فاطمة البريكي:الحراك الثقافي الإماراتي في أحسن حال

لم يغادرها حب اللغة العربية وعشق الإبداع في رحابها، يوماً، إذ طالما مثلت لها عنوان الهوية وضمانتها. لا بل إن د.فاطمة البريكي جعلت التركيز على تعزيز حضور وتأثير لغة الضاد في عصرنا الحالي، قضيتها ومحور انشغالاتها واشتغالاتها، ذاك سواء في التدريس أو في العطاء الأدبي .

وفي السياقات المجتمعية جميعاً. وعليه، انهمكت، مبكراً، ككاتبة وناشرة وأستاذة جامعية، في تقوية دعائم تناغمها وانسجامها، بصفتها وعاء للفكر، مع مفردات حياتنا العصرية وتنويعاتها المعرفية الرقمية المبثوثة في قوالب وصيغ تكنولوجية متقدمة، بحيث تكون مواكبة للتغيرات ومحصنة من الإهمال وقريبة من جيل الشباب تلبي احتياجاته الفكرية «المرقمنة» المتطورة.

«بيان الكتب» يضيء في حواره مع د.فاطمة البريكي، على جملة مفاصل وموضوعات في شأن «العربية» وإشكالاتها في وقتنا الراهن.. وكذا حول مجموعة مسائل تمس الثقافة والنشر والحراك الثقافي في الساحة المحلية. إذ تؤكد أن الثقافة في الإمارات تعيش حالة ازدهار نوعي..وترفل بأثواب التنوع والتناغم بين مختلف مساقات العمل الإبداعي ضمنها.

ما تقييمك لمستوى وطبيعة الحراك في الساحة الثقافية، والأدبية خاصة، في الإمارات؟

تشهد الإمارات حالة حراك ثقافي على مستويات عدة، جميعها تتكامل فسيفسائياً لبلورة المشهد الثقافي الإماراتي، حيث نجد رواجاً للمهرجانات الأدبية والثقافية التي تلقى إقبالاً من داخل الإمارات وخارجها، كما نجد تزايداً في عدد الصالونات الأدبية التي تعزز مفهوم القراءة، وتغرسه في نفوس الأجيال الجديدة جنباً إلى جنب مع فئة النساء سواء العاملات أو ربات المنازل.

وبالإضافة إلى هذين الجانبين نجد أيضاً حضوراً قويّاً للمسابقات والجوائز الثقافية والأدبية التي تستقطب أقلاماً متفاوتة المستوى بحسب الفئة المستهدفة في كلٍّ منها، من المبتدئين إلى الكتّاب المحترفين.

وبعد كل هذا نجد إقبالاً على معارض الكتب التي تضع بين يدي القراء بمختلف ميولهم واهتماماتهم أهم ما يُنشر عربياً وعالمياً، مع برامج ثقافية ومهنية تجعل من الثقافة حرفة لها أدوات يجب على كل مهتم بالبعد الثقافي امتلاكها. وهذه أمثلة فقط، وليست على سبيل الحصر أبداً، فكيف يمكن أن تُقَيَّم الساحة الثقافية الإماراتية وسط كل هذا الزخم؟

لن أستطيع أن أزعم أنني أستطيع الحكم أو التقييم في الوقت الحالي، لأن الحالة لم تنتهِ بعد، وهذا يجعل إطلاق الأحكام صعباً، ولكن لا يمنع أيضاً من أن نكون متفائلين، فلا بد أن يُولد من رحِم هذا الجو الإيجابي نتائج إيجابية أيضاً. وطبعا، بلا شك، فإن المشروعات الثقافية الموجودة، ترفد وتعزز الهوية الوطنية.

هرم مقلوب

لا يخلو أي مشهد ثقافي من الصعوبات والمشكلات. أيها برأيك، تعترض مسار الثقافة والإبداع في الإمارات...؟

المشكلة ربما تكمن في أن الجميع يرغب في أن يكون كاتباً ومبدعاً، لكن قلة هي من تسعى لأن تطور نفسها بالقراءة والتدريب قبل الشروع في الكتابة حقيقة، وهنا تكمن الأزمة؛ فليس من الطبيعي أن يكون الجميع كاتباً، والطبيعي أن يكون الكتّاب نخبة في كل مجتمع، وأقصد بالنخبة هنا الجانب الكمي، وليس القيمي، والطبيعي أيضاً أن يكون القراء هم الأكثرية.

لكن حين ينقلب الهرم، لا شك أن هناك مشكلة وتحتاج إلى حل سريع!

قرار صحيح

تركتِ اشتغالك في تدريس اللغة العربية للتفرغ لأعمالك الإبداعية ولدار النشر خاصتك.. فهل تجدين الواقع الثقافي المحلي مشجعاً ومحفزاً لمثل هذا التوجه؟ وكيف تقيّمين خيارك هذا بعد التجربة؟

بعد ثلاث سنوات من الابتعاد عن الأجواء الأكاديمية بقاعاتها التدريسية، وأبحاثها التخصصية، والتوجه نحو الكتابة والإبداع، والنشر بصورة خاصة للطفل، أعتقد أنني اتخذت القرار الصحيح والمناسب، لأنني في سنوات تدريسي الأخيرة في جامعة الإمارات العربية المتحدة التي كانت محطة مهمة على صعيد العمل.

لاحظتُ تدني مستوى الطلبة الذين يلتحقون بقسم اللغة العربية وآدابها، وشعرتُ أننا نبدأ معهم متأخرين، وأنا أؤمن بأن لدي طرقَ تدريس جديدة وجميلة ومحبِّبة في اللغة العربية وليست منفرّة منها، ولكنها ينبغي أن تبدأ مع الطفل منذ صغره، وتستمر حتى وصوله إلى الجامعة.

لذلك قررت إنشاء مؤسسة سما للنشر والإنتاج والتوزيع، تحت شعار «التأسيس اللغوي يبدأ مبكراً»، ومنها قدمت أجمل القصص والكتب والوسائل التعليمية للأطفال، التي تجعلهم ينخرطون في أجواء تعليمية ممتعة باللغة العربية منذ صغرهم، وتعزز لديهم المهارات اللغوية الأساسية، بجو ترفيهي ينطوي على التعليم، لكن بعيداً عن التلقين.

خط مختلف

ماذا عن سبب ميلك وتركيزك أخيراً على أدب الطفل؟

تركز دار النشر الخاصة بي على الكتب الخاصة بتعليم الأطفال اللغة العربية على نحو خاص، شريطة أن تكون بطريقة إبداعية وجديدة، وليست مكررة، بالإضافة إلى القصص المشوقة والجاذبة من حيث الفكرة والرسومات. والسبب في هذا التوجه نحو تأسيس دار للنشر خاصة بأدب الطفل هو أنني أرغب في أن نوجد خطّاً مختلفاً في كتب الأطفال، بحيث تكون تفاعلية

وليست جامدة تعتمد على أسلوب التلقين فقط. وقد دعمنا بعض الإصدارات بتطبيقات ذكية تجعلها أكثر تفاعلية، لكن تركيزنا الأساسي على الكتاب الورقي، لأننا نرغب في أن يبقى حاضراً بين الأيادي الصغيرة.

حيث تزاحمه هناك الكثير من الأجهزة الموصوفة بالذكاء، لكنها أكبر مسبب للغباء مع الأسف. لا أريد أن أبدو وكأنني أسير عكس التيار، لكن إن كانت هذه الأجهزة شراً لا بد منه، فعلى الأقل لنجعلها وسيلة تعليم، وليست ترفيهاً وتسطيحاً، وهذا ما نحاول أن نفعله.

بطاقة

تفضل د. فاطمة البريكي في تعريفها بنفسها، ورغم كونها أستاذة جامعية، توصيف كاتبة للأطفال وناشرة لهم. وهي حائزة على الدكتوراه في النقد العربي القديم- الجامعة الأردنية. شغلت مسؤوليات عدة، بينها: رئيس قسم اللغة العربية وآدابها- جامعة الإمارات، المدير التنفيذي للاتحاد العربي للنشر الإلكتروني. من مؤلفاتها: التربية الأخلاقية، مدخل إلى الأدب التفاعلي. كما أنها صاحبة ومدير مؤسسة سما للنشر والإنتاج والتوزيع.

«جبل حفيت».. موناليزا العين ومستودع التاريخ والجمال

لا تنحصر قيمة جبل حفيت في جانب أو جوانب محددة، فباقة وملامح تفرده لا حصر لها، وتشمل في أبعادها شتى الجوانب الجمالية والتاريخية والثقافية والأنثروبولوجية، وذلك تماماً ما تحاول الدكتورة فاطمة البريكي، في كتابها «حوت على الشاطئ..كتاب عن جبل حفيت».

الإضاءة على مجموعة منه، عارضةً وفق أسلوب وصفي وسردي أدبي، للمكانة التي يحوزها هذا الجبل الواقع جنوب شرقي مدينة العين، ومعه منطقة المبرزة، إذ يختزن، كما تقول المؤلفة، لآلئ التاريخ، وفيه تكمن قصص حضارات عديدة مهمة. ولا تنسى الكاتبة، أيضاً، أن تستعرض ما يؤديه الجبل، حالياً، بمقوماته وإطلالته، من أدوار ترفيهية.علاقة وجدانية

كثيرة هي الزوايا والجوانب الخاصة بجبل حفيت، التي يضيئها كتاب د. فاطمة البريكي، عبر نص سردي ذاتي تروي وتجسد به مشاعرها تجاه هذا الجبل الذي تربطها به، طبقاً لما تشير إليه في الكتاب، علاقة وإحساس مهمان. وهكذا نجد المؤلفة تمهد لكتابها بتوصيف وحبكة أدبية، تصور فيهما عمق العلاقة الوجدانية بين سكان مدينة العين وجبل حفيت، فهم يعلمون تضاريسه بدقة.

وكذا هو يعرفهم ويدرك كنه أمزجتهم وحكاياتهم ورغباتهم. ومعاً، يتبادلون المحبة، فلا طاقة لكل منهم على البعد، خاصة أن هذا الجبل المضمخ بعطر التاريخ ورونق الحاضر، يسكن وجدان أهل كل بيت في العين، يعانقهم ويصبح ويمسي عليهم من نوافذهم في كل يوم.

أثواب الجمال

تستحضر د. فاطمة البريكي التاريخ وقصص فحول الشعر وأقاصيص الماضي، بينما هي تنثر صفحات توصيفها لعالم هذا الجبل وحميمية ارتباطه بالمكان وأهله، فتنسج مع تلك اللمحات أثواب مروحة من الصور المشهدية الدقيقة، والمتقنة المؤثرة للجبل، في حاله وفي حضوره وتأثيره، خلال أوقات متفرقة من النهار، لترسم بذا، صورة ومعاني شموخه الذي يشبه،.

كما تقول، شموخ «ثبير»، الجبل الأسود الذي وصفه امرؤ القيس لحظة انهمار المطر عليه، فشبهه بشيخ مسن ملتف بردائه، إنه جبل حفيت الذي يبدو كأنه يحضر في كل بقعة وركن في العين، يشمخ بينما يستقبل زوار المدينة، ولا تغادر ذكراه نفوسهم بعد أن يعودوا من زياراته. «إنه البعيد القريب، لا تشعر أنك قد تتوه في مدينة أنّى التفت فيها وجدته هناك قائماً يحرسك.. يطمئنك إنه معك.. قريب منك وإن كان بعيداً».

إن جبل حفيت صديق وأنيس. على هذه الشاكلة تصوره وتصفه المؤلفة في سرديات كتابها: «فإن كنت تبحث عن صديق وفيّ مخلص، ما عليك سوى التوجه إلى جبل حفيت، فهو الصديق الوفي لكل إنسان...».

محطات وأحاسيس

وكأن الكاتبة تصحبنا مع سردياتها عن معالم وأجزاء الجبل، ومرحلة تلو الأخرى، في رحلة معينها الصور ووقع الكلمات المنتقاة بدقة. فتحدثنا عند كل محطة من محطات زيارة الجبل، من أسفل قممه وحتى أعلاها، عن جمال الشعور وأهمية الإحساس الذي يتملكنا في كل ركن منه.

وتبقى فاطمة البريكي تسرد كل ذلك، إلى أن تصل بنا حيث قمة «الحوت على الشاطئ»، كما سماه الرحالة ويلفريد ثيسجر، ولكنها تفاجئنا هنا باعتراضها على هذا الاسم، فما هو أليق وأخلق بجبل حفيت، مسمى: موناليزا العين، لأنه بحق، حسب ما توضح، ذو سحر كسحرها، وربما أكثر منها، فجماله لا تدركه وتستوعبه سوى عيون قلوبنا.

وربما أن لوقع الكلمات صدى وتأثيراً خاصين في ديباجات المؤلفة عن الجبل، فكأنها تكتب وتفيض من القلب في وصفه، وليس أدل على ذلك من قولها: «حين تكون مسروراً تشعر أن حفيت مسرور كذلك، وترى أضواءه وكأنها أسنانه التي ظهرت بانفراج شفتيه وهو يبتسم لك ومعك...».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات