«رحل رحيلاً».. معانٍ إنسانية وسط حطام المخيمات

تتحدث رواية «يرحل، رحل رحيلاً»، عن محنة اللاجئين بوصفها إدانة للغرب، وتتأمل مؤلفتها جيني إربنبك معها في الطريقة التي يمكن أن يجد العالم معنى للحياة الإنسانية.

وفي البداية، نتعرف على بطل القصة، ريتشارد، الأرمل المتقاعد حديثاً، والذي يعاني من وحدة وتتنازعه الشواغل الوجودية. إذ يفكر في أن»أفضل علاج للحب، كما عرف الشاعر الروماني أوفيد منذ قرون، يكمن في العمل«. وبعد تقاعده أخيراً، عقب عمله كأستاذ للغة، لم يبق له شيء يفعله سوى التأمل حول الموت ونهاية حياته التي ستأتي يوماً ما. فماذا سيحدث لمكتبته وأبحاثه يا ترى؟

سيكتشف ريتشارد سريعاً، وجود جانب آخر في برلين ما زال خافياً عليه، وسيثير اهتمامه إضراب عن الطعام لـ10 لاجئين يريدون إعالة أنفسهم من خلال العمل، حيث يحتجون على وضعهم القانوني. وكان قد مر بجانبهم في الشارع ولم يلحظ وجودهم.

«ليس آلة»

وتشير الكاتبة إلى ما هو مشترك بين ريتشارد المتقاعد حديثاً وأولئك اللاجئين، فتكتب»البشري ليس آلة يمكن وقفها وتشغيلها«، أما عن الوقت، فتقول:»المحكوم عليهم بالكسل من رأسهم إلى أخمص قدميهم«.

ويقرر ريتشارد مقابلة اللاجئين، وفي انخراطه مع الآخرين، فإنه حتماً سيواجه بضرورة التعامل مع ذاته. وسيثير الإضراب لدى ريتشارد حالة من التأمل في ماضي ألمانيا، وسينغمس في قضية اللجوء، ومن ثم يدخل منعطفات البيروقراطية، فيجبر على التعامل مع جانب مظلم للحياة. وعبر رحلاته المتكررة إلى مخيمات اللجوء، يتحول مشروعه لملء الوقت، تدريجياً، إلى علاقات صداقة وعاطفة، وذلك في تحول داخلي ليس خالياً من دوافع أنانية.

ريتشارد سيغدو مهووساً في فهم الأعماق التي تقع تحت السطح. ففي حياته هناك: ملف المخابرات الألمانية وعلاقاته قبل الزواج وتجربته كطفل انفصل مؤقتا عن والدته خلال غارة جوية. كل ذلك سيجعله حساساً لهشاشة وجود هؤلاء الهاربين من الحرب، الذين أوصلهم البحر إلى إيطاليا بعد أيام أمضوها في البحر، مع قليل من الطعام والماء.

ساعات من الأحاديث في الرواية، يجريها ريتشارد مع اللاجئين بقصد سرد قصته وقصصهم. وسيعد لائحة بـ»مجموعة أسئلة مؤثرة يوجهها لهم.

لكن أولئك ليسوا موضوع دراسة أكاديمية، لكل منهم قصته التي ينبغي سردها، بينهم من شاهد والده يقتل أو أصدقاءه يغرقون، ليس في حوزتهم سوى ذكرياتهم وهواتفهم النقالة التي تحوي أرقاماً تشكل رابطهم الوحيد مع العائلة والأصدقاء وما كانوا عليه في الماضي.

صداقات وقصص

في بداية لقائه بأولئك اللاجئين، سيضفي ريتشارد طابعاً رومانسياً على صداقاته، ويمنح أحدهم اسم أبولو، وآخر ترستان. ثم تتوطد تدريجياً علاقاته وتأخذ طابعاً مختلفاً. فهناك روفو، الشاب الذي يزوره بمنزله لقراءة دانتي، وأوزابورو الذي يعلمه عزف البيانو.

وقصص هؤلاء يجري سردها بنثر مكثف ينطوي على حزن مبطن، وستقتبس الكاتبة عند وصف عبثية البيروقراطية، من الروماني تكتيوس في ندب الحضارة المعاصرة:»يعتبر خطيئة، صد أي رجل عن بابك«. وسيدرك ريتشارد في سعيه وراء المعنى، بين شباب من سوريا وغانا وبوركينا فاسو، أن»الأشياء التي يمكن تحملها هي على سطح أشياء لا يمكن تحملها«.

وتبدو سرديات الرواية مشغولة بأسئلة التاريخ وقضايا الثقافة والتقاليد، ويتحول ريتشارد من أكاديمي إلى مناضل ملتزم،»لكن فيما بإمكان ريتشارد إيجاد غاية جديدة في الحياة بمشاركته في قضية اللاجئين، يبقى الذين يقابلهم مستثنين من مجال العمل.

وبالتالي: من المجتمع الألماني«. وكأن بالكاتبة تقول، وفقاً للناقدة كاثرين تايلور في صحيفة»فايننشال تايمز«البريطانية، إن المرء ليس مجبراً على المنفى بالضرورة ليصبح مغترباً عن بلاده. فأحياناً الأرضية الأيديولوجية تحت أقدامه يمكن أن تهتز.

سطور

تأتي الكاتبة ومخرجة الأوبرا الألمانية، جيني إربنبك، من عائلة أدباء وفلاسفة. ولدت في برلين الشرقية عام 1967، ودرست المسرح في جامعة همبولدت، ثم انتقلت إلى دراسة الإخراج الموسيقي المسرحي في عام 1990، وعملت في عدد من منازل الأوبرا في ألمانيا والنمسا. وبدأت مهنة الكتابة في التسعينيات من القرن الفائت، وتملك الآن في جعبتها مسرحيات وقصصاً وروايات، من أهمها:»كتاب الكلمات«- 2007،»فيزيتايشون«- 2008،»نهاية الأيام«- 2014. وهي حائزة عدة جوائز أدبية. كما فازت سنة 2016 بجائزة»توماس مان«، وحازت في 2017 جائزة»ستريجا». وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من 17 لغة.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات