«لا تدعني أذهب أبداً»..خط الحياة المرسوم والنهاية المحتومة

تفتتح رواية «لا تدعني أذهب أبداً»، للكاتب كازو إيشيغورو، أولى صفحاتها بطريقة إبداعية ارتأى مؤلفها تلخيصها في ثلاث كلمات «إنجلترا، أواخر التسعينيات»، وتتولى رواية أحداثها شابة مستنسخة، خلقت كما البقية، لتكون مقلع عمليات زراعة الأعضاء. إنها حكاية كاثي وتومي وروث، ومثلث الحب الذي ظهرت أولى براعمه في مدرسة «هايلشام».

وتتلخص حياة هؤلاء الثلاثة في إفشاء مفاجئ لحارسة غاضبة تصرخ وتقول: لن يذهب أحدكم إلى أميركا، ولن يغدو أي منكم نجماً سينمائياً، فخط الحياة مرسوم لكم.. ستصبحون بالغين، وستبدؤون وهب أعضائكم الحيوية. هذا ما خلق كل منكم لأجله.

ويلعب روث دور المسيطر، خلافاً لتومي الذي غالبا ما يجد صعوبةً في السيطرة على أعصابه، لكن أبطال الرواية يعيشون على أمل دائم في أن ينقذهم الحب، وقد سمعوا أنه أو الفن أو كليهما معاً يمنحان المرء فرصة العيش.

3

وتنقسم رواية «لا تدعني أذهب أبداً» إلى ثلاثة أجزاء رئيسية تصف فترة ترعرع الشخصيات الأساسية الثلاثة، كاثي وتومي وروث، في مدرسة داخلية قروية تدعى «هايلشام»، ويوازي ذاك استعادة ذكريات الفترة التي أمضوها في الأكواخ، وانفصالهم في الجزء الثالث قبل إعادة لم شملهم نهائياً كبالغين.

عالم مستبد

وتردد أحداث الرواية أصداء خسارة كاثي لبراءتها رويداً رويداً تماشياً مع إدراكها كنه حقيقتها، على الرغم من أنها تثير الشفقة تحديداً بسبب قدرها المأساوي في عالم مستبد يستثني إمكانية أن تصبح أماً أو تكبر لتصبح عجوزاً بشكل طبيعي. ويضمّن إيشيغورو الحبكة أفكاراً غرائبية متنوعة. وتبرز من ضمن الخصائص الخفية المثيرة الأخرى، قصة الأكواخ، التي على الرغم من احتلالها الجزء الأصغر من الكتاب، تشكل مجرد مرحلة تحول أو نقطة فاصلة، فهي تمثل شيئاً منفصلاً عن «هايلشام» وأداء دور الممرضة، تماماً كما تشكل فترة المراهقة مفترقاً بين الطفولة والنضوج الناشئ.

ولا يتعدى دور مدرسة «هايلشام» إعداد طلابها للمستقبل، بغرس آليات كبح وإنكار الذات في عقولهم، تمهيداً لتثبيتهم وتكريسهم لتبرع تلو الآخر. وهكذا يعيشون حياتهم حبيسي الإهمال بانتظار نداء «العطاء».

تحالفات وقسوة

تعتبر الرواية بمعظم جوانبها مقنعةً لأي كان، سواء بالقسوة العادية لأطفال يلعبون، أو طريقة عقد التحالفات وفرطها بين الشباب. وتتظهّر نقاط قوة إيشيغورو الروائية في قدرته على الكتابة بوضوح وعدم تكلف، حول تلك الأمور. إلا أن الرواية مخيفة ومثيرة للقلق على عدة مستويات، إذ يمعن كازو بتزويد القارئ تدريجياً بتفاصيل صغيرة تكون سبب اضطرابه. وتشابه هذه التقنية إدخال موسيقى مخيفة على أحداث فيلم ما قبل مشهد الرعب.

ويبدو طرح إيشيغورو لجدلية الاستنساخ ماكراً للوهلة الأولى، جاذباً بسطحية، ويشكل غطاء لحاجة مرضيّة للتخفي. لكن حول ماذا تدور رواية «لا تدعني أذهب أبداً» حقاً؟ إنها عرض للتآكل المطّرد للأمل، وسرد لحقائق مكبوتة، تبدأ بخذلان أحدنا للآخر، والتقدم المحتوم في العمر باتجاه التفتت. إنها حكاية عن معرفة ضرورة الهدوء، علماً أن الهدوء لا يحفز التغيير، إنها تحكي رواية يتيم يتفجر غضبه حمماً.

إنها واحدة من روايات إيشيغورو التي تنحرف عن قصص الفيض المعاصر والمسائل الاجتماعية الملحة، وتقصينا بطيش أحياناً عن زماننا. إنها الرواية التي تمعن، إضافةً إلى إمتاع القارئ وإثارة إعجابه، في سنِّ شرعةٍ أساسية بدائية حول حاجة البشر للتخيل.

1982

درس كازو إيشيغورو الكتابة الإبداعية في جامعة «إيست أنغليا» التي تولت نشر روايته الأولى «منظر التلال الشاحب» عام 1982. وانهمك منذ ذلك الحين بالكتابة بدوام كامل. وتشير أوساط الأكاديمية السويدية المانحة لجائزة نوبل، إلى أن ثيمات «الذاكرة والوقت والوهم الذاتي»ـ تحيك خيوطها في قلب أعماله.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات