الروائي السعودي منذر القباني:

الإمارات تحمل شعلة الثقافة العربية

صورة

يغوص الطبيب والأديب السعودي منذر القباني في أعماق التاريخ في رواياته، ليرسم بالحروف والكلمات ملامح عطائه الفكري والأدبي. وهو لا يكل أو يتوقف في دربه ذاك.. خصوصاً وأنه أحد أبرز الروائيين الذين أسهموا في انتشار ونجاح الرواية السعودية في الوطن العربي. ويحكي قباني في حواره و«بيان الكتب»، عن مذهبه في الأدب وتصوراته وآرائه في شأن مجموعة مسائل فكرية وثقافية في وطننا العربي، موضحاً أن الإمارات باتت بحق حامل لواء وشعلة الثقافة العربية.

رواياتك تجمع ما بين الأدب والتشويق والإثارة، بالإضافة إلى البعد التاريخي...

أنا قارئ نهم للتاريخ، وأرى انه لا يمكن فهم الحاضر بدون معرفة التاريخ، فالحاضر وليد الماضي والمستقبل هو وليد اليوم، لذلك أنا أحاول أن أبحث في التاريخ، ولكني في هذا المجال ليس فقط أقرأ كمتلقٍ بقدر ما أقرأ كباحث، لكي أفهم التاريخ وجذور مشاكل اليوم. لذلك فحضور البعد التاريخي واضح في أغلب رواياتي، أما بالنسبة للتشويق والإثارة فيعتبران تكنيكا استخدمه من أجل جذب القارئ، فالمواضيع التي أتناولها في رواياتي لو تم تناولها بشكل تقليدي نجدها جافة وصعبة وموجهه للنخبة، ولكني مع حرصي على النخبة أريد في الوقت عينه الوصول إلى القارئ العادي، لذلك وجدت ان الإثارة والتشويق طريق الوصول إليه.

التشويق الفكري

ماذا عن روايتك الصادرة أخيراً «قرين».. وكيف تصنفها؟

رواية «قرين» هي الجزء الأخير من ثلاثية «فرسان وكهنة» التي بدأت كتابتها عام 2009 وصدر الجزء الأول منها في عام 2012 وتصدرت قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في السعودية بعد الأسبوع الأول لنشرها، وقد لاحظت عند كتابتي لرواية «فرسان وكهنة» أن المقدمة طويلة، فالجزء الأول من الثلاثية يعتبر مقدمة للرواية في الواقع، وبعد استشارات عديدة قررت ان أقدمها في ثلاثة أجزاء، والثلاثية تتناول مفهوم الحقيقة بشتى أشكالها ومفاهيمها، وتتساءل هل يمكن للحقيقة أن تكون بخلاف ما يعتقده الإنسان من أفكار نشأ عليها أو اعتادها. العمل يصعب تصنيفه، وقال البعض إنه يتجاوز التصانيف المتعارف عليها في مجال الرواية، وأنا أعتبر انه ينتمي إلى التشويق الفكري، ويقدم مادة فكرية دسمة ولكن في إطار تشويقي خيالي ممتع، والثلاثية تتناول شخصية مراد قطز الذي يكتشف ذات يوم أن الواقع الذي يعيشه في الحاضر هو بخلاف ما كان يعتقد، وتتوالى الأحداث حتى يجد نفسه قد عاد ثمانية قرون إلى الوراء، في زمن الغزو المغولي للمشرق الإسلامي، ويكتشف أنه لكي يعود إلى حالته الطبيعية يجب عليه أولاً أن يفهم العالم من حوله بأحداثه وشخوصه.

استثناءات

هل ترى أن بين المبدع والقارئ فجوة.. وإذ كان ذلك فما حجمها ؟

طبعا هناك فجوة بين القارئ والمبدع المتعالي القابع فوق برجه العاجي، ولكن من خلال تجربتي هناك قراء جادون يبحثون عن أعمال تخاطب عقولهم وترضي أذواقهم، وقد أصبح القارئ اليوم لا يتحمل الأعمال التي تستعرض اللغة من دون فحوى ويريد لغة السهل الممتنع، بمعنى أنه أصبح القارئ يريد لغة خالية من التعقيد سلسة ومباشرة ويبحث عن قصة غير تقليدية تحمل أفكارا مختلفة وجديدة، ولا يزال بعض الكتاب يصرون على التعالي على القارئ. لذلك لا يجدون القبول المناسب من القراء. وهذه تعد مشكلتهم وليست مشكلة القارئ، فالرواية الجيدة ذات المضمون المتميز واللغة السلسة تستطيع أن تنافس جميع وسائل الترفيه المتاحة والمتنوعة، وتجذب القارئ، بل وتقدم له ما لا تستطيع أية وسيلة أخرى، سواء كانت ترفيهية أو فنية أو أدبية أن تقدمه.

ما الذي يميز الرواية السعودية ؟

الرواية السعودية شهدت تطورا كبيرا خاصة مع صدور رواية الأديب الراحل غازي القصيبي «شقة الحرية» في منتصف التسعينيات من القرن الفائت، وقد نالت شهرة واسعة وانتشارا كبيرا، ثم جاء بعد ذلك تركي الحمد بعدد من الروايات المتميزة. ولا شك أن الرواية السعودية اليوم تحتل مكانة مرموقة وسط ساحة الرواية العربية، وقد حاز عدد من الروائيين السعوديين مثل عبده خال ورجاء عالم الجوائز الأدبية المرموقة، كما أصبح الإقبال على الرواية السعودية كبيراً.. وتشهد مبيعات الكتب حول العالم العربي بذلك.

الأقلام الشابة

من تريده البطل في أعمالك: الفكرة أو اللغة.. ولماذا ؟

الفكرة هي البطل الأساس في أعمالي، ولكن هذا لا يعني أني لا أهتم باللغة، ولكن اللغة التي أهتم بها هي اللغة السهلة الممتعة الخالية من التكلف والابتذال، ولكن تبقى الفكرة المميزة هي التي تظهر بشكل واضح في جميع رواياتي، كونها التي شدت إلى أعمالي هذا العدد الهائل من القراء العرب من المحيط إلى الخليج.

كيف تقيم تجارب الأقلام الشابة أو «الكتاب الجدد» في منطقة الخليج العربي ؟

هناك الجيد وهناك السيئ، ولكن لا شك أن الرواية الخليجية في ازدهار بدليل حصولها على العديد من الجوائز، كما ان الإقبال الملفت من قبل القراء العرب هو على الكثير من الأعمال التي تعود لأقلام شابة تجتهد في كتابة نص جديد ومختلف، والأمر اللافت في ذلك أننا بدأنا نشهد أصنافا مختلفة من الرواية بخلاف الرواية الواقعية التي ظلت مهيمنة على الأدب العربي لعقود طويلة، فأصبحت هناك الرواية البوليسية والتشويقية وروايات الرعب والخيال العلمي، وغيرها من الأصناف. وهذا التنوع يخدم الرواية العربية بشكل عام.

صحيح أنه ليس كل هذه الروايات جيدة وفي المستوى المرضي، ولكن مع الوقت فإن الجيد سيفرض نفسه والسيئ سيتحسن أو يختفي.

أهمية

ما الذي يميز الرواية الإماراتية في رأيك ؟

لا تزال الرواية الإماراتية في بداياتها إذا ما قارناها بغيرها من الروايات الخليجية خاصة السعودية والكويتية، لكن ما تشهده الساحة الإماراتية من اهتمام ملحوظ بالثقافة والأدب يجعلني أتفاءل، فاليوم أصبحت دولة الإمارات تحمل شعلة الثقافة ليس فقط على مستوى دول الخليج العربي، ولكن على مستوى العالم العربي، وأهم الجوائز الأدبية أصبحت تمنحها الإمارات بلا منازع، كما ان مهرجاناتها الأدبية والثقافية، ومعارضها في مجال الكتب أصبحت من علامات المشهد الثقافي العربي، كل ذلك أصبح يشكل عوامل محفزة في مجال إبداع وازدهار الرواية الإماراتية في المستقبل القريب.

«قرين».. تاريخ الشرق وبلواه في قميص روائي

تمثل رواية «قرين» للكاتب السعودي منذر قباني، الجزء الأخير من ثلاثية «فرسان وكهنة»، إذ يأخذنا معها الكاتب في عوالم السرد والخيال.. لنتتبع مسيرة مراد قطز في الماضي بعد انتهاء الموجة الأولى من الهجوم المغولي على المشرق الإسلامي، وما تلا ذلك من أحداث تأخذه إلى منطقة أذربيجان وقلعة ألموت معقل الحشاشين الشهير، ومن ثم إلى بغداد حتى يصل إلى مصر. أما في الزمن الحاضر، وفي هذه الرواية الأخيرة، فتستمر مسيرة محاولة فهم من هو مراد قطز وما سر وجوده وأعماله في تلك الفترة المنقضية.. وكذا علاقته بشخصية عبد الرحمن الغامضة.

العلم والمعرفة

افتتح الكاتب صفحات الجزء الأخير من الثلاثية، رواية «قرين»: كل معرفة تستوجب العلم، وليس كل علم قد يقود إلى المعرفة، ويستمتع القارئ بتوظيف الأحداث التاريخية في إطار روائي مشوق وبأسلوب متقن، حيث يقول الكاتب في أحد فصول الرواية: تعمد عز الدين أيبك أن يظهر في موكب لم يشهد له مثيل في أثناء مروره بدمشق، وهو في طريق عودته من بغداد إلى مصر بعد رحلة موفقة من أجل زيادة عدد فرسانه من المماليك ليضاهي به أقطاي ومماليكه البحرية، وأراد أن يظهر أمام الجميع، من دمشق وحتى مصر، أنه أمير الجيوش الأقوى في النواحي، وأن لا أحد يفوقه مكانة بعد السلطان.

الموكب السلطاني

تعد «قرين» خاتمة متقنة لثلاثية «فرسان وكهنة» وهي رواية لا تخلو من الفنتازيا التاريخية، متضمنة أحداثا تتقاطع بانسيابية مثيرة ولغة رشيقة مكثفة وإمتاع وتشويق لم يغب عن الرواية، ففي أحد فصول الرواية يقول الكاتب: دخل الموكب السلطاني بأوج عظمته عبر بوابة المنصورة محاطا بمماليك الصالحة الذين قدموا من القاهرة تحت إمرة عز الدين أيبك، ليصطحبوا في هذا اليوم العظيم من تم تتويجه سلطاناً جديداً للبلاد.. توران شاه بن الصالح نجم الدين أيوب، اصطف جميع الأهالي حول الشوارع التي يسير من خلالها الموكب إلى القصر ليشاهدوا سلطانهم الجديد الذي جاء.. معتلياً فرسه الأشهب.

السير على الماء

وعلى الغلاف الأخير للرواية قال الطبيب والروائي السعودي: تداخلت علي الأزمنة: زمني وزمن مراد الآخر.. قريني الذي أصبح عدوي وخدعني أكثر من مرة لقد كنت كمن يسير في عربة يجرها حصان بلا قائد، فتأخذه إلى حيث لا يعلم، ولكن دوام الحال من المحال، ولقد أدركت بعد أن تجسدت ما لم أدركه حينها. العلم ! المعرفة! القدرة ! الاستطاعة!. ويضيف: أصبحت عبر السنين التي مضت ما رأيتني عليه الآن، ما تحسبها أنت وغيرك معجزات، هي بالنسبة إلي مجرد ممكنات! أستطيع تحويل الفحم إلى ألماس! السير على الماء! اختراق الحصون والجدران! معرفة خوارزمية سير الأحداث عبر فروعها من مسارات الحياة! المستحيل أصبح كلمة لا مكان لها في قاموسي.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات