جان دوست: الهوية الحق معرفية تقرب بين الناس

قضايا كثيرة، متشابكة ودقيقة، هي من أعماق مشاكلنا ومسائلنا الثقافية والفكرية.. في الوطن العربي والعالم أجمع، يطرقها ويناقشها الروائي جان دوست، في حواره مع «بيان الكتب»، مبيناً في سياقها أن الهوية الإنسانية الحقيقية، والتي يعتد بها، هي البعيدة عن العداء والتشنج..والتي تقرب بين الناس ولا تسبب الضغينة والصراع.

يحكي دوست كيف أنه كانت الهوية وما تزال مشكلة الإنسان أينما كان: للأسف الشديد فلا بد لكل إنسان من هويات عديدة، تحدد نمط تفكيره وترسم له أسلوب حياته وبيئته الخاصة به وحاضنته التي لا يستطيع الفكاك منها، مهما حاول. وحين يريد الإنسان بعد تقدمه مراحل كبيرة في مستوى الوعي، أن يتخلص من أعباء الهوية، دينية كانت أم عرقية أم مذهبية..إلخ، فإنه يصطدم بجملة معوقات تعيده وتشده إلى أصوله وجذوره التي اكتسبها من محيطه وورثها من أسلافه.

فالمسلم رجل ذو هوية تفرقه عن المسيحي.. والزرادشتي والايزيدي وغير ذلك، ولا ينظر الآخرون إليه سوى أنه مسلم، بغض النظر عن مدى التزامه بالإسلام كهوية دينية وطقوس عبادة. وكذلك الأمر مع المسيحي والبوذي.. إلخ.

تهمة

يشرح الروائي الكردي السوري، أن هذه الهويات تصبح في ساعات الأزمات الكبرى وبالاً على الإنسان ففي الحروب الدينية يُقتل الآخر المختلف، بغض النظر عن مستوى ارتباطه بالهوية التي جعلته عدواً، وفي الحروب العرقية يقتل الآخر المختلف بغض النظر عن مدى التزامه بأيديولوجية حكام بلاده من بني قومه. وهنا تكمن خطورة الهويات التي سماها أمين معلوف بحق بالهويات القاتلة.

ورأينا خلال تاريخ طويل من الحروب والدماء في منطقتنا وباقي المناطق في العالم، أن هوية المرء تصبح نوعاً من التهمة التي يستحق الموت بسبب حمله لها. وهذا ارتداد في الوعي الإنساني واقتراب من منطق الثأر القبلي الذي يقع بموجبه قتل فرد من عشيرة أخرى لمجرد أنه ينتمي إلى تلك العشيرة.

أنضر وأبهى

يحكي جان دوست عن تصوره في شأن هذه القضية:

كل هوية تسبب عداء بين الناس ليست هوية معرفية بل هي عامل من عوامل إثارة الحروب علينا العمل من أجل تهذيبها حتى تصبح مصدر غنى معرفي وثراء للهوية المجاورة. فلا يمكن مثلاً القبول بهوية كردية تبيح قتل العربي ولا هوية إسلامية تبيح قتل المسيحي.

وللأسف الشديد استغلت الهويات المتعايشة بالأساس من قبل سلطات الحكم في أمكنة كثيرة، من أجل تأجيج النزاعات وتحقيق مطامع سياسية لا علاقة لها بالهوية أصلاً.

وأشار المؤرخون إلى هذه النقطة في مفاصل كثيرة من التاريخ، مثل حرب الثلاثين عاماً المدمرة في أوروبا خلال القرن السابع عشر، حيث بدأت الحرب دينية بين الكاثوليك والبروتستانت، لكنها سرعان ما رمت القناع وظهرت الأطماع السياسية والأهداف الخفية لتلك الحروب الطاحنة التي قتلت الملايين من الأوروبيين.

في رواياتي السابقة أشرت دون تعمق إلى هذا الموضوع كما في «مارتين السعيد» و«مژاباد»، لكنني أردت في هذه الرواية أن أتوسع قليلاً و أقول إن الهوية الحقيقية ليست تلك التي نرثها من آبائنا ومن محيطنا الديني والعشائري والقومي، بل إنها تلك التي نبنيها بوعينا للآخر وقبولنا به، الهوية الحقة هي التي يشكلها الإنسان خلال مسيرة حياته بعد أن يلاقح بين أزهار حديقته وأزهار حدائق الآخرين.

فيحصل بالنتيجة على نوع جديد لا يشبه هذه ولا تلك، بل إنها تشبه نفسها وتحمل صفات الأزهار السابقة عليها، فتبدو أكثر نضارة وأبهى منظراً. إن بطلي في هذه الرواية هو ذاك الإنسان الذي ينتقل بين الهويات كمن ينتقل بين حقول الألغام، لكنه في النهاية يجد هويته الخاصة به.

«لا تعد إلى ذلك»

وعن بداية اكتشاف اللغة الكردية وصعوبات الكتابة بلغة ممنوعة، يقول جان دوست:

تنشقت رائحة الحرف العربي لحظة ولادتي. ولدت في غرفة تعبق بأنفاس الإمام الشافعي والغزالي وسيبويه وابن هشام في سيرته النبوية، وغيرهم ممن كان والدي يقتني مؤلفاتهم بحكم مرتبته الدينية. كان والدي «ملا»، يعني رجل دين باللغة الكردية. وكان يواظب على مطالعة الكتب في الفقه الإسلامي والمنطق الأرسطي والنحو والصرف. لكنني لم أجده يوماً واحداً يقرأ كتاباً كردياً!!

تتلمذت على يديه وتلقيت المبادئ الأولية في الفقه واللغة العربية. كان شقيقي الأكبر مني يملك كتباً يحافظ عليها ويخفيها عن الأعين. يقرأ منها أشعاراً باللغة الكردية، ثم يعود ليخفي تلك الكتب وأحياناً في باطن الأرض!

اكتشفت أمي أن كتب أخي خطيرة بخلاف كتب والدي التي يضعها على الرفوف وراء واجهات زجاجية أنيقة. أدركت، على الرغم من طفولتي، أن كتب أخي لا بد أنها تحتوي على سر ما. دفعني الفضول الطفولي ذات يوم إلى معرفة مكان الكتب الممنوعة، وقرأت من أحدها قليلًا، وما إن لمحني أخي حتى خطف الكتاب من يدي وأخفاه بسرعة وهو يقول: «لا تعد إلى ذلك مرة أخرى».

خطى ثابتة

ويحكي جان دوست عن سبب كونه لم يكتب، مثل كثيرين من أقرانه، باللغة العربية معترضاً:

كتبت باللغة العربية. كانت اللغة العربية مطيتي إلى كشوفاتي في عوالم الأدب. لكنني لم أنشر شيئاً. آثرت أن يكون الإبداع الذي أنتجه بلغة أمي وأبي. لكنني بقيت وفياً للغة العربية في مضمار آخر، وهو البحث الأدبي والترجمة. أعشق اللغة العربية وأنا مدين لها إلى الأبد.

وأما عن المشهد الروائي الكردي فيرى صاحب ( نواقيس روما ) الرواية الكردية الآن تتقدم بخطوات ثابتة وكبيرة إلى الأمام. ويتابع: استطاعت الرواية الكردية في السنين الأخيرة مجاراة الروايتين العربية والتركية، في الحدود الدنيا طبعاً. لا أدعي أن الرواية الكردية معافاة تماماً، فهي لا تزال تقاوم بل لا تزال في مرحلة المخاض.

لكن ما أنجزه الروائيون الكرد على الرغم من قلتهم شيء يبشر بالخير. المشكلة أن الروائي الكردي بخلاف الروائي العربي والتركي وغيرهما، لا يمكنه الاطلاع على المنجز الروائي العالمي كما سميته في سؤالك، إلا عبر لغات وسيطة. لم أقرأ روايات شولوخوف وهيغو وميلان كونديرا وكازانتزاكيس وباولو كويلهو.. وغيرهم، إلا باللغة العربية. هذه مشكلة كبيرة تؤثر على فاعلية المخيلة الروائية لدى الروائي الكردي. أن تقرأ بلغة وتكتب بلغة أخرى.

أساس

وحول إذا ما كان يمكن اعتبار ما يكتبه الأدباء الأكراد بلغات أخرى كالتركية والعربية والفارسية..أدباً كردياً أيضاً، كما يقول البعض، يقول دوست:

إذا اعتبرنا ما ينجزه أمين معلوف أدباً عربياً وما ينجزه ميلان كونديرا بالفرنسية أدباً تشيكياً.. إلخ، فإننا سنعتبر ما ينجزه الأدباء الأكراد بلغات أخرى غير الكردية، أدباً كردياً. وإن شئنا أن نبحث للأدب عن هوية، فلا بد من أخذ اللغة بعين الاعتبار. في اعتقادي أن هذه الإشكالية باتت من الأمور والقضايا التي حسمت في عالم الأدب. اللغة هي الأساس في هوية المولود الأدبي.

 

ضعيفة

يصف دوست حركة الترجمة إلى اللغة الكردية، سواء من العربية أو من اللغات الأخرى، في ظل تنامي الاهتمام بالترجمة على مستوى العالم:

الترجمة إلى اللغة الكردية ضعيفة جداً بسبب غياب الدعم المادي. حركة الترجمة لدى الشعوب تقوم بها مؤسسات مختصة ولا يمكن للجهود الفردية القيام بعمل مهم في هذا المجال. المؤسسات الكردية تقوم بجهود خجولة في هذا النطاق، وليست هناك سياسة ترجمة أو استراتيجية ترجمة ممنهجة. الترجمة امتحان لقدرة اللغات، واللغة الكردية لم تنجح حتى الآن في هذا الامتحان العسير.

القليل من الروايات والقصص ترجم من اللغات الأخرى إلى الكردية، وهذا بالطبع لا يفي بالغرض. حتى ترجمة النتاجات من اللغة الكردية إلى لغات الأمم الأخرى تعاني ضعفا شديدا.

مؤخرا قبلت «هيئة أبوظبي للثقافة والتراث - مشروع (كلمة)» مشكورة ترجمة بعض النتاجات الكردية إلى اللغة العربية، وهذا سيؤدي بلا شك إلى التعرف على الشعب الكردي الذي يعيش منذ انتشار الإسلام مع جاره العربي ويقاسمه الأرض والتاريخ والمعتقد.

نبذة

جان دوست. روائي كردي سوري. ولد سنة 1966 وعمل في الصحافة والإعلام، كاتب ومراسل ومحرر.

ترجمت رواياته إلى التركية والعربية والسورانية ( لهجة كردية تكتب تستخدم الحروف العربية ). يعيش في ألمانيا. من رواياته:

ثلاث خطوات ومشنقة، ميرنامه، مارتين السعيد.

«نواقيس روما» تدق للتسامح والتقارب

نواقيس روما الصادرة عام 2016 عن دار الساقي هي الرواية السابعة للروائي الكردي جان دوست والثالثة عربياً له بعد دم على المئذنة وعشيق المترجم. وهي تعتبر بأحداثها وبطلها الأساسي تتمة لرواية عشيق المترجم التي صدرت عن دار ورق في دبي سنة 2014.

يعود عشيق بن التاجر الأنطاكي رشدي أفندي إلى قريته الصغيرة «ميدان» على ساحل البحر الأبيض المتوسط بالقرب من أنطاكية بعد أن قضى حوالي نصف قرن من عمره في روما.

لقاء

أصبح محمد عشيق الدين عجوزاً أنهكته الترجمة والكتابة فأصابه مرض النقرس وبات لا يستطيع الكتابة فبحث عن فتى يعينه في هذا الأمر. يجتمع في أحد مساجد أنطاكية بفتى الباني اسمه يونس قادم من بغداد بنية التوجه إلى بلاده. يُعجب العجوز عشيق بخطه ونباهته فيعرض عليه العمل عنده خطاطاً ومدوناً، مقابل أجر معلوم يوافق عليه يونس الألباني.

تمضي الرواية بنا حيث يتجه عجوز مع الفتى يونس إلى القرية وهناك يعقدان جليات كتابة يومية إلى أن ينتهي عشيق من إملاء كامل قصته.

من خلال ما يدونه الفتى يونس نطلع على حياة عشيق في روما حيث معاناته من كونه مسلماً وحيداً في بحر من الفتيان المسيحيين، الذين جاؤوا مثله لتعلم الإيطالية واللاتينية والترجمة منهما وإليهما.

حيلة

توضح الرواية أن المدرسة المارونية في روما كانت توفد فتياناً مشرقيين مسيحيين إلى روما، كل بضعة أعوام، لتعلم الإيطالية واللاتينية وأصول اللاهوت. لكن عشيق يأتي مع مجموعة مسيحية بالرغم من كونه مسلماً وذلك بتدخل وحيلة من راهب ماروني صديق لوالده التاجر.

هناك يعاني الفتى المسلم من أجواء المسيحية المكثفة الحضور بأيقوناتها، الصلبان في كل مكان، الكنائس الشاهقة الضخمة تعمر كل حي من روما، النواقيس تملأ الصدى برنين تأباه أذنا هذا الفتى المسلم.

وتصور الرواية الحالة النفسية التي وصل إليها الفتى القادم من أنطاكية إلى حاضرة المسيحيين وقلعة الكاثوليكية الكبرى في العالم. يهيم على وجهه في غابات روما ويؤذن بصوت حزين ويكتب كلمات الأذان على دفتر صغير. لكنه رويداً رويداً يتأقلم مع الجو. يتعرف على رهبان وأصدقاء فتزول بينه وبينهم الحجب والتصورات المسبقة. يتعود على صوت النواقيس إلى أن يألفها، بل يستأنس بقرعها.

ولا يقتصر الأمر على هذا النحو، بل يتعلق بطل العمل بفتاة مسيحية ويعتنق المسيحية لأجلها ويصبح عاملاً عند والدها تاجر الخمور. لكنه لا يرزق بأولاد. بعد أن يعتاد على قرع النواقيس ومشاهد الصلبان ينسى وطنه وأهله، تأتيه رسالة من والده يطالبه بالعودة فيرفض. ويبقى في روما إلى أن تموت زوجته وحماته وحماه ولا يبقى له شيء حيث يستولي الورثة على كل ما تركوه.

قرار العودة

أخيراً، وبعد أن أصبح عجوزاً هرماً يقرر العودة إلى بلاده فيرجع إلى قريته وقد امتلأ قلبه بالمحبة وزالت عنه كراهية الأديان والنحل الأخرى.

وفي المشهد قبل الأخير، نراه يسمع الأذان وهو على سطح الكنيسة فيبكي حنيناً ويقول إنه خسر الكثير من الأشياء لكنه ربح الحب. في هذه الرواية قصص كثيرة تتقاطع كلها في تيمة التسامح وتقارب الأديان وصراع الهويات. تركز الرواية على أن الهوية الموروثة وبال على المرء بعكس الهوية المكتسبة التي تتألف من مجموعة هويات متخالفة.

نعيش حالة ارتداد في الوعي الإنساني واقتراب من منطق الثأر القبلي

بطل روايتي الجديدة ينتقل بين الهويات كمن يجول بين حقول الألغام

 

ولدت في بيت يعبق بعطر المؤلفات التراثية العربية في شتى الميادين

أعشق اللغة العربية.. فهي شكلت وعيي وكانت مطيتي إلى كشوفاتي الأدبية

الرواية الكردية تتقدم بخطى ثابتة لكنها لا تزال في مرحلة التكون النهائي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات