ما هو سر القصيدة الإغريقية الملحمية «الإلياذة»، التي يستلهم منها الكتاب والأدباء والشعراء، في كل عصر وأوان، إبداعاتهم، منذ زمن شكسبير وحتى اليوم؟
قبل التحدث عن أسباب بقاء «الإلياذة» في ذاكرة العصور، نعود إلى زمن كتابتها. إذ نسبت إلى الشاعر الضرير هوميروس، الذي خلده التاريخ، من خلال «الإلياذة». وأيضاً «الأوديسة». ولا يُعرف حتى يومنا هذا، إن كان هوميروس شخصية وهمية أم حقيقية.
عالم الإلياذة
تستمد «الإلياذة» خصوصيتها وقيمتها، من جمعها لعالم إنساني متكامل، بكل ما فيه من حب وحروب وصراعات بين الإنسان وغروره، وكذا حب السلطة والطموح، والقوة والضعف والحكمة والتهور والحياة والموت.
أما أحداثها، فتدور خلال حرب مدينة طروادة وحصار المدينة، من قبل مجموعة ولايات إغريقية، مدة 10 سنوات، ابتداء من عام 510 قبل الميلاد. وتروي الإلياذة، التي كتبت من خلال 15693 سطراً، المعارك والأحداث، في أثناء الأسابيع التي شهدت المباحثات، بين الملك آغاممنون والمحارب أخيل.
والإلياذة تعني في الإغريقية، حسب المراجع، «قصة اليوم» أو «اليوس» واليوم أو اليوس، هي طروادة، المدينة الآسيوية القديمة الواقعة على شاطئ البوسفور، حيث وجدت خرائبها تحت تلال الرمال، بعد أن دمرتها القبائل الأيونية والأيولية والدورية، في حروب طويلة امتدت قرناً كاملاً.
وعلى الرغم من أن الملحمة تغطي أسابيع معدودة من سنة الحرب الأخيرة، إلا أنها تستعرض الأحداث التي سبقتها، مثل اجتماع المحاربين عند طوق حصار طروادة الذي بات مثلاً يتداول في المعارك الحربية والسياسية. ومنها إلى الأحداث التي تعد بمثابة استقراء لما هو قادم، مثل الموت الذي يحوم حول البطل أخيل، كما تتناول في مضمونها دوافع الحرب المباشرة وغير المباشرة، لتحلِّل ما حصل، على صعيد الخلافات وأعماق النفس البشرية.
باريس وهيلين
وتتبدى دوافع الحرب المباشرة في الإلياذة، عقب تجرؤ الشاب «باريس» الطروادي، على خطف هيلين الجميلة، سبية الملك آغاممنون، بالاتفاق معها، وبمساعدة آلهة الجمال آفروديت. هكذا، وبدافع الانتقام، يجمع آغاممنون جيشه ويتفق مع الملوك الآخرين على مهاجمة طروادة ورد الإهانة. واعتقد الجميع أن الحرب ستستمر بضعة أيام، لكن الأيام تحولت إلى أشهر، والأشهر إلى سنوات وهكذا.
غضب أخيل
بعد مضي تسع سنوات على الحرب الطروادية، يهاجم الجيش الإغريقي الأشني (المهاجم لطروادة)، بلدة كرايس المتحالفة مع طروادة. وخلال المعركة، يقبض الأشنيون على فتاتين جميلتين، هما كرايسيس وبريسيس. ويحظى ملك أسبارطة آغاممنون، قائد القوات الأشنية، بكريسيس كغنيمة حرب. أما أخيل، أهم المحاربين، فيطلب بريسيس. ويعرض والد كريسيس، الذي يعمل قساً عند الآلهة أبولو، على آغاممنون، دفع الفدية التي يريدها، مقابل استعادة ابنته، لكن آغاممنون يرفض التخلي عنها، وهو ما يدفع كريسيس إلى مناشدة أبولو في صلاتها، والذي استجاب إلى دعوتها وأرسل وباء الطاعون الذي انتشر في معسكر الأشنيين.
بعد موت الكثير من الأشنيين، يستشير آغاممنون العراف كالشاس، لتحديد أسباب الوباء. وعندما يكتشف أن كريسيس السبب، يتخلى عنها بعد تردد، ويطلب بديلاً لها السبية بريسيس التي كانت مع أخيل. فيشعر الأخير بالإهانة والغضب، ويعود إلى خيمته في المعسكر رافضاً القتال في الحرب، ويتمنى أن يخسر الأشنيين الحرب تشفياً بهم، ويسأل والدته، عروسة البحر ثيتيس، المساعدة.
موت بارتوكلوس
يتكبد الأشنيون خسائر فادحة، بفصل مساعدة الإله زيوس للطرواديين، ورفض أخيل المشاركة في الحرب. وهكذا يحققون، بقيادة محاربهم العظيم هيكتور، مجموعة من الانتصارات، بدورها تدفع الأشنيين إلى التراجع نحو الشاطئ، ومن ثم التهديد بحرق سفنهم. وهنا يطلب بارتوكلوس من صديقه أخيل، أن يشارك في الحرب، ويرتدي بارتوكلوس بعد أن قرر الاشتراك بالحرب، لباس أخيل الحربي. وحينما يُقتل، يظن الجميع أن أخيل هو من ذُبح بسيف هيكتور.
يحزن أخيل لموت صديقه، ويطلب من والدته أن تُحضر له بدلة حربية، صنعت خصيصاً له من قبل آلهة النار هيفايستوس. في اليوم التالي ينضم للمعرض ويقتل عدداً كبيراً من الطرواديين، بمن فيهم ملكهم هيكتور.
لحظة إنسانية
ينجرف أخيل في حزنه ويستسلم إلى مشاعر النقمة، بعد ثأره لبارتوكلوس. إذ ينكل بجثة هيكتور ويدور بها لأيام عدة، على الرغم من استعادة الأشنيين لجثة صديقه بارتوكلوس وإقامة مراسم دفن لائقة به. وتجلب رعونة أخيل غضب الآلهة عليه، وعندما يطلب والد هيكتور جثة ابنه عقب زيارته متخفياً، في الليل، يوافق أخيل. ويجلس الاثنان معاً ويتشاركان لحظات إنسانية يجمعهم خلالها الحزن على من فقدا. وتنتهي الإلياذة بجنازة هيكتور التي يعقبها موت أخيل واحتلال طروادة.
في السينما
1956 فيلم «هيلين من طروادة». للمخرج روبرت وايس. بطولة: روسانا بوديستا، جاك سيرناس، وبريجيت باردو. مدة الفيلم 118 دقيقة.
1971 فيلم «المرأة الطروادية». للمخرج اليوناني مايكل كاكويانيس. بطولة كاثرين هيبورن وفانيسا ريدغريف. مدة الفيلم 105 دقائق.
1977 فيلم «إفيجينيا». للمخرج اليوناني مايكل كاكويانيس. اقتبس العمل من قصة ابنة آغاممنون وكليمنسترا. وهو فيلمه الثالث في التراجيديا الإغريقية بعد «الكترا» عام 1962 و«هيلين من طروادة». هذا الفيلم من بطولة تاتيانا باباموشو وكوستاس كازاكوس وآيرين باباس.
2003 فيلم «هيلين من طروادة». للمخرج جون كينت هاريسون. بطولة روفوس سيويل وستيلان شارسغارد وجوناثان رايس ديفيس. مدة الفيلم 117 دقيقة.
2004 فيلم «طروادة». للمخرج وولفغانغ بيترسون. بطولة براد بيت وإيريك بانا وأورلاندو بلوم. مدة الفيلم 163 دقيقة.
دور هيلين
أشهر ممثلات السينما اللواتي مثلن دور هيلين، التي تهرب من الملك آغاممنون بصحبة الشاب الطروادي باريس: كاثرين هيبورن وروزانا بوديستا.
وثائقي تلفزيوني
1986 أنتجت شركة البث البريطانية مسلسلاً تلفزيونياً وثائقياً، بعنوان «البحث في حرب طروادة». من تقديم كاتبه مايكل وود وإخراج بيل ليونس. بواقع 6 حلقات، بلغ مجموعها الزمني 345 دقيقة.
التشكيل
510 رسومات من الإلياذة على المزهريات من زمن الإغريق، وكانت ترسم باللونين الأبيض والأسود.
1635 رسم الفنان الهولندي الشهير، بيتر بول روبنز (1577 1640)، أكثر من 13 لوحة من وحي «الإلياذة»، وتتجلى في لوحاته خصوصية أسلوبه في الفن الباروكي.
1760 لوحة تجسد مشهداً لإحدى المعارك في حرب طروادة. وهي للرسام الهولندي جون مايكل ريسبراك (1694 1770). منجزة بالألوان المائية، بمساحة 23.5 في 38.4 سم.
1793 رسم اسكتش لمشهد من الإلياذة، بريشة الفنان البريطاني جون فلاكسمان (1755 1826)

