«البؤساء».. ملحمة سامية لإيقاظ الضمير

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

لا يمكن أن يتصور المرء، أن عملاً خالداً، مثل رواية "البؤساء"، قادر على أن يمس البشر جميعهم، من دون تمييز، ذلك في شتى البلدان، في كوريا واليابان والصين وأميركا، وغيرها. فكل هذه الشعوب وجد في شخصية جان فالجان، التي اخترعها مؤلف العمل، فكتور هيغو، نموذجاً فريداً لحب الخير والانتصار للعدالة، بل إن الرواية امتدت إلى جميع الفنون، من السينما إلى المسرح وإلى الموسيقى، والراديو، وحتى إلى الألعاب.

حيث كشف المؤلف المسرحي البريطاني كاميرون ماكينتوش، أن فيلم "البؤساء"، المرشح لجوائز أوسكار، ما كان ليبصر النور لولا المغنية الأسكتلندية سوزان بويل، في اطلالتها في برنامج المواهب، حين أنشدت أغنية"حلمت حلماً"، من رواية "البؤساء" الموسيقية التي اخرجها توم هوبر.

ونجح هوبر في عكس مضامين ورؤى العمل بقوة. فتمكن من تكييف نسخة فيلمه مع روح الموسيقى ضمنه، وبذا خرج العمل ليكون مع اغنيته، الأكثر نجاحا في كل العصور. وتابع الفيلم أكثر من 28 مليون مشاهد من مختلف البلدان واللغات.

 استطاع فكتور هيغو (26 فبراير 1802 -22 مايو 1885)، أن يخلق واحدة من الشخصيات الأدبية العظيمة في الأدب العالمي قاطبة، وهو جان فالجان، الذي يُسجن خمسة أعوام لسرقته رغيف خبز لاطعام ابنة أخته الجائعة. بل واستطاع أن يحوّل هذه الرواية إلى نشيد كبير للمحرومين، منذ عام 1862، أي العام الذي نُشرت فيه .

وكتب في مقدمته للكتاب : تخلق العادات والقوانين في فرنسا ظرفا اجتماعيا، هو نوع من جحيم بشري. فطالما توجد لامبالاة وفقر على الأرض، كتب كهذا الكتاب ستكون ضرورية دائما، خاصة بالنسبة للناس الذين يعيشون خارج المجتمع".

ويتبدى جلياً أن الكاتب عالج روايته بروح رومانسية، فجعلها مملوءة بلحظات من الشعر والجمال وعمق الرؤية والحقائق الداخلية، ما صقلها لتكون جوهرة كلاسيكية تزداد بهاء مع مرور الزمن.

مجالات ومعان

عالج هيغو في روايته، البؤس، في شكل يمثل أصدق معاني التناول في الكتابة، منطلقا من أسس تحليله النفسي في مجالات الحب والمجتمع والسياسة والاقتصاد، وإبراز رأفة العناية الإلهية بالبشر، وتفنيد تفاعلات الثورة الفرنسية الكبرى، ومصير نابليون بونابرت في معركة واترلو، وصراع الضمير الحي بين الخير والشر، وتغليب الفضيلة على الرذيلة، والحق على الباطل، والعدل على الظلم.

وتحتوي الرواية على عناصر متناقضة ومتوازية: الأسقف والشرطي، سجن الإشغال الشاقة والدير، معركة واترلو والمتاريس، إنقاذ كوزيت وتخليص ماريوس تحت الأرض.

وإذا لم تكن رواية البؤساء قصة شعبية، بالمعنى السائد، في القرن التاسع عشر، فإلى أي مدى يمكننا اعتبارها رواية اجتماعية اشتراكية، كما قال عنها هيغو نفسه؟ وعلى هذا الاساس، نستطيع أن نتبين أنه استطاع هيغو تحديد غاية قصته ليصوغها كملحمة سامية، هي ملحمة إيقاظ الضمير. وذلك ما يعيدنا حتماً، إلى حكاية وممارسات البطل الرئيسي فيها.

فذنب جان فلجان ليس السرقة ليطعم أبناء شقيقته الجياع، بل إنه عندما زج في سجن الأشغال الشاقة، كان السبب حكم المجتمع الجائر، وكذا يأسه هو من هذا المجتمع، وقبوله الإذعان لشريعة الحقد والإجرام. ما أدى لسعيه فعلاً، إلى مصارعة قوتين متناقضتين: القدر الاجتماعي والواجب، وهو قدر الإنسان الفرد.

سرديات متقنة مؤثرة

تحكي الرواية عن جان فالجان، بمساقات متباينة، وتشويقية، في الوقت نفسه. فهذا السجين الذي خرج من سجنه للتو، تلقي به الأقدار لمقابلة الأسقف الطيب ميرييل، الذي عامله أفضل معاملة، وجعله يتجه إلى الحياة الشريفة.

وكان سبب تحوله إلى الخير. فغير جان فالجان اسمه. ومن ثم أصبح غنيا. وكان يستخدم أمواله دائما في خدمة الناس، إلى أن أحبوه وجعلوه عمدة لإحدى المدن، لكن الضابط جافيير كان مكلفا بالقبض على هذا المجرم: جان فالجان. فظل يتحقق من شخصيته فيما إذا كان هو هذا الرجل الجديد، وبقي يلاحقه طوال عمره. وهكذا لم يقتنع انه أصبح شخصا أفضل.

ولم يهتم لأفعال العمدة المهمة والخيرة، في حق الناس. ومن جهة أخرى نجد جان فالجان ينكب على تربية الطفلة كوزيت اليتيمة، التي ماتت والدتها بين ذراعيه وأوصته بها. ونتبين في الرواية أن كوزيت تحبه كأب. ومن ثم تصدم عندما تعلم حقيقة أنه كان مجرما في ما مضى. وفي العموم، وفي مغبة سيرورة هذه الاحداث، يظل جافيير شبحا يهدد استقرار حياة فالجان وكوزيت.

شعبية كاسحة

بدأ هوغو مع بداية الثلاثينيات من القرن التاسع عشر، الإعداد لواحدة من أهم رواياته:"البؤساء"، التي تناول فيها البؤس والظلم اللذين يسودان المجتمع. وعلى الرغم من ذلك، استغرق الأمر سبعة عشر عاما، حتى خرجت "البؤساء" إلى النور، ذلك بعد تحقيقها ونشرها، في عام 1862.

وتعد الرواية أكثر أعمال هيغو في احتفاظها بجماهيريتها، على مر العصور . وكان المؤلف على وعي تام بقيمة الرواية وأهميتها. فأعطى حق نشرها لدار النشر التي قدمت له أعلى سعر. ونفدت النسخ المعروضة للبيع من سلاسل الكتاب، خلال ساعات، وأحدثت تأثيرا مدويا على المجتمع الفرنسي.

وأبدت المجتمعات النقدية المعارضة، عداءها للرواية. واعترض باربي دورفيي على فظاظتها، أما فلوبير، فلم يجد فيها أي شكل من أشكال الحقيقة أو العظمة، ووجه الأخوان غونكور اللوم لهيغو، بسبب التكلف الذي تتصف به الرواية. وبالنسبة لرأي بودلير فعلى الرغم من استحسانه للرواية الذي عَبّر عنه في الصحف.

فقد انتقدها بقسوة دون أن يُعلن ذلك على الملأ. ووصفها بأنها تفتقر إلى الذوق والبراعة. ومع ذلك، لاقت البؤساء رواجا كبيرا بين صفوف الجماهير، إلى درجة جعلت البرلمان الفرنسي يضع الموضوعات التي ألقت الرواية الضوء عليها، سريعا، ضمن جدول أعماله.

استمرت الرواية، إلى الوقت الحالي، تلاقي الرواج الجماهيري ذاته، في كل أنحاء العالم. كما اقتبست لتقديمها في السينما والتليفزيون والمسرح وفي الالبومات الغنائية، فبرزت في إبداعات لم يضاهها فيها سوى عدد قليل من الأعمال الأدبية الأخرى.

 في السينما

1897 السينما الفرنسية إخراج الأخوين لوميير

1909 السينما البريطانية المخرج ج. ستيوارت بلاكتون

1913 السينما البريطانية المخرج هربرت بريتون

1917 السينما البريطانية للمخرج فرانك ليود

1934 السينما البريطانية للمخرج رايموند بيرنارد

1937 السينما الروسية للمخرجة تاتيانا لوكاشيفتش

1944 السينما الايطالية للمخرج ريكاردو فريدا

1956 السينما الهندية للمخرج سري لانكان سينهالا

1961 السينما الكورية للمخرج سينغ ها جو

1978 السينما المصرية للمخرج عاطف سالم

1995 السينما الفرنسية للمخرج كلود ليلوش

1998 السينما الأميركية للمخرج بيل أوغوست

2011 السينما الفرنسية للمخرجين جان بيلوروني وكاميل دي لا غولونيير

2012 السينما الأميركية للمخرج توم هوبير

 في المسرح

1863 في فرنسا للمخرج شارل هوغو ابن المؤلف

1906 في بريطانيا للمخرج ويلتون لاكاي

1982 في فرنسا للمخرج روبرت حسين

أداء دور «جان فالجان»

1909 الايطالي موريس كوستيلو

1934 البريطاني هاري بوير

1952 الأميركي ميكائيل رينيه

1967 الايطالي فرانك فينالي

1978 البريطاني ريتشارد جوردن

1982 للفرنسي لينو فينتورا

1995 الفرنسي جان بول بيلموندو

2000 البريطاني جون أوين ــ جونز

2002 الفرنسي جيرارد ديبارديو

2007 الياباني ماساشي سوغوارا

2012 الأميركي هوج جاكمان

طباعة Email