نيل غيمن : التشويق أساس جاذبية الرواية التاريخية

صورة

لا يخفي الكاتب الإنجليزي، نيل غيمن، شدة افتنانه بالأساطير الإسكندنافية، وهو افتنان رافقه على امتداد مسيرته الإبداعية، ويتميز هذا الكاتب بإنتاجه الخصب، في تأليف: كتب الأطفال، مجموعات القصص القصيرة، الروايات، أو حتى كتب القصص المصورة.. وكان قارئاً نهماً لها في طفولته قبل أن يبدأ بتأليفها تحت اسم «ساندمان»، صانعاً شهرته معها ككاتب.

ويعكف غيمن في كتابه الجديد بعنوان «الأساطير الإسكندنافية»، على إعادة سرد تلك الحكايات الكلاسيكية المستقاة من أساطير الإسكندنافيين، مستعرضاً أبطالها الأسطوريين، مثل «ثور» و«أودين» و«لوكي»، ومستمداً إلهامه من نصوص تعود إلى القرن الثالث عشر.

وتحديداً قصائد «إيدا النثرية» و«إيدا الشاعرية»، التي قرأها للمرة الأولى عندما كان في الثلاثينات من عمره، بعد أن نهل قبل ذلك، من قصص الأبطال الخارقين في القصص المصورة «مارفيل»، أثناء نشوئه في غرب «ساسكس».

عدد من روايات غيمن نال شهرة واسعة وحول إلى برامج على الشاشة الصغيرة، وقد عطلته تلك المشاريع الجانبية، حسبما أوضح لصحيفة «غارديان» البريطانية، في حوار معه، حيث استغرق تأليف كتابه الجديد ثماني سنوات، وهو، كما في كل مرة يحاول فيها إعادة سرد شيء من تلك الأساطير، يصطدم بغياب الكثير من المعلومات عن الشخصيات التي تكتنفها، كما في رائعته الحائزة على جوائز كثيرة: «أميركان غودز».

يقول غيمن: «هناك معلومات كثيرة عن اليونانيين والرومان، على سبيل المثال، لكن الإسكندنافيين كانوا يسردون أساطيرهم شفهياً، ولهذا فإن ما كان متوافراً من معلومات عنها بين أيدينا، جرت كتابته بعد فترة طويلة من الواقعة».

غيمن في النص

لكن هذه النواقص والتناقضات في التقليد الشفهي قدمت له، من جهة أخرى، مجالات للإبداع، كما يقول، رغم شعوره بمسؤولية قصوى في أن يكون مخلصاً للنسخة التقليدية. ويوضح ذلك فيقول: «تقع عيناك على أسطورة ما، فتقول في دواخل نفسك: لا أستطيع معرفة ما هو المقصود مما يقال.. لا بد أن أتعامل بأمانة مع العلماء القدامى الإسكندنافيين.

كذلك لا بد من أن أكون صادقاً مع الأطفال الذين سيتناولون الكتاب ويقرؤون ما بداخله، ظناً منهم أنهم باتوا يعرفون قصصاً عن تلك الميثولوجيا. وهو يجيز لنفسه القيام بالأمور التالية:»يمكن أن أضفي بعض الألوان والتشويق، بل أذهب أبعد من ذلك وأضع حواري الخاص،.

وربما استخلص استنتاجات، إذ يجوز لي القيام بكل هذه الأشياء«. لكنه يضيف:»مع ذلك، أشعر كما لو أنه لا يجوز لي أن أصل إلى النقطة، حيث تكون هناك رقعة من القماش مفقودة في مكان ما، فأقوم برسم شيء بداخلها...«.

أوجه شبه

حماس غيمن في خصوص الكتابة في هذه المجالات يمتد إلى أساطير المصريين والإغريق، حيث بإمكانه الإشارة بسرعة إلى أوجه الشبه بين القصص القديمة، مؤكداً أنه لا يسرد القصص فحسب، بل يشعر بها عاطفياً أيضاً. وفي السنوات الأخيرة، قسم وقته بين الإقامة في بريطانيا وأميركا، وهو لا يريد أن يصبح مواطناً أميركياً.. ويقول:»أحب أن أكون إنجليزياً بريطانياً، وحتى عندما أشعر بالخجل من ذلك، أكون مفتوناً بأعمالي«.

لكنه يشعر بالقلق الحقيقي من الأوضاع السياسية، ويقول إنه يزمع التعليق على ذلك. متابعوه على موقع»تويتر«يصل عددهم إلى 2.5 مليون شخص عدا الملايين الذين يقرؤون كتبه ومدونته ويراقبون برامجه التلفزيونية، وكان أعلن نيته استخدام هذه المنصة لتسليط الضوء على معاناة اللاجئين، ومضاعفة نشاطه لتعزيز حرية التعبير.

لعبة الفناء

وفي سياق تعليقه على الأوضاع الراهنة، تحدث أيضاً عن»راجناروك«، تلك المعركة التي تؤدي إلى النهاية المروعة للأسياد الاسكندنافيين وفناء معظمهم، يقول:»يبدأ الأمر بشتاء طويل، ويستمر مع زلازل وفيضانات، ومن ثم تنشق السماء«. وهو يذكر الفوضى والشعور بالموت والدمار الوشيك في»الثمانينات من القرن الفائت..

والساعة النووية والحرب الباردة وروسيا وأميركا«. وفيما يتحدث»راجناروك«في كتابه عن»نهاية «شيء ما،»لكن يتحدث أيضاً عما سيأتي بعد النهاية«، إذ ستشرق الشمس ويبرق شيء ما في العشب، ويجد أبناء الأسياد قطع شطرنج ذهبية تنتظرهم، فيقومون بتنظيمها على اللوح، ثم يحرك أحدهم حجر الشطرنج، فتبدأ اللعبة من جديد».

«الأساطير الاسكندنافية» عوالم مجهولة وشخصيات تلامس الواقع

يستقي نيل غيمن في كتابه الجديد من أساطير الشمال الإسكندنافي، ويبقى مخلصا لها في تصويره للأسياد الكبار: أودين ـ الشخصية الحكيمة والجريئة والماكرة، ثور ـ ابنه القوي، لوكي ـ الأخ الشقيق لأودين.. المخادع بقلبه المظلم. وكلها شخصيات تعرفنا عليها في سلسلة أفلام «ثور»، وفقا لنسخة القصص المصورة «مارفيل».

سقوط الأسياد

غيمن الذي قرأ الكثير عن الأساطير الإسكندنافية وجد نفسه مذهولاً برؤية «اسغارد» التي لم تكن لها علاقة بأي شيء من قبيل الخيال العلمي لمارفيل، بل كانت أكواخاً يحيط بها جدار، أما ثور بلحيته الحمراء فكان معكر المزاج مفتول العضلات يجول الفضاء بعربة تجرها ماعز وليس بالضرورة ضارب المطرقة الألمعي، وهو يصوره في القصة كشخص بهيمي مفعم بالحيوية طيب القلب، بعيد كل البعد عن بطل «مارفيل» النبيل الخلاب بغرته الشقراء.

فبالنسبة للكاتب، يكمن محور القصص في شخصية لوكي، الوسيم الداهية الذي يجلب سقوط الأسياد عبر أحداث مروعة كراجناروك.

وبترجمة إنسانية لهذه الشخصيات، يعمد غيمن إلى تحويل قصص إسكندنافيا البدائية إلى نوع من رواية تبدأ مع نشأة العوالم التسع في الميثولوجيا الإسكندنافية، وتتعمق في مآثر الأسياد والأقزام والعمالقة، وتنتهي بدمار العالم بالجليد والنار والظلام «راجناروك»، فيفنى الأسياد، قبل أن يعود الأمل مع بداية جديدة على انقاض الشخصيات القديمة.

30

وكانت هذه الشخصيات البدائية تنسج طريقها عبر قصص الكاتب المصورة على مدى 30 عاماً، وهو يضيف في كتابه الجديد معلومات عنها، وكثيرا ما يستخدم الدعابة، كما فعل عند تصويره ثور بلحيته الكبيرة متخفيا في ثوب امرأة، بهدف استرداد مطرقته، التي ما أن يحصل عليها حتى يلحق بالمكان الدمار.

تقول صحيفة «فايننشال تايمز» إن غيمن يعامل أسياد الشمال كما يفعل شعراء الملاحم القدامى: فهم كائنات خالدة مع نواقص بشرية«، وهو يؤكد أن ما يجذبه إلى الميثولوجيا الإسكندنافية، عدا نظرتها المظلمة للعالم، واقع أن أبطالها تشوبهم العيوب، وهذا برأيه يجعلها صالحة لكل الأزمنة.

وهو يبرز بمهارته في النثر أبطالها بطبيعتهم التنافسية، وقابليتهم للانخداع والخداع، وعاطفتهم التي تلهب أفعالهم، فيعيد الحياة إليها، وأحياناً بطريقة تعيدنا إلى الحاضر. فمن بين الحكايات الـ15 الموجودة في كتابه، هناك حكاية»سيد البناءين«، حيث نقرأ أن أسياد الشمال وفيما هم يتناقشون قلقين على»اسغارد«أمام الغزوات، يقترح أودين الأقوى بينهم بناء»جدار«حولهم.

صقل وتوليف

يقول غيمن إن جل ما يفعله بالحكايات هو صقلها وإعادة نشرها في العالم، مع تضمينها عواطف ودوافع وحوارات لاذعة، فهدفه في نهاية المطاف يكمن في سرد قصة قديمة تحظى بالنجاح. وفي سبيل ذلك، يعكف على جعل الحوار معاصراً، وعلى تضمين الكتاب ألغازاً لا يكشف عنها، ما يمنح الكتابة سحراً، كما حدث عندما همس أودين بكلمات غامضة في أذن بالدر وهو جثة هامدة.

ويقول غيمن إن»راجناروك«، هي المعركة المصيرية التي جمعت كل هذه القصص في ذهنه، لأنها حولت كل شيء إلى مأساة، مما أضفى على الكتاب بعدا عميقا، إذ إن معظم سيناريوهات»ارماجدون«، تنطوي على الكثير من القتال، لكن لا تفيد أي واحدة منها في»أن الأسياد سيموتون، وسيعود للناس تصور ما سيقومون به من تلقاء أنفسهم«. لكن في الشمال القارص، فإن أودين يُقتل على يد أحد المحاربين الذئاب، وثور على يد ثعبان»ميدغارد«، عدا عن القتال بين»هايمدال«و»لوكي«.

1960

نيل غيمن، المولود عام 1960، مؤلف انجليزي للقصص القصيرة والروايات والقصص المصورة والروايات الغرافيكية. من أشهر أعماله: قصص مصورة»ساندمان«، وهو مؤلف روايات وقصص للأطفال والراشدين، من أبرزها:»غبار النجم«،»الآلهة الأميركية«،»كورالين«.

المؤلف فاز بجوائز عدة، بما في ذلك:»هوغو«و»نيبولا«و»برام ستوكر».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات