خالد خليفة:«الموت عمل شاق» رحلة وداعية لسوريا القمع

صورة

يستمرّ الروائي السوري الحائز جائزة نجيب محفوظ، في النبش والنحت في العائلة السورية كمؤسسة لها سلطتها وأخلاقياتها ونظامها، في روايته «الموت عمل شاق» الصادرة حديثاً عن دار نوفل في بيروت ودار العين في مصر، المتقاطعة أحداثها مع الواقع السوري المؤلم لا بل الكابوسي.

تلك العائلة شكّلت على يبدو هاجساً في أعمال خالد خليفة، ليس فقط في روايته الأخيرة بل في «مديح الكراهية» الصادرة في 2002، وفي مسلسلاته الدرامية منذ كتب «سيرة آل الجلالي» في العام 2000. كأن خليفة يهجي فكرة العائلة التي قد تمثّل الدولة أو النظام السياسي أو النظام الجماعي، خصوصاً لناحية المقاربة بين ظاهرها الخارجي بصورته الجميلة المتحّدة وباطنها المتفكّك.

«البيان» أجرت حواراً مع خالد خليفة المصرّ على البقاء في دمشقه التي يعشق، رغم كل الدمار والموت وتردي الحياة فيها، للحديث عن الرواية التي تعكس الحياة المأسوية في مسقط رأسه.

نظام وتفكك

تحضر فكرة العائلة في روايتك هذه كما في رواية «لا سكاكين في مطبخ هذه المدينة»: لماذا التركيز على هذا الحضور؟ علماً أن العائلة لديك تمثل حالاً من التفكك والاختلاف حتى لتبدو قريباً من مقولة جان بول سارتر رائد الوجودية في هجائه فكرة العائلة؟

نعم دوماً العائلة تشكل بالنسبة لي موضوعاً رئيسياً ومازالت تأسرني تلك العلاقة القائمة على الفرض، وضرورات التكيف مع هذه القرابات.

من المعروف بأن الكائن لا يختار عائلته، لكنه يستطيع اختيار حياته بعيداً عنها لو أراد. لكن الموضوع ليس بهذه البساطة، العائلة تنتج شكلها وسلطتها وأخلاقياتها التي لم تتفكك حتى الآن، وفي مجتمعات تشبهنا تعتبر العائلة والموقف منها الناظم الرئيسي للأخلاق.

انقسامات

يمكن أن يقال إن العائلة لديك هي مجموعة أفراد منقسمين على بعضهم كما في الرواية الجديدة، لكن ما جمعهم هنا هو جثة الأب ومسيرة تشييعه من الشام الى بلدة العنابية؟ هل باتت الجثة هي التي تجمع العائلة؟

من مكان آخر أنا لا أرى العائلة شرّاً مطلقاً، والعائلات المثالية أو السعيدة لا تعني الكتابة. وفي الحقيقة غالبية عائلاتنا منقسمة على ذاتها، ولديها الكثير من المخفي، لذلك عائلة عبد اللطيف في رواية «الموت عمل شاق» كانت تشبه الكثير من العائلات التي أعرفها أنا شخصياً.

وهذه الانقسامات هي جزء من الحقيقة التي ترعب المجتمع العربي، بِأنه لا يمكن تجاهل الفرد ككتلة مستقلة بذاتها، لكن هذا الاعتراف سيدمر الكثير من الأفكار التي تقوم عليها كل أساسات النفاق في المجتمع العربي، ومنها بالتأكيد مؤسسات دينية وسياسية ومنظومات أخلاقية تحكم ما زالت تتحكم في المجتمع.

وجثة الأب كما رأينا في «الموت عمل شاق» هي الشيء الوحيد الذي يجمع هذه العائلة، نعم كما الكثير من اللحظات التي نراها يومياً ولكننا لا نبوح بها، عائلات بأكملها لا تجتمع إلا في مثل هذه المناسبات.

الحرب ومتغيراتها

حتى هذه الجثة، جثة الأب عبد اللطيف يصادرها حاجز الأمن أي سلطة الدولة، ولا خلاص لها إلا عبر دفع المال الذي يدل على الفساد المستشري حتى في الحرب وعلى الاتجار بالجثث. هل أردت أن تقول إن لعنة القدر باتت تلاحق الجثث أيضاً؟

في الحرب كل شيء يتغير ويختلف، حتى الجثث تتغير قيمتها ودلالاتها، وما حدث في سوريا عبر السنوات الخمس الماضية جعلت من الصعب إخبار العالم كل شيء عما حدث. عشرات آلاف الجثث لم تجد مكاناً لدفنها بشكل لائق، القبور الجماعية، والجثث التي تركت في العراء... إنها لعنة الحرب.

أما الدفن بعيداً عن مسقط الرأس فحدّثي ولا حرج... محظوظ من دفن في مقبرة عائلته بعزاء كامل، والفساد هو جزء من الحرب، لكنه ليس طارئاً، النظام عرف عنه بأنه شجع على الفساد المنظم، والممنهج.

هويات قاتلة

خلال المسيرة التي تقوم بها السيارة التي تحمل جثة الأب، يواجه الأبناء حواجز طائفية تدقق في الهويات وما تحمل من دلالات دينية أو مذهبية. هل أردت أن تقول إن الهوية تسقط عندما تصبح هوية قاتلة بحسب مقولة أمين معلوف في كتابه «هويات قاتلة»؟

بالتأكيد الهوية الوطنية تسقط حين تحلّ محلها الهويات الضيقة أو القاتلة، وهذه الهويات القاتلة على حدّ تعبير معلوف أصبحت جزءاً أساسياً من هذه الحرب. وهي في الحقيقة استُخدمت أبشع استخدام للتغطية عن وجه الثورة الحقيقية التي فجرها السوريون في الأشهر الأولى من العام 2011. وهذا الاحتماء بالهويات الضيقة.

* لم تكن الحال في سوريا سابقاً تدل بوضوح على أن الهوية السورية ستقع في شرك الكراهية والحقد. هل كانت الطائفية مثل جمر تحت الرماد حتى هبّت ما أن سنح لها انفجار الأحقاد؟

- لا أعتقد بأن الطائفية وحتى هذه اللحظة جزء من الحياة السورية، إنها شيء طارئ في ظرف طارئ، وستنتهي مع توقف الحرب وإيجاد حل حقيقي لهذه الكارثة.

وما نراه هو جزء من مشهد إعلامي يجري الترويج له لأهداف لا تعني عموم السوريين لا من قريب ولا من بعيد، حتى وإن كانت جزءاً من صراع إقليمي يجري مباركته عالمياً من دول كبرى صاحبة نفوذ، ويلبي احتياجات دول ذات نفوذ إقليمي تريد الحفاظ على أنظمتها ومشروعها الإقليمي.

هذه الصورة الكبرى لن تجدي نفعاً مع السوريين. أما المتطرفون الذين وجدوا في هذه الحرب فضاءً رحباً لأفكارهم، ومن يريد فهم السوريين عليه ألا يتجاهل تاريخها القريب والتعايش المشترك بين كل الأفكار والديانات والطوائف والقوميات والثقافات.

رحلة وداعية

بينما كنت اقرأ الرواية تخيلت أن تشييع الأب لم يكن إلا رحلة وداعية لسوريا التي سقطت مع سقوط الأب. هل هو تشييع لسوريا حقاً؟

رحلة وداعية لسوريا القديمة بكل رموزها القومية والوطنية والسياسية والاجتماعية، برموز الحزب الحاكم وتاريخه عبر خمسين عاماً الذي طبع البلاد بطابعه، كما هي رحلة وداعية لسوريا القمع المتواصل الذي لم يتوقف، بهذا المعنى من الممكن قراءة دلالات الرواية.

حركة روائية

ما يدفعني الى الكلام عن هذه الرواية هو النتاج المهم الذي تابعناه في المرحلة الأخيرة وبرزت فيه أسماء مهمة كانت وراء صعوده من أمثال: خالد خليفة وفواز حداد وروزا ياسين حسن ومصطفى خليفة ونبيل سليمان وسواهم. كيف تقيّم هذه التجارب الجديدة في سياق الحركة الروائية السورية؟

ما ذكرت من أسماء روائيين وروائيات هم اليوم من أفضل التجارب بالإضافة إلى آخرين لم تذكرهم أمثال سمر يزبك وخليل صويلح وآخرون كثر بدأوا الآن في تلمس مشروعهم الفني وبالتأكيد سنرى بعد سنوات مقبلة لغة وسرد جديدين.

* نرى في رواياتك عامة مشاهد ولغة دراميتين، وفي «الموت عمل شاق» تكثّفت الصورة الدرامية لدرجة بتنا معها نشعر أننا في فيلم سينمائي. ما المثير والحماسي أكثر في الكتابة، المسلسل أم الرواية؟

- بالتأكيد بالنسبة لي تبقى كتابة الرواية هي الكتابة الأكثر عمقاً، في الدراما هناك عوامل كثيرة تلعب دور نجاح أو فشل العمل، تعرفين بأن الدراما هي فن جماعي تخضع إلى مقاييس مختلفة يلعب التسويق والرقابة فيها دوراً رئيسياً. بينما الرواية فن أكثر حرية وعمقاً، وأنا ما زلت أميل إلى اعتباره فني الرئيسي الذي يحتاج مني إلى كل وقتي.

رواية ألم جماعي وثّقت هواجس الحب والموت والخوف

تصوّر عائلة خالد خليفة من خلال رواية «الموت عمل شاق» الواقع السوري اليوم، ما بعد الثورة وما بعد بعد الثورة، أي بعدما أصبحت سوريا مقبرة جماعية محظوظ من يحظى فيها بمأتم مهيب، وبعدما سقطت الهوية الوطنية.

على كل حال، الكاتب الجريء الذي رفع صوته ضدّ الظلم والديكتاتورية قبل أن تتلاقح نواة الثورة السورية، اعتاد توثيق المراحل التاريخية المفصلية في حياة هذا البلد وهذا الشعب، من خلال أعماله الأدبية سابقاً كرواية «مديح الكراهية» التي تحدثت عن مرحلة ثمانينيات القرن الماضي والصدام بين الإخوان المسلمين والسلطات وكيف حصلت التغيرات في المجتمع السوري على وقع تلك المرحلة.

إذن خالد خليفة ابن حلب المفجوعة، هو روائي الواقع غير المحسوم، لذا كتب ليس فقط عن الموت الآني، بل الموت المستمرّ باسم الوطن والحزب الواحد، الموت الذي عانى منه السوريون تحت الحكم الجائر. إنها رواية عن الحب والموت والخوف.

زمن وكوابيس

تبدأ الرواية بمشهد درامي محكم وقوي، حيث تجتمع العائلة في السيارة سالكة رحلة دفن جثّة الأب الذي أوصى بدفنه في مسقط رأسه العنابية. حواجز كثيرة سيكون على هذه العائلة اجتيازها على الأرض لتنفيذ وصيّة الأب بدفنه في تراب قريته، وحواجز أخرى نفسيّة بين الأحياء الثلاثة، اجتيازها ليس أقلّ صعوبة.

من الشام «دمشق» إلى العنابيّة هو زمن الرواية أو الكابوس الذي يعيشه أولاد عبداللطيف الثلاثة حسين وبلبل وفاطمة، حيث تلتهب البلاد في نيران الحرب ولا قيمة لحياة أي إنسان فيها.

خلال الرحلة، سنرى استمرار سقوط القتلى طوال الطريق المقسمة بحواجز كثيرة، وكل واحد منها محكوم من جهة مختلفة. هكذا، يصير اسمك المكتوب على هويتك تهمةً قاتلة، عبر طائفية مقنّعة، تنتظر فقط اللحظة المناسبة لتظهر إلى الواجهة.يتعمّد خليفة تجنّب تحديد اسم البلدة على طول الرواية كأنه لا يريد حصر المسألة بمنطقة واحدة.

يبدو الألم والأذى قد لحقا بمدن عديدة وهكذا تبدو «س» على هيئة أكثر من 20 بلدة بالمعاناة نفسها: دوما، حرستا، داريا، الزبداني مثالاً، وكلها تقع على المسافة نفسها تقريباً من دمشق ومتشابهات في نواحٍ كثيرة أهمّها الألم المُشترك. هذا الألم الذي بُنيت عليه الرواية، يتصاعد مع تقدّم الرحلة وحيث تتحول الجنازة والجثة الى سلعة لا بد من دفع رسومها كي تمرّ.

ثم يحجز ضابط النظام هويّات الجميع، فـ«لن تمر البضاعة من دون رسوم»، وهو ما يُحزن «بلبل وهو يرى كيف تحوّلت جثة أبيه إلى بضاعة «كفحم النرجيلة وصناديق البندورة وأكياس البصل».

إضاءة

خالد خليفة روائي وكاتب سيناريو سوري ولد في حلب 1964 جذبت روايته «مديح الكراهية» اهتمام وسائل الإعلام في جميع أنحاء العالم، ووصلت إلى القائمة القصيرة في الجائزة العالمية للرواية العربية في دورتها الأولى في عام 2008. من مؤلفاته «حارس الخديعة» 1993، و«دفاتر القرباط» 2000، و«لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة» 2013.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات