بوب ديلان:الكلمة صنو اللحن في الأهمية والتأثير

يعتبر بوب ديلان صوت جيل الستينيات من القرن الماضي في الولايات المتحدة الأميركية، بآماله وخيباته، وهو من أبرز الفنانين الذين تركوا تأثيراً على موسيقى وثقافة ذاك العصر.

وبرهنت كلماته النارية المفجعة على قيمة أدبية أهلته للفوز بجائزة نوبل 2016، رغم الاعتراضات من جانب البعض على مستواها الشعري، وقالت اللجنة المشرفة على الجائزة، إن اختيارها يعود لابتكاره تعابير شاعرية جديدة، لم يعرفها الشعر الأميركي من قبل.

وغالباً ما أشار ديلان إلى تأثير الشعر على كلمات أغانيه، ذاكراً رامبو وفيرلان وباوند كأمثلة، فيما أشارت الأكاديمية السويدية إلى تأثره بـ«جيل بيت»: كتاب وشعراء أميركيين ما بعد الحرب العالمية الثانية، بالإضافة إلى شعراء حداثيين.

وفي مقابلة أجرتها معه مجلة «إيه إيه أر بي» عن أهم الفنانين الذين تأثر بهم، تحدث ديلان عن أهمية الكلمة في أغانيه، قائلاً: «يجب أن تؤمن بما تقوله الكلمات، فللكلمات الأهمية نفسها كما اللحن، وما لم تؤمن بالأغنية وتكون قد عشتها، فليس هناك من معنى لأدائها».

مستمع جيد

يعتقد ديلان أنه من الجيل الأخير الذي ترعرع من دون تلفزيون، وربما هذا ما جعله مستمعاً جيداً. وكان يستمع إلى الراديو كثيراً. كانت البرامج الإذاعية في معظمها نصوصاً مسرحية، بالنسبة له كان الأمر أشبه بتلفزيون، فكل ما يسمعه، كان عليه تخيله.

والى جانب النصوص الدرامية على الراديو، كان يستمع إلى محطات تعزف أغاني ما قبل «الروك أند رول»، مثل: البلوز والموسيقى الريفية والموسيقى الروحانية للأميركيين السود، وكان استماعه إلى فرقة «ستايبل سينغرز» للمرة الأولى بينما كان عمره 14 عاماً، قد ترك التأثير الأعمق في حياته.

كان هذا قبل أن تدخل الموسيقى الشعبية حياته. الموسيقى الشعبية الأميركية التي احتلت المشهد الفني في أميركا قبل الخمسينيات من القرن الـ20، والتي ترعرع عليها، قبل أن تقضي عليها موسيقى «الروك أند رول»، مثل الميوزيك هول والتانغو، وأغاني البوب من الأربعينيات من القرن الفائت، والرومبا وايرفينغ برلين، وغير ذلك...

موسيقى "حارقة"

وفي الوقت الذي يعتبر ديلان متأثراً بأسلوب وودي غوتري وأغانيه الاحتجاجية، يقول إنه ابن الجيل الأول من عازفي موسيقى «الروك أند رول». موسيقى حارقة للغاية، مزيج من ثقافة السود وثقافة الريف. وعندما سمع للمرة الأولى بالملحن تشاك بيري، لم يكن يعرف أنه شاعر عظيم أيضاً. لم يفكر في الشعر وقتها..ولاحقاً فقط، أدرك مدى صعوبة كتابة الأغاني.

ويعتقد ديلان أن قوة نخبوية كان عليها التخلص من كل أولئك الأشخاص لضرب «الروك أند رول» لما كان يمثله حينها، وليس أقله بصفته شيئا يمزج بين السود والبيض، فإذا فصلت الأجزاء قتلته. وهذا ما فعلوه بالفضائح وأشياء مماثلة. فتحول العنصر الأسود إلى الموسيقى الروحانية، والعنصر الأبيض إلى «البوب»، لكن «الروك أند رول» الأصلي بقي جزءاً من حمضه النووي، حسبما يقول.

عاد أخيراً لعزف تلك الأغنيات الشعبية العاطفية الرومانسية القديمة التي ترعرع عليها، أغنيات لم تعد على الموضة، وهو من المعجبين كثيراً بأسلوب فرانك سناترا في الغناء، ويقول إنها أغنيات بفضائل عظيمة، مؤكداً أن الرومانسية لا تخرج عن الموضة أبداً، لأنها جذرية وأبدية بارتباطها بالعواطف الإنسانية.

في الوقت المناسب

ويتحدث عن كاتبي أغنيات الموسيقى الشعبية، فيقول إنهم عرفوا كيف يبقون الأمور بسيطة، كانوا يعملون في مهن مختلفة، وقد فهموا الوجود العادي للحياة اليومية الروتينية. وهو يعتبر الملحن وكاتب الأغنيات ارفينغ برلين عبقرياً بهبة لامتناهية، ويعجب بكل أعمال جوني ميرسر كاتب أغنية «أوراق الخريف».. أما أفضل أغنياته العاطفية فهي «لوف سيك» من «تايم أوت اوف مايند» عام 1997.

ويظن ديلان أن الموسيقى الشعبية أتت في الوقت المناسب بالنسبة له، ليس ضمن ما يطلق عليه موسيقى البوب، ويقول: «جئت في وقت لم يكن أحد موجودا أو علم بوجودها، بالتالي كانت الساحة كلها لي، واتجهت إلى كتابة الأغاني، شعرت أنه ينبغي علي ذلك، ما كان بإمكاني أن أكون نجم (روك أند رول)، لكن كان بإمكاني أن أكتب كلمات أغان نارية».

فكرة اللحن

كثير من أغانيه الأخيرة تتعامل مع الإيغال في السن، وكان قد قال في إحدى المرات: «العاطفة لعبة الرجل الشاب، كبار السن ينبغي أن يكونوا أكثر حكمة». لكنه لم يعتقد يوماً أنه مسيطر على مساره الإبداعي كما قال بيكاسو، كان يحاول لسنوات، الخروج بأغان لديها إحساس مسرحية شكسبيرية، يبدأ دوماً بذلك، وما أن يركز على شيء، يعزفه في عقله إلى أن تخرج الفكرة.

وتكون مفتاح الأغنية كلها، الفكرة تكون في الأجواء لفترة طويلة، مثل الكهرباء التي كانت موجودة قبل اديسون، فالإبداع له علاقة بالفكرة الأساسية الى حد بعيد، والإلهام هو ما يأتي عندما تتعامل مع الفكرة، لكن لن يستحضر ما ليس موجوداً في الأصل.

«كلمات الأغاني» اتجاهات العبقرية وفضاءاتها الحرة

قال بوب ديلان في إحدى المقابلات التي أجريت معه: «أرسم في الغالب من الحياة الفعلية، ينبغي علي أن أبدأ من ذلك. أشخاص حقيقيون، مشاهد حقيقية في الشارع، ما وراء الستارة، نماذج حية، لوحات، صور، منصات معدة، عمارة، شبكات، وتصاميم غرافيكية، كل ما يتطلبه الأمر للنجاح».

لكن كاتب الأغاني الذي فاز بجائزة نوبل أخيرا، أبقى معاني الكثير من أغانيه لغزاً، بل وقال في إحدى المرات «إنه لا يعلم عم تدور».

33

صدر ديوانه بعنوان «كلمات الأغاني منذ 1962» في أكتوبر 2014، والكتاب المؤلف من 960 صفحة كان حدثا هاما لما شكله من مجموعة شاملة تشمل 33 ألبوماً. وقال كريستوفر ريكس عن إنجازاته، في مقدمة الكتاب: «تذكير بأن العبقرية حرة في القيام بما تشاء».

الكتاب ليس تفسيرا أكاديميا لكلمات أغانيه، لكنه يتعامل مع كلمات ديلان كما لو أنها شعر. ويجمع كل كلمات الأغنيات التي سجلها في ألبوماته أو حفلاته، ويعرض الأغاني بالتسلسل الزمني مع نسخ بديلة من «حفلاته الحية».

ووفقا للأكاديمية السويدية، كانت لألبوماته مكانة الأيقونة. وديلان كان كاتب أغان شعبية كلاسيكية.. وأغان احتجاجية، مثل: «في مهب الريح» و«الأوقات تتغير». بالإضافة إلى أغان حققت أعلى المبيعات، منها: «لايك إيه رولينغ ستون».

نشيد «الحقوق المدنية»

بدأ في نيويورك بتقليد وودي غوتري، مغنياً أغنيات احتجاجية وعازفا على غيتاره في قرية غرينتش، لكن منذ البداية، طرقت كلماته وأسلوب تأليفه غير المباشر، على وتر حساس.

وكان لأغانيه صدى عاطفي وروحي لدى الشباب في عصره، وهي تعكس عدمية بشأن الواقع الإنساني.. ومثالية أحيانا. وبتناولها مجموعة متنوعة من التأثيرات السياسية والاجتماعية والفلسفية والأدبية، كانت لها جاذبية كبيرة للثقافة المضادة التي كانت تنمو في ذاك العصر، حيث تحولت أغنيته «في مهب الريح» و«الأوقات تتغير»، نشيداً لحركة الحقوق المدنية في أميركا وحركات مناهضة الحرب.

أرشيفه الضخم المكتوب يحوي آلاف الصفحات من مسودات الأغاني، ووفقا لـ«قاموس أكسفورد» ليست هناك من طريقة منهجية لتحليل كل كلماته وأشعاره، التي تمتد إلى خمسة عقود من المضمون التاريخي والأسلوب الموسيقي، لكن الأهم فيها كيفية استخدامه اللغة والأغاني لرسم هويات معينة، بما في ذلك المغني الشعبي والموسيقي الاحتجاجي.

وفي ألبومه الأول عن المغني وودي غوتري، يستخدم ديلان اللغة لوصف رؤيته «الأوديسية» لحياة غوتري ويجمعها بأسلوبه الخاص. وديلان يمدح «الفنان»: «هذا لقلوب وأيدي الرجال الذين يأتون مع الغبار ويذهبون مع الريح».

وتأثرت كلماته أيضا بأشعار ديلان توماس، حيث يدور موضوعها حول الصراع مع حتمية الموت: «دعوني أموت على خطى أقدامي»، المكتوبة عام 1962، وفي أغنية «الموت الموحش لهاتي كارول» المسجلة عام 1963، التي خطها رداً على امرأة سوداء، تبدأ «وليم زانزيغر قتل هاتي كارول بعصا يدور حول أصبعه بخاتم من الماس».

وتطرح أغنيته «في مهب الريح» أسئلة عن الحرب والحرية والحقوق والسلام: «كم مرة يجب أن تطير ذخائر المدافع قبل أن يجري حظرها كلياً، الجواب يا صديقي في مهب الريح». مواضيع ألبوماته لم تتغير حتى عندما انتقل إلى الآلات الكهربائية، أغنيته «بلوز حنين إلى الوطن تحت الأرض» تصور مشهدا مفاده «لا تحتاج إلى رجل الطقس لمعرفة أين تهب الريح» في تعليق على كيفية ميل الناس للتطلع إلى السلطة، بدلاً من التفكير من تلقاء أنفسهم. ومن أقوى أبياته في «لا بأس ماما (أنا أنزف فقط)؟»: «من السهل رؤية من دون النظر بعيدا أنه لا شيء مقدس فعلاً»، يعبر فيها عن غضبه من الاستهلاك والتجارة والثقافة والقيم الأميركية.

ومن بين أفضل إنجازاته الغنائية:

«لا أقول بأنك عاملتني بقسوة، كان بإمكانك أن تعامليني بطريقة افضل، لكن لا مانع لدي. لقد أهدرت وقتي الثمين نوعا ما، لكن لا تفكري في الأمر مرتين، لا بأس بذلك». من أغنية «لا تفكري مرتين (لا بأس)»

«من يفلسف العار وينتقد كل المخاوف، انزع عن وجهك تلك الخرقة، الآن ليس وقت دموعك» من أغنية «وفاة هاتي كارول الموحش».

«تعالوا أيها الأمهات والآباء من جميع أنحاء الأرض، ولا تنتقدوا ما لا يمكنكم فهمه، أبناؤكم وبناتكم خارج سيطرتكم، وطريقتكم القديمة تشيخ بسرعة» من أغنية «الأوقات التي تتغير».

«أحاول جهدي لأكون ما أنا عليه، لكن الجميع يريدك أن تكون مثله تماما. ويغنون فيما أنت تكافح، وهذا يصيبني بالملل» من «مزرعة ماجي».

«يطعمون كازانوفا بالملعقة ليشعر أكثر بالثقة، ثم يقتلونه بالثقة بالنفس بعد تسميمه بالكلمات».

«ملاحظات انتحار ممزقة من بوق من نحاس، البوق الفارغ يعزف كلمات ضائعة، تبرهن على التحذير القائل من ليس منشغلاً في ولادته منشغل في مماته» أغنية «لا بأس أمي (أنا فقط أنزف)».

«نعم ترقص تحت السماء الماسية بيد واحدة تلوح بحرية، مظلل بالبحر ومسور برمال السيرك، وتندفع عميقا تحت الأمواج مع كل الذاكرة والقدر. دعيني أنسى اليوم حتى يوم غد». من أغنية «السيد رجل التمبورين».

موسيقيّ الشعر

بوب ديلان. موسيقي وكاتب أغان وشخصية مؤثرة في الموسيقى والثقافة الشعبية. ولد في مينيسوتا بالولايات المتحدة عام 1941، ويعد أول موسيقي يفوز بجائزة نوبل للآداب. أصدر أول ألبوماته بعنوان «بوب ديلان» عام 1962، وسجل العديد غيره حول مواضيع الواقع الاجتماعي للإنسان والدين والسياسة والحب، وهو متنوع ومتعدد المواهب، فهو رسام وممثل وكاتب مسرحيات.

لديه مؤلفات كثيرة معروضة في موقع الأكاديمية السويدية، من بينها: كتاب «أغاني بوب ديلان» (1965)، تارنتولا أو العنكبوت الذهبي (1971)، كرونيكلز (2004)، «كلمات الأغاني منذ 1962»(2014).

وغيرها الكثير بما في ذلك كتاب للأطفال بعنوان «إن لم يكن لك» عام 201، عدا عن ألبوماته العديدة التي تستكشف الأغنية الأميركية، من الأغنية الشعبية إلى البلوز والأغنية الريفية إلى روك أند رول وغيرها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات