هناك قرار سياسي يمكنه أن يؤثر في حياة الناس. لكن، هناك أيضاً، عمل أدبي يحتمل أن يقلب حياتهم، ذاك ما فعلته رواية «العراب» The Godfather، التي تعد تحفة أدبية استثنائية متفردة. فمنذ صدورها عام 1969 م، وهي تتربع على عرش الأعمال الأدبية الأكثر رواجاً في تاريخ النشر الأميركي.
إذ تمكنت بكل حرفية من رسم أصدق صورة للمجتمع الأميركي الذي يخضع، حتى أعلى مستوياته، إلى عصابات المافيا. كما تداخلت، بكل حميمية، مع أفكار قارئيها الذين باتوا يحلمون بشخصية البطل الرئيسة، بحثاً عن عدالة مجتمعية لا تستدعي منهم اللجوء إلى المحاكم.
لم يكن مؤلف الرواية، الكاتب الأميركي من أصول إيطالية، ماريو بوزو، بحاجة لأكثر من هذا النجاح الذي حصدته روايته، بأجزائها الثلاثة، ليقف على قدميه ويتحدى واقعه الصعب، فهو ابن عائلة فقيرة، مولود في 15 أكتوبر من العام 1920م، في حي كان يطلق عليه «مطبخ الجحيم» في مانهاتن بنيويورك، لأب يعمل في محطة السكك الحديد، وسط نيويورك.
اشتباه
عاش ماريو طفولة صعبة زادها الفقر ألماً، وبعد تخرجه في المدرسة الثانوية، عمل موظف بدالة في محطة السكك الحديدية، وانضم بعدها إلى جيش الولايات المتحدة في القوات الجوية في الحرب العالمية الثانية. ولضعف بصره وعدم قدرته على أداء المهام القتالية، سلمه الجيش مهمة ضابط العلاقات العامة المتمركزة في ألمانيا.
ثم التحق بمدرسة نيويورك الجديدة للبحوث الاجتماعية، وتزوج بإيريكا لينا بروسك، وأنجب منها خمسة أبناء، وعمل في أكثر من مجلة ليكسب قوت يومه، وليوفر لأبنائه لقمة العيش. وفي 1950م نشر أول قصة قصيرة له، بعنوان «عيد الميلاد الماضي». ثم قدم بعد الحرب، كتابه الأول «الساحة المظلمة» الذي نشر في عام 1955م.
ولأن الحياة لا تستقر على وتيرة واحدة، نجدها حلقت به عالياً في عام 1969م، إذ نشر روايته الأشهر «العراب» التي تغوص في عوالم المافيا، ذات النفوذ والقبضة المحكمة، مسلطة الضوء على الجرائم التي ترتكبها عصاباتها بتفاصيل دقيقة وعميقة، لدرجة أن براعته هذه، جعلته محط التشكيك بأنه على علاقة بالمافيا.
صياغات أخاذة
تناول بوزو في «العراب»، شخصية أسطورية متفردة، رئيس مافيا إيطالية في أميركا، اسمه «دون فيتو كورليوني». وهو رجل من نوع خاص، كون شخصيته تجمع كل المتناقضات، فهو طاغية لا ينكسر ولا يلين، وهو أيضاً الرجل اللطيف المحب الذي لا يقبل الظلم، ما يجعله لا يتردد لحظة واحدة في استخدام القتل كأداة لتحقيق العدالة.
حوارات خالدة لا يزال يذكرها التاريخ، ولا يزال يحتفظ بها قراء هذه الرواية في ذاكرتهم، إذ أبدع بوزو في صياغة عباراته وجمله لدرجة جعلت من «العراب» أكثر من مجرد رواية، بل غدت بمثابة دروس حياتية تعزز قيماً كثيرة، ورغم ما جاء فيها من تناقضات، إلا أنها عززت مبادئ عدة، وحقيقة أن النقيض بالنقيض يظهر.
شخوص العمل في حبكة سينمائية
عقب نجاح الجزء الأول من الرواية، أتبعه بوزو بجزأين آخرين، نشر الثاني منهما عام 1972م، والثالث في عام 1990م، ولم يكن ممكناً أن تمر رواية «العراب» مرور الكرام، على صناع السينما وأهلها.
فما إن ذاع صيتها حتى تصدى لها المخرج فرانسيس فورد كوبولا، محاولاً كل جهده تكريس شخصيات الرواية في ذاكرة القراء والمشاهدين، فقدم الثلاثية برؤية إخراجية إبداعية متميزة، لكنها لم تكن في نظر الكثيرين سوى صورة مشوهة عن الرواية التي ذابوا في تفاصيلها الدقيقة، واعتبروها تحفة نادرة مليئة بالمعاني الغنية وعميقة بالمحتوى.
وكلوحة فنية، تعامل كوبولا مع الرواية، وحاول الحفاظ قدر الإمكان على الحوارات القوية، وكان يؤكد في كل مشهد، على حرفية الكاتب، فأوصل الصورة بعبقريته من خلال مشاهد تقطع الأنفاس، وتحافظ في كل مرة على الكيان الأدبي المتكامل، فجاء الفيلم غنياً بأحداثه، قوياً بنصه وحواراته الخالدة، وتسلسله الجميل.
عوامل نجاح متكاملة
وبالتطرق للحديث عن الموسيقى التي رافقت الفيلم، فالحديث يطول، فهي من أهم عوامل نجاح الفيلم، إذ أبدع نينو روتا في تشكيل تركيبة موسيقية متفردة وأنيقة، ترتدي ثوباً قاتماً بملامح كلاسيكية فخمة، استطاعت أن تخلق ارتباطاً وثيقاً بين الصورة واللحن، ورغم تعدد الآلات الموسيقية التي رافقت المشاهد التصويرية، إلا أن الثيمة الأساسية في الفيلم وجهت باقي الموسيقى الأخرى لتحذو حذوها، فتظهر وكأنها مجموعة متكاملة متناسقة.
ارتباط المشاهدين بموسيقى الفيلم، أسهم في إصدار أول أسطوانة موسيقية، تحمل اسم الفيلم، سنة 1972م وتضم 12 لحناً، وأخرى صدرت بعد الجزء الثاني تحمل 14 لحناً، وكلها بنيت على الثيمة الأساسية للفيلم، التي لا تزال حتى اليوم، لحناً خالداً، ومعزوفة تفرض حضورها في المناسبات ذات الطابع الكلاسيكي الراقي.
سمات الفيلم
يحسب لفيلم «العراب»، بدايته القوية التي أعطت خلال الدقائق الأولى، صورة كاملة عن عائلة كورليوني وسيطرتها وإمكاناتها اللامحدودة. كما يمتاز الجزء الأول بالنقلات الجميلة بين المقطع والآخر، وتظهر عبقرية المخرج في التسلسل المبتكر. إذ بدأ الفيلم برجل يقبل يد «فيتو». وينهيه بآخر يقبل يد ابنه «مايكل»، وفي ذلك دلالة على استمرارية المافيا، وتوارثها جيلاً بعد آخر.
أما نهاية الجزء الأول، فجاءت باردة وغامضة، ولكنها في الوقت نفسه، كانت أفضل نهاية. إذ تجبر الجمهور على مشاهدة الجزء الثاني لفك غموض الأول.
ويعد الجزء الثاني، الأقوى بين إخوته، كونه استطاع أن ينتزع ست جوائز في الأوسكار، وتميز هذا الجزء بحواراته القوية واقتباساته العظيمة، وتمكن المخرج من أن يضع الكاتب في كل مشهد، ليبدو الفيلم وكأنه صورة طبق الأصل من الرواية.
خيبة محدودة
رغم انتظار ولهفة الكثيرين، الجزء الثالث، إلا أنه لم يرقَ لمستوى الجزأين السابقين، فهو لم يقدم جديداً، بل اكتفى بعرض عمليات الاغتيال التي يقوم بها «مايكل» وعصابته، ما جعل رسالة الختام تدين وبشدة، عصابات المافيا الإجرامية، التي تمد نفوذها ليطال السلطات الأميركية كافة.
كتابات كثيرة قدمها ماريو بوزو قبل «العراب» وبعده، إلا أن هذه السلسلة، تعد أفضل ما قدم، وأقوى وأهم ما أنتجه الإبداع الأدبي، إجمالاً. لكن، وفي 2 يوليو عام 1999م، كانت وفاته التي لم تغيبه عن الذاكرة سوى بالجسد، فإبداعه باقٍ لا يموت.
في السينما
1972 الجزء الأول إخراج فرانسيس فورد كوبولا. بطولة: مارلون براندو وجيمس كان وروبرت دوفال وآل باتشينو.
1974 الجزء الثاني بطولة: آل باتشينو وروبرت دينيرو وروبرت دوفال
1990 الجزء الثالث بطولة: آل باتشينو وديان كيتون وآندي غارسيا.
جوائز الأوسكار
الجزء الأول رشح الفيلم لإحدى عشرة جائزة في الأوسكار، حصل على ثلاث منها، إذ فاز بـ«أفضل
فيلم». وحصد مارلون براندو جائزة أفضل ممثل، ونال ماريو بوزو جائزة أفضل كاتب.
الجزء الثاني رشح لإحدى عشرة جائزة في الأوسكار، حصل على ست منها، وهي: «أفضل فيلم،
أفضل ممثل مساعد لروبرت دينيرو، أفضل مخرج لكوبولا، أفضل موسيقى، أفضل
كاتب لماريو بوزو، أفضل ديكور لفيلم».
الجزء الثالث رشح لسبع جوائز في الأوسكار، ولكنه لم يحصل على أي منها.
ماريو بوزو كاتب أميركي من أصول إيطالية كان مغموراً وفقيراً قادته الرواية إلى الشهرة والغنى
قصة شخصية أسطورية متفردة «دون فيتو كورليوني» تسردها الرواية عاكسة جمعها المتناقضات وقبوعها بين اللين والقسوة
ارتباط المشاهدين بموسيقى فيلم «العراب» أسهم في إصدار أول أسطوانة موسيقية تحمل اسمه
حقائق ومعلومات
رغم براعة مارلون براندو، في كل مشاهده في الفيلم، إلا أنه الممثل الوحيد الذي لم يكن يحفظ نصوصه. بل يطلع عليها مرتين فقط، قبل أدائها، وساعده في ذلك، المخرج كوبولا، الذي لم يقيده بأي شروط في ما يتعلق بأداء الدور، وجاء - كما توقع - فوق العادة.
قصد روبرت دينيرو صقلية، وعاش فيها فترة ليتعلم اللغة الإيطالية ويتعايش مع الأوضاع السائدة هناك، ما زاد براعته في إتقان دوره.
تلقى المخرج كوبولا تهديدات بالقتل من أحد زعماء المافيا في السبعينات من القرن الماضي، في حال إصداره الفيلم، كونه يفضح هذه الفئة.
يعد «العراب» أفضل الأفلام في تاريخ السينما، في ما يتعلق بعالم المافيا والعصابات.



