حمد بن صراي: مناهجنا أقصت علم التاريخ واختصرتْه وحاصرتْه

ليس التاريخ بوجهه السردي البحت وصيغه النظرية الجافة، ما يشغل الباحث التاريخي الإماراتي د.حمد بن صراي، فما يعنيه ويبقى ينقب حوله بتوسع، حكاية الإنسان ومنجزه وسماته في هذه البقعة من الأرض..

منذ القدم، عارضاً لما بلغه من مستويات، ومبيناً ما تنطوي عليه مروياتنا ومكون موروثنا الشفوي وكذا المكتشفات الأثرية، من حقائق وأبعاد تكشف لنا قصصاً حيوية مهمة، ربما تعيد تعريف وتوضيح صور وقضايا جمة رسخت في وعينا وفق مفهوم تقليدي، كان مغلوطاً أحيانا.

بن صراي يضيئ في حواره مع «بيان الكتب»، على جملة هذه المسائل، لافتا إلى ضرورة أن تعنى الجهات المسؤولة، برصد إمكانات وجهود أكبر ضمن حقل البحث التاريخي الأنثروبولوجي.

كونك مؤرّخاً تتّبع إجراء الأساليب الانثروبولوجية عن طريق المرويّات الشفهيّة، كيف تجد هذه التفاعلات؟ وإلى أيّ مدى حقّقتَ نتائج مميّزة في هذا الصدد؟

المرويات الشّفهيّة أصبحت الآن ضمن اهتمامات العديد من الباحثين، ولهذا فإنّ كثيراً مِن الجامعات الدّولية والإقليمية والعربية أولتْ هذا التخصّص عناية كبيرة. إذ له دور في تسجيل الأحداث وقراءة الواقع مِن منظور شعبي ومِن منطلق جماهيري.

ومن أشهر مَن دوّن المرويات الشّفاهية بكلّ أنواعها: أحمد راشد ثاني- رحمه الله-، عبدالله عبدالرحمن. وتعدّ كتاباتهما إضافة قيّمة للتاريخ المرويّ. ومن خلال تجربتي الشخصية في عدد من المشاريع، أجد أنّ إهمال الرواية الشّفهيّة خطأ يجب تداركه. وكذلك فإنّ مثل هذه المشاريع هي ميادين مهمة لتدريب الكوادر المواطنة.

منهج

بصفتك أستاذاً في قسم التاريخ والآثار في جامعة الإمارات العربية المتحدة، ولعلمك بمدى أهمية البحث، هل تنظم حلقات لنقاش الأبحاث المقدّمة من الطلبة؟

طبعاً هذا شيء مطلوب من جميع الأساتذة، ويوجد عندنا في القسم مساق خاصّ بمنهج البحث التاريخي، ومساق خاص بموضوعات محدّدة نناقشها مع الطلبة في هذا الشأن. وفي هذين المساقين بالذّات يكون وقت المناقشة أطول. ولدينا كذلك، مساق خاصّ بالتاريخ الشّفهي.

الميزانية في كليات العلوم الإنسانية لا تكفي لتطور الأبحاث، مما يؤثر على تطورها أو تقدمها. فهل تفكر الجامعة برفد مشروعات التنقيب في الدولة، عن طريق تطوع طلابها وأساتذتها؟

تمويل التنقيب الأثري عن طريق الجامعة أمر أمامه بعض العقبات، حيث إنّ المواقع الأثرية تتبع إلى الجهات الإدارية المحلّيّة في كلّ إمارة، ويتطلّب الأمر العديد من الإجراءات الروتينية الطويلة.

مقارنة صعبة

التمويل الجيد يساعد الباحث على الإضافة، وإلا فلن يضيف إلا المهتم في المكتبات بما يثريها. ما النصيحة التي توجهها للباحثين، خاصّة أولئك الذين لديهم القدرة على اتخاذ القرار؟

المسؤول عن التمويل جهات رسمية محددة ومعنية، فبيدها فقط مفاتيح الحلول لكلّ بحث ناجح، ولكلّ باحث جادّ متميّز. لكن المسؤولين مهتمّون فقط باستشراف المستقبل، من دون أن تكون لهم رؤية تعتمد على الماضي والأحداث التاريخية. وهم بيدهم اتخاذ القرار المناسب في تبنّي هذه المشاريع العلمية.

كيف هو مستوى البحث العلمي والأدبي في جامعاتنا مقارنة بالجامعات العربية الأخرى؟

مستوى البحث العلمي لا بأس به في الجامعات المحلّيّة، لكن بصورة عامّة فإنّ ما يصرف على البحث العلمي في الوطن العربي بأكمله لا يساوي ما تصرفه جامعة عالميّة واحدة. فالمقارنة صعبة.

1909 - 1966

ما الموضوعات التي تستحق البحث المعمق في مجتمعنا؟.. وما مدى أهمية اختيار موضوع مثير للحصول على نتائج جديدة ومغايرة؟

الاستكشافات الأثرية من الموضوعات التي يجب أن نمضي بها قدماً لأنّها ترسيخ للأصول، وإبراز للحياة القديمة التي نشأت على هذه الأرض، كما أنّ دراسة الفترة الممتدّة زمنيّاً من عام 1909 و1966 مهمّة جدّاً لأنّ بها من الأحداث والوقائع ما شكّل في النّهاية أسس هذه الدولة.

إضافة إلى دراسة المعالم التراثيّة وليس فقط ترميمها والحفاظ عليها، بل دراستها دراسة علميّة متقنة. وكذلك التغيّرات المناخيّة، ويمكن من خلال هذا وضع رسم بيانيّ لأحوال المناخ المتقلّبة منذ أقدم الأزمنة. هناك أيضا: الموضوعات الاجتماعيّة ذات البُعد التاريخي، طرق المواصلات القديمة ودروبها.

صعوبات

أين نحن من الاعتناء المعمق بالبحوث وخاصّة في التاريخ القديم؟ وهل ثمّة إشكالية في مدى الوعي وتقبل أبعاد ورمزيات الآثار الموجودة بمختلف توجهاتها؟

التاريخ القديم، ونعني به تاريخ ما قبل الإسلام، هو مشكلة نظراً لصعوبة الكتابة فيه ما لم يمتلك الباحث الدربة والدراية والتعامل مع المصادر القديمة من نقوش وكتابات وعملات وآثار والإلمام بلغة أجنبية، وخاصّة اللغة الإنجليزية.

أمّا الآثار بحدّ ذاتها فوعي النّاس بها قليل ولا يرقى إلى حدّ المحافظة عليها وحمايتها، وأحياناً تساهم بعض الجهات في تخريبها، خاصّة إذا وقعت ضمن ممتلكات خاصّة، لأن الآثار تدخل في متاهة الروتين والأخذ والردّ وأحياناً الإزالة.

كيف يمكننا وضع خطط لإكمال البحوث الانثروبولوجية في الدولة (علم الإنسان)..وإيلائها كبير الاهتمام والتركيز انطلاقا من أهميتها المحورية؟

علينا تسليط الضوء على المجتمع بوجه عام..بشتى أفراده ومفرداته.. لنرصد أدوار وأداءات الأشخاص المتنوعين فيه عبر الزمن، فكافة المكونات المجتمعية أسهمت وتفعل، في بناء الحضارة على أرض هذه الدولة وأية دولة أخرى. وأظن أننا معنيون بتخصيص وإنجاز بحوث جديدة تهتمّ بهذا الميدان الاجتماعي. وخطط التنمية مطلوب أن تراعي هذا الجانب.

هل تجد أن هناك تحيّزاً منهجياً في خضم العلوم وميادين البحث يصعب التغلب عليه؟

نعم موجود هذا التحيّز ضدّ العلوم الإنسانيّة بصورة عامّة، وعلم التاريخ بصورة خاصّة، والتحيّز موجود في مناهج التربية والتعليم التي أقصت علم التاريخ واختصرتْه وحاصرتْه واحتكرتْه. وهذا دليل على عدم الاهتمام بتاريخنا المشكّل لهويّتنا. وفي الوقت نفسه ربط التخصّص بسوق العمل وليس بالعلم بحدّ ذاته. وهكذا بات التاريخ بلا مكانة بسبب هذا التحيّز.

بين الإدراك والجهل

ما أهم المواقع الأثرية المتنوّعة ضمن جغرافيتنا الممتدة..وكيف هو ترتيبها طبقا لقيمتها؟

موقع أمّ النّار أوّل موقع أثريّ يكتشف على أرض الإمارات، ثمّ موقع هيلي والبحيص.. ثم القصيص وتل أبرق. فشمل وخت ووادي القور، ثم دبا وقدفع..ومليحة والدُّور. ثم ساروق الحديد ثم جلفار.

كيف يتعاطى المثقف الإماراتي مع مكون التاريخي والثقافة الأثرية في البلاد؟

بصورة عامّة، المثقف الإماراتي يدرك أهمّيّة الآثار والمعالم التراثية. ولهذا لا تغيب هذه الأمور عن جميع مثقفينا، إذ نتبين هذا بجلاء في كتابات بعضهم، ولكنّهم بطبيعة الحال ليسوا متخصّصين في علم الآثار، وربما يجهلون مصطلحاته إلا أنّ إدراكهم لأهمّيّته هو أمر مقدّر، ويُشْكَرُون عليه.

بل إنّ بعضهم يتابع أخبار التنقيبات ونتائجها، ويشير إليها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كما ينادي بعضهم بضرورة الحفاظ على الموروث الشعبي بكلّ مناحيه، ومن ذلك: طبيعة التراث العمراني التقليدي.

«قراءة في كتاب الأصنام»..البدايات الأولى بين المروي والنقل

يتوسع د. حمد بن صراي في كتابه «قراءة في كتاب الأصنام لابن الكلبي»، الصادر عن اتحاد كتاب وأدباء الإمارات 2014، في أبحاثه وتنقيبه بشأن كتاب «الأصنام» للنسابة والرواية الكبير هشام ابن السائب الكلبي، الذي عدّهُ السابقون واللاحقون من الموسوعات العلمية البشرية،..

حيث كتب في كافة فروع التاريخ وأجاد في الأنساب وأبدع في أخبار الجاهلية وأحسن في الملح والأسماء، إلا أنه لم يكن مرضيا عليه من قبل علماء الحديث والجرح والتعديل، خاصة فيما يرويه من أحاديث نبوية، فهو ضعيف لا يعتد به، وبعضهم رمى بكل أخباره ورواياته عرض الحائط.

3 مرات

يبين بن صراي في كتابه أنه من أشهر كتب الكلبي «الأصنام»، الذي حقق ثلاث مرات، وكان آخرها على يدي الباحث أحمد محمد عبيد، الذي استصحب في تحقيقه التحقيقين الأولين للكتاب، أما د. حمد بن صراي فاعتمد على تحقيق الجاهلية، وكيف تعامل معها العرب؟ وإلى أي مدى بلغوا في تقديسها..؟

ذلك بعد أن اعتقد بأنّ كتاب الأصنام للكلبي لم يُخدَم علميّاً إلا في بعض الدّراسات. ولهذا وجد أنّه من الواجب أن يقوم بجزء من هذا الجهد لعلّه يقدّم شيئاً جديداً. لكنه يرى، رغم الهفوات والهِنات التي وقع فيها ابن الكلبي في مرويّاته ونقولاته، أنه يبقى إخباريّاً متميّزاً بسعة اطّلاعه وتنوّع معارفه.

نقد

يتتبع د. حمد بن صراي في التمهيد لكتابه، البدايات الأولى للوثنية العربية، وتسمية الأصنام والتعبد لها، عارضا تأثير أصنام الأمم السابقة عليها، مثل: قوم سيدنا نوح عليه السلام، عاد وثمود، قوم سيدنا إبراهيم عليه السلام. إضافة إلى الأمم المعاصرة لهم في العراق والشام وفارس... أما القسم الثاني للكتاب، فوضع د. حمد بن صراي فيه نقدا للتحقيقات الثلاثة للكُتّاب، معرفاً بالفروق بينها وأوجه التمايز.

مقارنات وكشف

يذهب المؤلف في القسم الثالث إلى نقد كتاب الأصنام في حد ذاته، من حيث مروياته وأبياته الشعرية وأسماء الأصنام المذكورة فيها، إضافة إلى تخريج الأحاديث الواردة فيها تخريجاً علمياً صحيحاً، ومقارنة المرويّات بما ورد لمشابهات لها في مصادر أخرى، مفنداً طريقة ابن الكلبي في نقل روايات الآخرين من دون نسبها إليهم في بعض الأحيان، أو اجتزائها أو اختصارها، ما يوحي بأنه مبتدئ هذه الروايات، خاصة مع مقارنة الأشعار بما هو مدوّن في دواوين الشعراء الواردين في الكتاب.

بطاقة

الدكتور حمد محمد جمعة بن صراي النعيمي. باحث إماراتي متخصص في التاريخ. وهو أستاذ التاريخ القديم بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة الإمارات . لديه مؤلفات عديدة، بينها : تاريخ شبه الجزيرة العربية القديم ، اليهود والخليج العربي : رؤية تاريخية نقدية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات