أشرف العشماوي: تقمّص الروائي دور المؤرخ يضعفه

صورة

لا يرضخ الروائي المصري طارق العشماوي لأية حواجز أو موانع يمكنها أن تعترض طريقه ومساره في تناول جميع النقاط الإشكالية، عبر أعمال يختار أن ينتصر معها لصوت من لا صوت لهم، مؤمناً في هذا التوجه بأن الرواية والكتابة فعل مجتمعي وإبداعي موكلة إليه مسؤولية حساسة تتجسد في كشف أي ظلم تتعرض له فئة ما، ويحكي عبرها المعاناة والآلام لجملة من الأشخاص، والكثير من المآسي والصعوبات الحياتية المتنوعة.

ويشير العشماوي، في حواره مع «بيان الكتب»، إلى قناعته بأن الروائي ليس مؤرخاً، وبتقمّص الروائي دور المؤرخ ستكون الرواية جافة وأشبه بكتب التاريخ.

التراث النوبي

تدور أحداث روايتك «تذكرة وحيدة للقاهرة» حول مجتمع النوبة. كيف تشكّلت معرفتك بالتراث النوبي وثقافته، أذلك بفعل القراءات والكتب أم عبر التواصل مع النوبيين أنفسهم؟

توافرت لدي تلك المعرفة بفضل قراءات حديثة عن التراث النوبي، بداية من أغسطس حتى ديسمبر 2014م، لكنني زرت النوبة مرتين، وأقمت في بيوت نوبية وجلست مع النوبيين، خاصة كبار السن، واستمعت إلى حكاياتهم واعتبرتها مرجعاً مهماً؛ لأن الكتب تعطي معلومات جافة ولا تنقل الصورة بصدق. وفي النهاية، لا أنكر أن هناك جزءاً كبيراً في الرواية من خيالي الشخصي بنسبة 90%، حتى شخصياتها، باستثناء المهندس الذي بنى السد العالي.

أما نسبة الـ10% المتبقية، فهي أحداث واقعية.. ولكني كتبت أيضاً في بداية الرواية أن «معظم شخصيات الرواية غير حقيقية ومن نسج الخيال»؛ لأني لا أعتمد على أسلوب التوثيق أو الالتزام بالوثيقة والمراجع، فذلك من برأيي يجعل الإبداع حاداً، ويحدد سقفاً للمؤلف لا يستطيع تجاوزه، كما لا أحب فكرة الروايات التي تَكتب في بدايتها جملة «مأخوذة عن الواقع» أو «أحداث حقيقية»؛ لأنها بمنزلة خداع للقارئ.

رمزية

هل يمكننا اعتبار أن رمزية أسطورة «خيال المآتة» في الرواية، الذي تخافه الطيور لمجرد أن صاحبه ألبسه زيّاً عسكرياً «كناية عن الاحتلال الإنجليزي والقسر والظلم الذي يقع على الناس»، سقطت الآن واكتشفت الطيور حقيقتها؟

بالطبع، هذه الحكاية غير منطقية، أما رمزية «خيال المآتة» ذات الزي العسكري، فالمقصود بها مجازاً حينذاك أن الاحتلال الإنجليزي للدول كان غاشماً، أما الآن فالغزو أصبح عن طريق العقول.

ضد الأيديولوجية

هل يمكن اعتبار الرواية مُساءلة لعصر سياسي محدد في مصر؟

لا، أنا أعترض، وضد هذا الاعتقاد، لا سيما أنني لا أنتمي إلى أي حزب أو تيار سياسي، ثانياً لأنني لست باحثاً تاريخياً، ولم أدّعِ ذلك، ولا أستطيع أن أضع أيّ عصر من العصور تحت المساءلة، ولا أمتلك ذلك. أنا روائي، أكتب رواية تُقرأ بعين أدبية، وضد أي شخص يكتب الرواية أو يقرؤها بأيديولوجية معينة، لكنّ كل عصر له إيجابيات وسلبيات، ومن الطبيعي أن تظهر السلبيات عندما تطغى، وبطل الرواية «عجيبة» شخص نوبي تضرر من عهد حكم محدد؛ لذا جاء صوته عالياً ومسموعاً في الرواية، لكنني من ناحية أخرى لم أدافع عن العصر الملكي، بل اخترت منه نموذجاً سيئاً هو «بدر المغازي»، وكانت هناك أيضاً إدانة لسياسة الانفتاح وبيع الأراضي.

رحلة إنسان

أتصنّف الرواية «تاريخية» أم أنها معنية بالتاريخ الإنساني لفئة محددة، وهي المجتمع النوبي خلال فترة الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الفائت؟

لا يمكنني تصنيفها على أنها تاريخية؛ ذلك لأن الروائي لو تقمص دور المؤرخ ستكون النتيجة رواية جافة أشبه بكتب التاريخ، وأنا أميل إلى التصنيف الأخير بأنها «رحلة إنسان»، فاستعراض التاريخ من خلال رحلة إنسان يعطيني مساحة أكبر من الإبداع، فلا ألتزم بحكي قصة تاريخية، إنما أستعين بالحوادث التاريخية (مثل بناء السد العالي)، وذلك لا أستطيع تغييره؛ لكنني أستعرض حياة إنسان على خلفية هذا الحدث، وأجعله يقود الأحداث ويراها بعينه، وكيف كان تأثيرها في حياته، والرواية بشكل عام كانت سلسة من كل النواحي؛ لدرجة أني شعرت بأنها تكتب نفسها بنفسها، وقد أنهيتها في 22 شهراً فقط.

اللحظة السياسية الراهنة

روايتا «كلاب الراعي» و«تذكرة وحيدة للقاهرة» محملتان بالسياسة أكثر من رواياتك السابقة. هل يرجع ذلك إلى طبيعة الحالة السياسية التي تعيشها مصر؟

نعم، فطبيعة المرحلة تجبرني أن أتجه ناحية الكتابة في مجال محدد. كتبتُ الروايتين بعد ثورة يناير، وكان من الطبيعي وقد خرجنا من ثورتين أن أميل إلى السياسة والتفاعل مع الأحداث؛ لكنني لم أذهب إلى التاريخ والسياسة بشكل مباشر، فعلى الروائي أن يبحث عن لحظة ما في التاريخ ويقبض عليها، ثم يُسقط بها على الحاضر من دون مباشرة، فيشعر القارئ أن ما حدث في الماضي يحدث في الحاضر، من دون الوقوع في المباشرة، وهذا ما فعلتُه وتركت الفهم للقارئ، والقارئ نوعان: نوع يبحث عن الحكي ومتعة القصة، وآخر يرى ما خلف السطور، وفي الحالتين أنا سعيد بالقراء جميعاً؛ فأنا أكتب للاثنين.

قصة باسم مستعار

لماذا تكتبُ القصة القصيرة وتتردد في نشر ما تكتبه من هذا النوع الأدبي؟

أنا مثل غالبية الروائيين الذين بدؤوا محاولاتهم الأولى بكتابة القصص، وكتبت قصة قصيرة ذات يوم ونشرتها تحت اسم مستعار هو «شريفة كمال»، وبالفعل فازت بإحدى الجوائز الأدبية، وذهبت إلى حفل تسلّم الجائزة حينذاك، لكني لم أستطع أن أعلن عن نفسي بأني من كتبتها، ولم أتسلم الجائزة؛ إذ وجدت أنه من غير اللائق أن أكون وكيل النائب العام حينذاك وأقف وسط الحضور وأقول: «نعم أنا شريفة كمال»، وهذا ما لا يتفق مع آداب المهنة، لكن لم أستمر في كتابة القصة، لأني لست راضياً عما كتبته فيها، فلدي 21 قصة قصيرة، وأخاف من نشرها؛ لأن الانتقال إلى القصة القصيرة مغامرة، وليست لدي الشجاعة حتى الآن لمواجهة القارئ بها.

مشروعات مقبلة

هل هناك تفاصيل صغيرة داخل الرواية أوحت إليك بفكرة رواية أخرى؟

هذا صحيح، حيّ الزمالك الذي تناولتُه في الرواية بشكل سريع أوحى إليّ أن أُفرد له صفحات طويلة في رواية كاملة، وأن أكتب عن التطورات التي حدثت فيه منذ بداية فترة العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات من القرن الفائت حتى اليوم، وذلك من خلال بؤرة كانت تُسمى «طبقة كِرِيمَة» المجتمع المصري، وهي طبقة الباشاوات.

ومن ناحية أخرى، وبالتوازي مع هذه الفكرة، تراودني فكرة أخرى شبه متكاملة عن رواية تصنف «أدب جريمة»، وإلى الآن حائر في الاختيار بين الاثنتين، ومنتظر أن تشدني فكرة عن أخرى، أما الآن فأحتفل بنجاح «تذكرة وحيدة للقاهرة».

«تذكرة وحيدة للقاهرة» بناء ممتع لصراع الخير والشر

يكمن سرّ تميّز رواية «تذكرة وحيدة للقاهرة» في كشفها مرحلة مجهولة في تاريخ مجموعة بشرية محددة ضمن منطقة النوبة جنوبي مصر؛ إذ تعرّضت الرواية لما عايشته وعانته مجموعة من الناس خلال حقبة زمنية مرت، إذ اضطر كثيرون لهجرة المنطقة.

هذا ما قاله وزير الثقافة المصري الأسبق الدكتور جابر عصفور عن الرواية، مضيفاً أنها «تتحلى بدقة تاريخية كبيرة، فضلاً عن التشويق الذي يطغى على أحداثها منذ الصفحات الأولى، وسيجد القارئ نفسه أمام سؤال: وماذا بعد؟»، كما أشار إلى عملية بناء الشخصيات، واصفاً إياها بـ«البناء الممتع لما تحمله من تفاصيل دقيقة لشخصيات العمل، استطاعت رسم الصراع الدائم بين الخير والشر، وتُعد أفضل ما كتب العشماوي منذ أن شرع في الكتابة الأدبية».

الروائي أشرف العشماوي يستعرض، في روايته الحديثة «تذكرة وحيدة للقاهرة»، رحلة الشخصية النوبية «عجيبة» على مدى خمسين عاماً تقريباً، حين يسافر فيها البطل إلى القاهرة في الأربعينيات من القرن الماضي، وتبدأ رحلته الإجبارية من أسوان (في أقصى الجنوب) بعد غرق قريته النوبية، إثر تعلية خزان المياه ومصرع والده في حادث سير مريب مع المهندس الإنجليزي مصمم خزان أسوان، فيلتحق بالعمل مع ابن عمته العامل البسيط بنادي الجزيرة العريق في قلب القاهرة، ليكتشف عالماً آخر لم يكن يعرف عنه شيئاً، ويعيش مغامرة مشوّقة متلاحقة الأحداث خلال سنوات عمله ضمن النادي.

حواري عابدين

ومن حيّ الزمالك العريق وعمله لدى أبناء الطبقة الأرستقراطية، ينتقل إلى حواري عابدين العتيقة، حيث يعيش مع غالبية النوبيين بفقر وضمن شروط قاسية، لنرى من خلاله مصر في الأربعينيات والخمسينيات ومشارف الستينيات من القرن الماضي، ثم ينقله القدر إلى محطات متتالية في مدن مصرية؛ حيث يعمل في مهن غريبة ومختلفة؛ فتارةً إسكافي يصلح الأحذية القديمة، وتارةً ثانية مساعد كودية في حفلات زار وجلسات لتحضير الجانّ، وتارة أخرى يفقد هويته تماماً ويتحول إلى شخص سوداني بهوية مزورة ليساعد إقطاعياً قديماً على استرداد أرضه التي صادرتها الحكومة بعد الثورة؛ ليصير من الأعيان ويتمرس على مراهنات الخيول في نادي الجزيرة، ليصادف في محطات رحلته شخوصاً غريبة وأنماطاً مختلفة من المجتمع، حتى يفيق من سكرته فجأة ويتورط في قضية، فيضطر إلى الهروب إلى الإسكندرية، ليعمل حوذياً على عربة حنطور قديمة، حتى يلتقي بسيدة يهودية، فيلتحق بخدمتها، ومنها يطير إلى سويسرا بمساعدتها؛ لتتغير هويته للمرة الثالثة، وينقل لنا أدق تفاصيل الحياة في المجتمع السويسري.

ويدخل «عجيبة» أيضاً في عالم تهريب النقد المزور إلى شرق أوروبا، وتتلقفه منظمات المجتمع المدني التي تساعد الأقليات على العودة إلى موطنها الأصلي، فلا يدري دوماً أين تكون محطته الأخيرة، ويحاول دائماً العودة ليكتشف أن القَدَرَ يقوده دائماً نحو الاتجاه العكسي، فيبتعد أكثر.

هذه الرواية لا تتحدث عن حياة النوبيين في تلك المنطقة حينذاك. وإنما تتجاوز ذلك كله، لتلقي الضوء على حياة هذه الفئة في قلب القاهرة، وما حدث لهم فيها ومنها، ويظل بطل الرواية، حتى إن كان من فئة معينة، يمثل الغالبية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات