علي الشعالي: الشعر فن عزيز

صورة

أحد الأسماء الشعرية الإماراتية التي فرضت نفسها على الساحة الإبداعية، درس الهندسة وانتقل منها إلى كتابة الشعر، وأهم ما يميز تجربته كم ومستوى الثراء المفعم بروح التراث وتجليات الحداثة. إنه الشاعر علي الشعالي، الذي يجمع ما بين القصيدتين الكلاسيكية والتفعيلية، وتتمتع الأخيرة لديه بخصوصية نسيجها، صورة ولغة ورؤية. وهو لم يكتفِ بكتابة الشعر فقط، بل طرق باب النشر والتوزيع، من خلال إنشاء دار نشر أسسها في دولة الإمارات، كما تولى العديد من المناصب.

الشعالي يشدد في حواره مع «بيان الكتب»، على أن الشعر فن ذو سمات خاصة فريدة، وهو فن لا يمنح نفسه إلا لمن هم شغوفون به ويعون مكامن الجمال وقيمة المعاني.

يرى بعض النقاد أنك تكتب الشعر من منظور ومنطلق «الهندسة»: مجال تخصصك العلمي. كيف بدأت العلاقة والصلة لديك ما بين الشعر والهندسة؟

يحلو لبعض النقاد والقراء المحبين إطلاق تسميات وأوصاف لأسلوب شعري أو لشاعر، ولا بأس بذلك، لكنني أظن أني غير قادر على استنتاج العلاقة التي أتت بهذا التركيب الفريد. وتحريًا للصدق أقول إنني حسبته بادئ الأمر ضربًا من الزخرفة اللفظية. لكن، على كل حال، أرجو أن يكون في نصوصي ما يلهم القارئ ويخاطب دواخله ويجعله في لحظة ما يغمض عينيه أو يحدق في الفضاء التحاما بروحه العاشقة للجمال.

خفوت موسيقيّ

متى تجد التجريب جائزا في الشعر، لا سيما أنك تجمع بين شعر التفعيلة والعمودي كثيرا؟ وهل تجرب كتابة قصيدة النثر؟

التجريب جائز وأكثر، أقصد أن التجريب يكاد أن يكون واجبا على المبدع؛ حيث لا يقبل التقوقع أو الانزواء أو إنْ صح التعبير «التقولب». من ناحية أخرى، فأنا أقرأ قصيدة النثر وأتفاعل معها وأجد كثيرا من نصوصها من الكثافة واللذة بمكان، وسيلاحظ المطّلع على تجربتي خفوت الموسيقى في النصوص الأحدث، ولعلها بشارة بخلق جديد.

وأود الإشارة هنا، إلى مسالة وقضية جوهرية في صميم العملية الإبداعية، تتمثل في أن التجديد وتفجير معان جديدة مسؤولية المبدع دوماً.

كيف ترى حضور الشعر في ساحة الاهتمامات الأدبية في العالم العربي؟

الشعر كما يصفه الكثير من النقاد منذ القديم في الشرق والغرب، هو فن الأقلية الهائلة، لا أقول بنخبوية الشعر وانحساره في دوائر ضيقة، ولا أقول إنه غير متاح للعامة؛ لكنه لأسباب عديدة يبقى عزيزا لا يمنح جماله إلا لمن يريده بشغف، ما ينصفه على صعيد الأرقام، وأتكلم هنا عن النصوص المتفردة في كينونتها؛ إنه خالد وتقرؤه أجيال بعد أخرى، والأمثلة على ذلك أوضح من أن تذكر.

دعم

جلي ومهم مدى دعم دولة الإمارات المبدعين في شتى الساحات. فما حصة الشعر من هذا الدعم؟

وجّه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بتسمية 2016 عام القراءة، ضمن إطار مبادرة متكاملة في هذا الشأن «عام القراءة»، وجاءت هذه المبادرة متسقة مع جهود الدولة في رفد المعرفة والمجالات المجاورة لها. والشعر، كما هو معلوم، أصيلٌ في ثقافتنا وذائقتنا الفنية، وقد استفاد كغيره من الأجناس الأدبية من الطفرة التي تشهدها الدولة في مضامير النشر والتأليف.

يرى البعض أن الجوائز الممنوحة للشعر أقل من الأخرى الممنوحة لأشكال أدبية أخرى، مثل الرواية. كيف تجد هذا الأمر؟.. وكيف يؤثر على إنتاج الشعراء؟

من كان يكتب للجوائز فحريٌّ به أن ينشغل بأمور أخرى غير الإبداع؛ لعله يحقق ما يصبو له، كما ان هذا القول بحاجة إلى تمحيص وتصحيح، ففي الإمارات جائزتان سخيتان للشعر العربي الفصيح والنبطي، وفي قطر جائزة البردة بقيمة كبيرة. لكن، أكرر بأن هذا لا يهم؛ فالكتابة الحقيقية والصافية تحصل دون الالتفات إلى هذه الجوانب.

تجربة أخرى

تمتلك دار «الهدهد» للنشر وتتعامل انطلاقاً من كونك ناشرا، وليس مبدعا. كيف أثرت هذه التجربة على مشوارك الإبداعي؟ وهل تعطي مساحة أكبر للشعر في منشورات الدار؟

أستطيع القول إن هذه التجربة أضافت إليّ الكثير على المستويات الإدارية واللغوية والإبداعية أيضا، فمراجعة نصوص أدبية متنوعة بشكل يومي، عملية تثري الذاكرة وتنشئ زخما فكريا ولغويا، ورغم أن دار الهدهد تعتني في المجمل بإنتاج كتب للناشئة والفتيان والأطفال؛ إلا أننا نتلقى الأجناس الأدبية والعلمية كافة، للتقييم والمراجعة.

واتخذتُ قرارًا منذ إنشاء الدار عام 2011 بأن لا يؤثر تعلقي بهذا الفن الأدبي، الفائق الجمال والروعة، على قرارات النشر والخطة الاستراتيجية للدار، وباستثناء بعض العناوين التي لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، استطعنا أن نلتزم بالأهداف والخطط التي جرى الاتفاق عليها مع فريق الدار وأصحاب الخبرة في المجال، كما نولي اهتماما لمتطلبات السوق.

اللغة واللحظة الانفعالية

تكتبُ باللغة العربية الفصحى، كما في ديواني «وجوه وأخرى متعبة» و«للأرض روح واحدة». هل يمكن أن تلجأ يوما إلى العامية الإماراتية في كتاباتك؟

أكتبُ بالفصحى لأنها تجتاز الحدود وتصل إلى الأقطار العربية كافة، ولا أجد غضاضة في قراءة النصوص الشعرية باللهجة الإماراتية والخليجية؛ فلها ذوق خاص ونكهة بديعة من عبق العروبة والبداوة وسحر التاريخ الملون بالبحر والشمس ورمال الصحراء.

حضور المرأة

هل ساحة الشعر لا تتمتع بحضور كبير للمرأة في العالم العربي. وأين هي مكانة الشاعرة العربية والإماراتية برأيك؟

بداية، عندما أتعاطى مع الأدب أفضّل ترك التقسيمات الإدارية والديموغرافية وما عداها مما لا شأن له بعلاقتي بالنص. وفي كل الأحوال، مثل هذه الظواهر، إن صحّ وجودها فهي قابلة للتحليل فقط، أقصد أن الميول الإبداعية -إنتاجًا وتلقيًا- يصعب العبث فيها بأصابع التوجيه أو التوعية؛ فلسنا أمام فعل صائب أو خاطئ لنقول افعل ولا تفعل. من جانب آخر، أرى أن الشاعرة العربية حاضرة بامتياز وأنها تقف على شرفة عالية.

كيف ترى المشهد الأدبي في الإمارات حالياً؟

شهادتي في وطني الحبيب مجروحة، ولو قلتُ لأكثرت في حبه؛ إلا أنني أستطيع أن أصف المشهد الأدبي، رغم ازدهاره الواضح، بميله الواضح إلى ناحية السرد على حساب الشعر، وللرواية على حساب القصة القصيرة، وهذا مجرد توصيف لا يوضع في خانة النقد أو المديح، بينما أقول إنني أود صادقا وبعمق أن أرى انتشار ظواهر إيجابية، مثل: انشغال الكتّاب الجدد بالقراءة والاطلاع وتفرغهم لتطوير تجربتهم وتقديم الجديد إلى القارئ والإسهام في ترقية الذوق العام، أود أيضا أن أرى المؤسسات المعنية بالأنشطة الثقافية والمهرجانات الأدبية تقدم أشكالًا جديدة للمتلقي. ولقد حظيتُ بالمشاركة في عدة محافل دولية ورأيت جنوحا للتجديد؛ على سبيل المثال، وجدتُ الجمع بين الفنون حاضرا في الأمسيات الثقافية، كما إن هناك حرصا على مفاجأة المتلقي وإبهاره بهندسة المكان.

التراث

الشعر النبطي يحضر بقوة في دولة الإمارات ودول الخليج. هل يمكن اعتباره شعرا واسع الانتشار في العالم العربي والعالم بصورة عامة؟

بالتأكيد، الفولكلور والتراث والنصوص الشعبية والأهازيج والشعر باللهجة الدارجة تبقى ذات حظوة في كل المجتمعات، وما دام القائمون على المنشورات والجرائد والمجلات الثقافية ينصفون كل نوع ولا يسمحون بطغيان صنف على آخر، فإن الأمور تبقى في نصابها، وتسهم النصوص جميعها في إثراء الساحة.

أطلعنا على ملامح منتجك الأدبي المقبل...

ألحّت علي أفكار رواية، وأعملُ حاليا على وضعها على الورق، أرجو أن أوفق في هذه الرحلة المتسمة بالمغامرة والتجريب.

«للأرض روح واحدة» قصائد وأوصاف

يتناول علي الشعالي في ديوانه «للأرض روح واحدة»، الصادر عام 2013م عن دار الهدهد للنشر، موضوعات متنوعة تأتي في سياق إنساني راصد لأحوال من حوله من شخوص، سواء من الأصدقاء والأهل والزملاء، ونجد الصفات سمة غالبة على قصائد الديوان؛ مثل صفات «حكيم» و«صديق» و«خائن»، وغيرها من الصفات المختلفة التي تصب في صالح وصف المقربين من الشاعر والمرصودين بالقصائد.

«قرش شقراء»

بلور الشعالي في ديوان «للأرض روح واحدة»، ملامح تجربته الغنية ومصادر تلقيه للشعر. وهو يستخدم قصيدة التفعيلة الموزونة غير المقفاة، فضلًا عن حضور قصيدتين عموديتين، وهما «قرش شقراء» و«سيف الضحى».

وتمتاز قصائد الديوان بطابع إنساني، خاصة في حديث الشاعر عن المقربين منه؛ فهو تجربة شعرية خاصة امتازت بالتنوع الشعري وتنطوي على توازن الأسلوب ومستوى اللغة، واستطاع الشعالي تقديم التوازن بين ما يريد أن يعبر عنه وكيف يعبر عنه.

موسيقى

كما يمتاز الديوان بالموسيقى الواضحة، من خلال المرادفات التي استخدمها الشاعر، فضلًا عن الأوزان والصور الشعرية التي يقدمها، كذلك بناء القصائد المحكمة والموحية بجمال الأداء.

ويعتني الشعالي في مجموعته الشعرية بالقضايا العربية الملحة على صعيد الاهتمامات العربية، مثل: القضية الفلسطينية والقضية العراقية، كما يتطرق إلى روح المجتمع الإماراتي وما يشغله من هموم؛ خاصة الداخلية، كما هو واضح في قصيدة بالمجموعة تحمل عنوان «سيف الضحى».

ومن أبرز ما جاء في ديوانه «للأرض روح واحدة»:

الكوثر

ليت الماء

يحاكي لونَك

بابان لهذي الروح

شمسٌ

في جب خيالك

والثاني

في غيهب دفترْ.

فاكهةٌ قولك

من قال عن الشاعر ما لا يَروي

ضلّ

هو فأسٌ ما

وخيول سليمان على كوكبه

خجلى

طباعة Email
تعليقات

تعليقات