإقامة فيها. بل غادر إليها معتزماً أداء فريضة الحج، ولكنه أمضى بقية حياته فيها. وأدى فريضة الحج في العام 1387م. ثم زار القدس وبيت لحم والخليل، في أواخر العام 1399م. كانت شهرة ابن خلدون قد سبقته إلى الشرق. وبدأ يدرّس في الجامع الأزهر.

وأكرمه السلطان المملوكي الظاهر برقوق، وعينه قاضي قضاة المالكية. كما طلب عائلته للالتحاق به، ولكن السفينة التي أقلتهم غرقت، وكان ذلك قاسياً عليه، بعد أن لاحت بشائر الحياة السعيدة التي كان يرغب بها، بهدف التفرغ لتدريس العلم والكتابة. وقال حينها: ".. فعظم المصاب والجزع، ورجح الزهد، واعتزمت على الخروج من المنصب". قضى ابن خلدون حياته في القاهرة، يعمل مدرساً، وعمل قاضياً خمس أو ستّ مرات.. وكان يعزل ويعين ثانية، إذ كان عادلاً وصريحاً يقول ما يعتقده من الحق ولو آلم الناس وأزعج الحكام.

لقاء قائد التتار

من الحوادث المهمة في حياة ابن خلدون، في أواخر عمره، أنه حينما كان في القدس، اجتاح الإمبراطور المغولي تيمورلنك، مدينة حلب. وقبل أن يصل دمشق ويحاصرها، خرج السلطان برقوق إلى دمشق واصطحب معه مجموعة من العلماء، بمن فيهم قضاة المذاهب.

ومن بينهم ابن خلدون، رغم أنه كان في ذلك الحين، معزولاً من القضاء (عام 1400م). ولكن برقوق عاد إلى القاهرة، خشية تمرد بعض أمراء المماليك، وترك العلماء للتفاوض مع تيمورلنك، الذي قابله ابن خلدون وأهداه نسخة من المصحف الشريف، وكذا قصيدة البردة وعلبة من الحلوى. وطلب منه الأمان للقضاة والعلماء.

وأراد تيمورلنك أن يستبقيه عنده، وتظاهر ابن خلدون بالقبول على أن يذهب لجلب كتبه من القاهرة، وعاد عام 1401م إلى القاهرة ولم يغادرها. فبدأ ينقح مقدمته وكتاب التاريخ، وكان آخر ما كتبه، سيرته الذاتية التي أنهى كتابتها عام 1405م. وتوفي في العام التالي، في القاهرة.

تعد "مقدمة" ابن خلدون، من أهم المؤلفات الفكرية، لدى الكاتب نفسه، وفي العالم أجمع. ولكنها ليست الوحيدة من بين مؤلفات هذا العلامة. فكتابه "العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر"، يمثل نواة ودرة كتبه، حتى أن مقدمته، باتت تصنف كتاباً مستقلاً. وفيه: فضل علم التاريخ وتحقيق مذاهبه، وإضافة لإشارات إلى ما يقع فيه المؤرخون من أغلاط. ويتألف كتاب ابن خلدون "العبر وديوان المبتدأ والخبر"، من ثلاثة كتب وسبعة مجلدات:

الكتاب الأول: في العمران وما يعرض فيه (وهو ما عرف بالمقدمة). الكتاب الثاني: في أخبار العرب من بدء الخليقة ودول المعاصرين لهم. الكتاب الثالث: في أخبار البربر بديار المغرب. كما ترك ابن خلدون، مجموعة من الكتب: تلخيص المحصل لفخر الدين الرازي، رحلة، شرح الرجز لابن الخطيب في الأصول، شرح قصيدة ابن عبدون، شرح قصيدة بردة البوصري، طبيعة العمران، تلخيص رسائل ابن رشد.

أتاحت حادثة عزل ابن خلدون من عمله السياسي، له، الفرصة الفكرية الحقيقية، القيمة، له. وهو ما يثير السؤال دوماً، حول جدوى الثقافة ودورها الباقي. إذ تجلى ذاك مع حال ابن خلدون، كمثقف ومفكر، أكثر من كونه سياسياً. لكن، وخلال المراحل كلها، بدت موهبة ابن خلدون الإبداعية في صور عديدة... فعرف عنه: الشاعر والخطيب المفوه وكاتب الرسائل والمخاطبات المتميزة.

ملامح شخصية

لعل أهم ملامح شخصية ابن خلدون، الثرية المثيرة، تعدد صفاته التي تبدو متناقضة، وربما بعضها ليس من باب المدح. ووضعه الناقد إحسان عباس، في موضع الاتهام، عندما صنف سيرته على أنها كتبت للتفسير والتعليل والاعتذار والتبرير. ذلك كأنه يبرر فيها، ما فعله. وينصف نفسه أمام العامة والخاصة.

كما أوضح الناقد شوقي ضيف، أنه سجل اضطراب الأحوال في بلاد المغرب وقتها. وبذلك، تعد السيرة من كتب التأريخ لتلك المرحلة. ويرى آخرون، أنه كان ابن خلدون من المعجبين بأنفسهم، ويشعر بقدر علمه وخبرته. وهو يصف شهرته بين تلامذته ومريديه، وكذا رحيله عن البلاد: "وخرجت إلى المرسى والناس متسائلون على أثري من أعيان الدولة وطلبة العلم، فودعتهم وركبت البحر.. وتفرغت لتجديد ما كان عندي من آثار العلم".

 في السينما

2012 فيلم جزائري: "ابن خلدون" - من إخراج شوقي خروبي

في المسرح

2010 مسرحية "ابن خلدون" التونسية- المخرج هشام رستم

في التشكيل

2004 لوحة للفنان موريلو أدورنيد "ابن خلدون وجول أوليست".

في النحت

1985 تمثال ابن خلدون في شارع الحبيب بورقيبة في تونس