مذكراته الشخصية تطل بعد أقل من عام على صدور كتاب عنه

لوكاريه: تشويه صورة الإسلام «حرب باردة» جديدة

بعد أقل من سنة على صدور سيرة شخصية له من تأليف آدم سيسمان في كتاب من672 صفحة، نشر الروائي البريطاني المشهور جون لوكاريه (واسمه الحقيقي ديفيد كورنويل) مذكراته الشخصية التي ألفها بنفسه، تحت عنوان «نفق الحمامة: قصص من حياتي».

ويعرف عن الروائي لوكاريه أن رواياته رسمت، على مدى خمسين عاماً ونيفاً، ملامح عصر الحرب الباردة من خلال مجموعة من روايات الجاسوسية، وكان بين الروائيين التي تحولت رواياتهم إلى الشاشتين الصغيرة والكبيرة، فضلاً عن أثير الإذاعة.

مذكرات «نفق الحمامة» تُشكّل أول عمل للوكاريه لا يندرج ضمن جنس الرواية، وهي تسرد قصة حياته المهنية المثيرة في رحلة تأخذنا إلى عوالم الرجال والنساء الذين ألهموا رواياته، وترسم ملامح انخراطه الشخصي في أحداث أواخر نصف القرن الماضي.

كانت قد صدرت له قبلها رواية «الحقيقة الحرجة» عام 2013، وقد علق روائي الجاسوسية في مقابلة نادرة مع «هيئة الإذاعة البريطانية» بأن دافعه لتأليفها يعود في جانب منه إلى مشاعر «الغضب والإحباط وعدم الصبر» عما كان يجري في بريطانيا، منتقداً «فجوة المصداقية» بين التصريحات التي يطلقها من هم في السلطة.

وبما يعتقد به الناس البسطاء، واصفاً كيف انتشرت عملية «تشويه الإسلام» لتحل محل مخاوف الحرب الباردة التي شكلت محور أعماله السابقة.

لست مناهضاً لشيء

كانت «الحقيقة الحرجة» روايته الـ23، وتناولت عملية لمكافحة الإرهاب في جبل طارق. وبعد صدور تلك الرواية، وجهت إليه اتهامات في الولايات المتحدة بأنه اصبح يتحلى بموقف مناهض لأميركا، وقد رد على ذلك بالقول: «أنا لست مناهضاً لأي شيء. أنا أحاول فقط أن أحلل نفسيتنا الجماعية التي تتسم بالإرباك الشديد في الوقت الراهن»، مضيفاً: «القرع على طبول التاتشرية، وهذا الموقف لبريطانيا بأنها نوع من جهة فاعلة عظمى في المشهد السياسي ولعبة الأمم، هذه الأشياء تثير إحباطي وإزعاجي».

وكان لوكاريه في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، مسؤولا في وزارة الخارجية البريطانية، كما أنه عمل جاسوساً بريطانياً لفترة من الزمن، قبل أن يصعد إلى الصدارة الدولية في عام 1963 بروايته «الجاسوس العائد من العزلة» عن الحرب الباردة، وأخذ يؤلف بعد ذلك سلسلة من الكتب ساهمت في تشكيل جنس أدبي قوامه روايات الإثارة الجاسوسية.

التاريخ منقذه

وصف بعض النقاد سقوط جدار برلين وانهيار الشيوعية السوفييتية بأنهما يشكلان سقوط «خصمه اللدود»، وأنه بسقوطهما زال المضمون الذي كان أبطال رواياته بعيوبهم الأخلاقية ينشطون. لكن لوكاريه يعتقد أن التاريخ كان «منقذه» دوما، فالمؤامرات السياسية التي تحيط «بالحرب على الإرهاب» وفرت له خلفية جديدة لقصصه في مجال الإثارة.

وقال في الصدد: «سئمت من الكتابة عن الحرب الباردة، وأعتقد أن هذه الحرب قد انتهت منذ أمد بعيد من سقوط جدار برلين». وشرع في الكتابة عما نشاهده من تحولات اليوم، والتي هي حسب قوله: «عملية تشويه لصورة الإسلام».

يأبى إدراج مؤلفاته في اطار الجوائز الأدبية، بل وطالب بسحب اسمه من اللائحة القصيرة لجائزة مان بوكر الدولية عام 2011. ولا تنقصه الشهرة، فمؤلفاته تعتبر الأكثر مبيعا، وترجمت إلى عشرات اللغات، وجرى تحويل 12 منها إلى مسلسلات تلفزيونية وأفلام ونصوص إذاعية.

وهو يرجع نجاحه المستمر إلى تشكيك الجمهور بالسلطة ورواية القصص قديمة الطراز، قائلا: «اعتقد بشكل متزايد، على الرغم مما يقال لنا بأن عالمنا هو عالم من التواصل الأكثر انفتاحا، بأن هناك تهميشا رهيبا للإنسان العادي بين ما يجري إعلامه به وبين ما يعتقد به في السر، وأعتقد أن الأمر يرتبط بالعلاقة مع القارئ».

يعرب لوكاريه عن رغبته في التمثل بالروائي فورد مادوكس فورد، الذي كانت المجلات التي يصدرها أدوات هامة في تطوير الأدب الإنجليزي للقرن العشرين، ويعبر عن ذلك: «أرغب في التحدث إلى شخص عبر النيران، وأريده أن ينخرط معي ويستمع إلي، وإذا كان غير منصت تماما فاعلم بذلك أنني لا أقوم بوظيفتي جيدا. فأنا راو واعلم أن معظم الناس يحبون الروايات».

في الفوارق البسيطة

وبعد أن بلغ الثمانين، نبه عائلته إلى ضرورة التكلم معه بصراحة في حال فقدان كتاباته بريقها، لكن لا نية لديه للتوقف عن الكتابة، وصرح ان عمله الأخير يشكل نقطة انطلاق لروايته المخطط لها الـ 24، مضيفا: «كان يتعين علي تأليف هذا الكتاب للوصول إلى الكتاب التالي. والآن وقد انتهيت منه، بات بإمكاني الانتقال.

ويمكنني حاليا القيام به بشكل أفضل». بالنسبة له، لم يكن الأمر عبارة عن «عودة إلى الشكل»، بل انه أتقن عمله في هذه المادة، فهو حسب قوله وقع في غرام شخصيات كتابه، وفي العادة يشكل هذا الأمر اختبار النجاح بالنسبة له«.

لكنه نشر مذكراته»نفق الحمامة«قبل إصدار أي رواية جديدة، وفعل ذلك في اقل من عام عن صدور سيرة ذاتية عنه مطابقة نسبياً، لكنه يبرر ذلك بالقول:»الحقيقة الفعلية تقع، إن كانت تقع في مكان ما، ليس في الوقائع، وإنما في الفوارق البسيطة«.

«نفق الحمامة» نافذة مشرعة على أدب الإثارة الجاسوسية

تُشكّل مذكرات لوكاريه «نفق الحمامة»، مرجعاً مهماً للباحثين في إسهاماته الأدبية في القرنين الـ 20 و21، ولكل من يرغب بقراءة الأحداث المذهلة التي طبعت جوانب متنوعة من حياته ومهنته، ذلك أن مجموعة الأعمال التي تقوم عليها مذاكرته أوجدت عالماً يتحدث عن عصره، فضلا عن توفيرها تسلية من طراز عالمي.

لغز أدبي

وكان جون لوكاريه (اسمه ديفيد كورنويل) لغزاً أدبياً محاطاً بنوع من الغموض يناسب الجنس الأدبي الذي يكتبه، الإثارة الجاسوسية، لكن هذه الأيام قد ولت، وفي مذكراته الصادرة أخيرا يقف تحت الأضواء الساطعة. ربما لم يعد مدانا لجهاز»إم 15«على مؤامرات عالم الجاسوسية السري، وكان قد عمل جاسوسا بريطانيا.

لكن»نفق الحمامة«لا تشكل اعترافات شخصية، على الرغم من أنه يستهلها بتأكيد أنه لم يعمل على تزوير أي من الأحداث أو القصص.

حيث يقول:»حجبتها عندما كان هذا ضروريا، أما تزويرها فلم يحدث قطعاً«ً. لكن هناك وفقا لصحيفة»غارديان«، الكثير من الأمور المثيرة لا يجري ذكرها (كالتجسس وصداقته مع جيمس كيناواي)، غير أن لوكاريه كان لديه الكثير ليقوله عن كيم فيلبي، وصناعة الأفلام والزملاء الأشباح والمنشقين الروس.. ولقاءاته مع كبار الشخصيات، وأسفاره الجسورة لإجراء بحوث من أجل رواياته.

والد وحياة زئبقية

في الفصل الذي يحكي عن والده، روني كورنويل، المليونير المحتال، المفلس، نزيل السجون، يخفف لو كاريه تخيلاته الصارخة عن هذا الأب الذي شكل إلهاما لكتابه»الجاسوس المثالي«، محللاً الواقع بصدق تام.

»يقال لنا إن الإنجليز موصوفون بلسانهم، وفي تلك الأيام أن تكون متحدثاً لبقاً قد يكسبك سلطة، اعتمادا بنكيا، معاملة محترمة من رجال الشرطة ووظيفة في مدينة لندن. إنها من مفارقات الحياة الزئبقية لروني، انه من خلال تحقيق طموحه في إرسال أخي وأنا إلى مدارس الأثرياء، وضع نفسه اجتماعيا في مرتبة ادنى منا بالمعايير الصارمة لذلك العصر«.

لكن الروائي يقر أيضا في لحظة من الصراحة بمدى»انحراف«والده، وكم كان عنيفا تجاهه وتجاه والدته. والأكثر روعة هو تناوله لتأثير والدته أوليف. فيخبرنا بأنه لم يشعر أبدا»بأي عاطفة في الطفولة«، ويعترف ان»الطفل المتجمد«داخله لم يظهر»أدنى إشارة إلى الذوبان«إلى أن توفيت»الأم التي لا رائحة لها«.

وكان الفراغ الذي خلفه هجر والدته لهم في منتصف الليل عندما كان في الخامسة من عمره، والإرباك الناجم من حياته مع والده، هو ما جعل كورنويل ماهرا في إخفاء آثاره وتأليف قصص كنوع من العزاء، فالأشخاص الذين كانت طفولتهم تعيسة يتعلمون إعادة ابتكار انفسهم، حسب قوله.

ومن هذه الصور المسكونة ربما يمكن إيجاد تفسيرات لعنوانه»نفق الحمامة«، فهو يتحدث في مقدمة المذكرات كيف كان يجري حجز الحمام في أنفاق في مونتي كارلو ليجري اصطياده لاحقا من قبل الصيادين، وكيف كانت البقية التي تنجو من الرصاص في المرة الأولى، تعود مجددا إلى الأنفاق لتقع في الفخ.

مراحل ومسرح

أما اكثر الأجزاء النابضة بالحيوية في خليط المذكرات، فهي لقاءاته الغريبة مع مارغريت تاتشر وياسر عرفات.. وغيرهما من القادة. ومن قصة إلى أخرى، يتحول لوكاريه إلى كورنويل، وقد طور صيغة جديدة لمسار أبحاثه:»أولا يأتي التخيل، ثم البحث عن الحقيقة. ثم العودة إلى التخيل ومن ثم إلى طبقة الكتابة«، وكل هذا يضيف»لتشكيل مسرح للعوالم الأوسع التي نعيش فيها«.

لكن لماذا نشر مذكراته بعد أقل من عام من إصدار سيرة ذاتية عنه، يجيب لوكاريه في مقدمة الكتاب:»الحقيقة الفعلية تقع، إن كانت تقع في مكان ما، ليس في الوقائع، وإنما في الفوارق البسيطة«.

ويشدد بالقول:»توفر المذكرات التي نشرت حديثا عن حياتي نسخا موجزة عن واحدة أو اثنتين من القصص، بالتالي يسرني استعادتها كونها لي، وأن أقولها بصوتي واصفا اياها بأفضل ما استطيع بمشاعري«.

لقاء عرفات

على سبيل المثال، يعيد المؤلف-الجاسوس، كتابة ما حصل خلال لقائه مع عرفات أثناء تأليفه»الفتاة الصغيرة قارعة الطبل«الصادرة عام 1983، ويقول لوكاريه واصفا اللقاء:

يصرخ عرفات:»السيد ديفيد، لماذا أتيت لرؤيتي؟ «.

أجيبه بالنغمة العالية نفسها:»السيد الرئيس، جئت لأضع يدي على قلب الفلسطيني واسمع الحقيقة منه!«.

هل كنا نتدرب على النطق بهذه الأشياء؟ إذ كان قد شرع في توجيه يدي اليمنى إلى الصدر الأيسر لقميصه الكاكي. وكان للقميص المكوي بإتقان، جيب بزر.

ويصرخ عرفات بحرارة:»سيد ديفيد، إنه هنا! انه هنا! مكرراً كلامه لصالح جمهورنا«.

وفي المقابل، هناك صيغة كاتب سيرته الذاتية آدم سيسمان:

سأل عرفات واضعا يده على كتف ديفيد، فيما كان يفحص عينيه مثل طبيب يشعر بالقلق:»السيد جون لماذا أتيت إلى هنا؟«.

قال ديفيد:»السيد الرئيس، أتيت لأضع يدي على قلب الفلسطيني، واسمع الحقيقة منه«.

قبض عرفات على يد ديفيد ووضعها على صدره. وكانت اليد ناعمة الملمس مثل يد فتاة، وقال:»السيد جون إنه هنا! إنه هنا!«.

الفارق البسيط قد يكون مخاطبته بـ»السيد ديفيد«بدلا من»مستر جون«، أو ربما هناك فروقات أخرى.

1931

ولد الروائي البريطاني جون لوكاريه، واسمه جون مور كورنويل، في عام 1931 في دورست بإنجلترا. عمل في الخمسينيات والستينيات من القرن الـ20، مع جهاز المخابرات البريطاني.

حيث بدأ كتابة الروايات باسمه المستعار، وروايته الثالثة»الجاسوس العائد من العزلة«(1963) تبقى واحدة من أعماله الأكثر شهرة. درس لغات أجنبية في جامعة برن بسويسرا، وتخرج من جامعة أكسفورد عام 1956 برتبة شرف في البكالوريوس في الآداب.

أنجز 23 رواية بين 1961 و2013، إلى جانب 4 كتب غير خيالية، وأربع مجموعات قصص قصيرة، ونصوص مسرحية. وحول العديد منها إلى أفلام ومسلسلات تلفزيونية وبرامج إذاعية.

في عام 2008، وضعته صحيفة تايمز في المرتبة 22 بين أفضل 50 كاتباً بريطانياً منذ عام 1945.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات