أمير تاج السر: ليعتزل أي كاتب يستخف بالقارئ

صورة

يعد أمير تاج السر، أحد أبرز الروائيين السودانيين الذين أثروا الإبداع الروائي العربي بأعمال مختلفة في نسيجها وخصوصيتها وعوالمها. وتلمس خلال لقائك به، سمات شخصية إبداعية فريدة من نوعها. فلا سر يخفيه، ولا مواربات أو تستر في حديثه. فكل ما في جعبته يكشفه بصراحة وتجرد.

كما تجده يؤكد، وعلى الدوام، كما قال في حواره مع( بيان الكتب)، أن القارئ، هو المدماك الأساس في عملية الكتابة. فأي أديب لا يوليه ( يولي القارئ) اهتماما رئيسا، عليه أن يتوقف عن الكتابة.. أو أن يكتب لنفسه.

خضت تجربة فريدة في «ذاكرة الحكائين»..استخدمت معها قالب حكي.. هناك حكاية..وهناك تاريخ روائي. لماذا لا نرى ذلك أو لم نره عند كثير من الروائيين الذين يكتبون المقالات في الصحف والمجلات؟

حقيقة، أنا تعودت كتابة المقال في قالب إبداعي، بمعنى أنني هنا أكتب أفكارا عامة، بعضها يخص الكتابة الروائية، وبعضها يخص الثقافة عموما، وبعضها يكشف قوس كتابتي الشخصية..

ولكني لا أتنازل عن أسلوبي الذي نحت كثيرا حتى وصلت إليه. وأكتب به كل أعمالي الإبداعية وغير الإبداعية. هناك مبدعون يفصلون بين المقال والكتابة الإبداعية، فتراهم يكتبون المقال بطريقة بسيطة وعادية وتخلو من الصياغة الأدبية..

وهذا ليس عيبا، هم يرون أن كتابة الأفكار ينبغي أن تكون هكذا، ولكني أختلف عنهم وهذا أيضا من حقي، وأعتقد أن المتلقي يستمتع بقراءة المقال مثلما يستمتع بقراءة الرواية، وأزعم أن لدي قراء لكتب المقالات أو للمقالات التي أكتبها هنا وهناك، يقتربون أو لعلهم يفوقون قراء الرواية، وفي كل مكان أذهب إليه، أجد من يحدثني عن:

ضغط الكتابة وسكرها، ذاكرة الحكائين. وهما الكتابان الذان صدرا لي في شأن الكتابة. ولي كتاب ثالث بعنوان: تحت ظل الكتابة، يصدر في الأيام المقبلة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت.

قصة وله سردي

شغفت بالحــــكي والحــــكائين سواء كتبوا أو لم يكتبوا..من هم أبرز الحكائين في حيـــاتك.. خاصـــة أولئـــك الذين لم يكتبوا؟

نعم، فما دام الكتاب عن الحكي، لا بد أن يكون عنوانه هكذا..وكنت قد اخترت عنوانا آخر لا أذكره. وله علاقة بالموضوع لكني وبعد نقاش مع الناشر، ارتحت لعنوان هذا المقال واستخدمته.

في الحقيقة عرفت كثيرا من الحكائين الشفاهيين وتعلمت منهم تفعيل الخيال، فالحكاء الذي لم يفارق قريته قط، ويستمع لإذاعة بي بي سي ومونت كارلو، والشرق الأوسط، ويستخرج منها بلادا ومدنا وأشخاصا معروفين ويستخدم كل ذلك في نسيج شفاهي مترع بالخيال، جدير باتباعه والتعلم منه..

وكان أحد أقاربي واسمه إسماعيل من هذا النوع من الحكائين. يوجد نوع آخر وهو الذي يروي القصص التي حدثت وعاصرها أو التي سمع بها، ولا مانع من زيادة بعض الفقرات المتخيلة لتلك القصص لتصبح جاذبة، وهذا النوع منتشر بشدة. شوقي بدري كاتب رائع أو لتقل حكاء رائع..

«حكاوي أمدرمان»، وهو من الكتب التي أدمنت قراءتها، وأعتقد أن فيه كثيرا من الأفكار التي تصلح خامات لروايات، وأذكر أيضا: عبد الله الذي كان يعمل ممرضا معي، ويملك خيالا غريبا ورابط الجأش، يحلق في أي مكان بلا رعشة ولا ارتباك ولديه قصص حكاء لي وأتمنى لو عثرت على وقت لمعالجتها.

اعتراف

في الحكي تجــــلت رؤاك ومواقفك وأفكارك وطموحاتك الإبداعية.. ألم تخش أنك تسلم مفاتيح أعمالك الروائية والقصصية للنقاد؟

أبداً. أنا صريح في كتابتي الإبداعية وغير الإبداعية ولا أحب التستر وراء الغموض وجعل نفسي نهبا لتساؤلات الغير..

وكذا كتبت رواياتي وأكتب مقالاتي، وبالنسبة للنقاد، فإني أرى أنه ضعفت الحركة النقدية كثيرا ولم يعد سوى نقاد قليلين يتابعون الإبداع ويضيئونه، وبقدر ما تقدمت الرواية وتشعبت أفكارها وأساليبها، لم تخترع نقادا كثيرين ليتناولوها. شخصيا تناول عملي عشرات النقاد، وتمت قراءته بأساليب شتى، ولم يقل أحد شيئا عن صراحتي، على الأقل أنا أقول ما أعتقده وهذا حق مشروع كما تعرف.

لازمة

يحظى القارئ وتساؤلاته لديك، بأهمية كبيرة. وترد عليه بعمق في حين يتجاهله الكثير من المبدعين الروائيين أو الشعراء.. أو حتى الفنانين التشكيليين.. لماذا؟

القارئ أهم النقاط المستهدفة في العملية الكتابية، بمعنى أن الكتاب حين يخرج من الكاتب، لا يتسكع في المخازن أو يركد ميتا في رفوف المكتبات، إنما يتلقفه قارئ ما، وإن كان ناجحا يتلقفه آلاف القراء، والكاتب الذي يستخف بالقارئ، لا يجب أن يكتب، وإن كان لا بد، فليكتب لنفسه. القارئ يتناول العمل ويناقشه مع غيره..

ويمكن أن يكتب عنه مراجعة في مكان ما، ويمكن أن يرشحه لغيره، حتى يقرأه، ويمكن أيضا أن يمنحه جائزة معنوية، هكذا، وتجدني أشارك القراء اهتماماتهم بوصفي قارئا أولا لأنني تعلمت القراءة قبل أن أتعلم الكتابة، وشاركت في مؤتمرات قراءة كثيرة تحدثت فيها عن موضوع القارئ والكاتب باستفاضة.

فقط توجد مشاكل كثيرة في مسألة تواصل الكاتب بالقارئ، منها الاعتياد على وجود الكاتب لدى قارئ متسلط، ليقوم بمعاقبته.. وأيضا ردم الكاتب بكثير من الخواطر ومحولات الكتابة التي يحلم القارئ بأن تجعله كاتبا. عموما كل شيء يحمل سلبياته وإيجابياته، لكني لن أغير طريقتي مهما كان.

كيف ترى العلاقة بين السياسة والرواية؟

السياسة موجودة في كل شيء والكاتب الذي يقول بأنه لا يكتب في السياسة، سيكون بعيدا عن مجتمعه، لكن كيف تكتب السياسة؟.. هناك من يتناولها صراحة، وهناك من يصبغها إبداعيا بحيث تصل برونق معين يستوعبها به القارئ. أنا أتحدث عن مجتمعي الذي نشأت فيه وعلاقته بكل شيء، وأترك القارئ يستخرج ما يريده.

«ذاكرة الحكائين».. ذكريات وتجارب وملامح

على الرغم من أن كتاب «ذاكرة الحكائين» للكاتب الروائي أمير تاج السر، يضم مجموعة من المقالات التي تتناول رؤى وقراءات لعوالم إبداعية مختلفة، إلا أن الحس الروائي المشوق والممتع للكاتب ينعكس ليعطي لكل مقال من تلك المقالات بريقه وتوهجه الخاص..

حيث يكتب تاج السر رؤيته ويكشف مواقفه وآراءه وتجاربه وذكرياته مع الكتابة، حتى ليمكن أن نرصد الكثير مما يشكل ويرسم ملامحه شخصيته الروائية، وأيضا شخصيته كمثقف، دون أن يؤثر ذلك على حميمية ورونق ما يتناوله ويعالجه من قضايا إبداعية وأعمال روائية عربية وأجنبية أو فكرية أو ردود على تساؤلات قراء أو متابعات لمؤتمرات إبداعية غيرها.

عنوان مقال

عنوان الكتاب هو عنوان المقال الأول والذي يحتفي فيه بالأديب السوداني المخضرم شوقي بدري والحكايات الشفاهية للحكائين، حيث يرى أهمية الاهتمام بالحكائين المبدعين «هم في الحقيقة يكتبون أو يحكون شفاهيا للمتعة الشخصية أو الرغبة الجامحة في إيصال أفكارهم، لكن في حكاياتهم ثراء غير معقول وهم جديرون بالاحتفاء..

وقد كتبت في مقدمة كتابي (قلم زينب) الصادر منذ عدة سنوات عن وزارة الثقافة والإعلام في قطر: إلى شوقي بدري، من حكاياته تستلهم الحكايات». ويلفت تاج السر إلى أنه عرف حكائين شفاهيين كثيرين أثناء مصاحبته للكتابة «وحقيقة استلهمت منهم عددا من تلك الحكايات التي كانت خامات جيدة، تبحث عمن يطورها ويوثقها في نصوص مكتوبة».

وحفل الكتاب بتساؤلات قراء حيوية وجوهرية في علاقة الكاتب بنصه وقارئه ومجتمعه، واجهها تاج السر خلال ما يقرب من مسيرة 40 عاما من الكتابة، وهنا حاول الإجابة عنها بجرأة وصراحة، من بين تلك التساؤلات، سؤال قال إنه كثيرا ما طرح عليه ويتعلق بعدم استخدامه حتى الآن في أعماله الإبداعية لأماكن عاش فيها مثل مصر وقطر..

وإصراره على التمسك باستخدام مفردات بيئته السودانية التي خرج منها، وهنا يؤكد تاج السر أن كتابة الكاتب الإبداعية ليست مشروطة بمكان معين، حتى لو عشق ذلك المكان وذاب في معطياته وذابت تلك المعطيات فيه، كما حدث له باندماجه في مجتمع دولة قطر ومعرفته عن البيئة الخليجية عموما، وإحساسه الدائم أنه يستطيع أن يكتب عملا مستوحى من تلك البيئة.

نجاحات..وشخصيات.. وحكايات

ويوضح تاج السر أنه مع تطور الكتابة وإمكانية إلغاء المكان المسمى تماما، يصبح ثمة مكان افتراضي تدور فيه الأحداث ويمكن أن ينطبق على أي بيئة أخرى، فتصبح الإيحاءات متعددة، أي إن شخصيات من مصر والأردن وقطر يمكن أن تلعب دورا جيدا ومميزا في نص سوداني..

نجاحات كثيرة حدثت في الدوحة يمكن أن تزين نصا عن الخرطوم، وشوارع بعينها معروفة من أي مكان في العالم بضجيجها وحركة مرورها وتكدس مركباتها يمكن أن تربط بين عدة أمكنة في نص لا يمت لأماكن وجودها بصلة.. وهكذا.

ل مكان يملك خصوصيته، هذا صحيح، ولكن بالمقابل كل مكان يملك مفردات عامة يمكن أن يعيرها لمكان آخر، والذي يقرأ نصوصا مكتوبة بهذه الخبرة لن يستطيع إحالتها لبلد معين. فقط إحالتها لبلد الإبداع الذي هو بلد افتراضي يعيش داخله كل مبدع حقيقي.

«عن الدكتاتوريات»

وفي مقال آخر بعنوان «لدينا قصص عن الدكتاتوريات»، يتوقف تاج السر عند حيثيات منح الرومانية هيرتا مولر جائزة نوبل للآداب عام 2009، وما ذكرته اللجنة من أن هيرتا «لديها قصة لترويها»، متطرقا إلى نشأتها في خلال حكم الدكتاتور شاوشيسكو في رومانيا وفرارها لألمانيا وانعكاس ذلك على أعمالها حيث نبش الديكتاتوريات، وهكذا فعل ماركيز..

مؤكدا أن لكل مبدع كبير قصته المختلفة عن قصص الآخرين، وقال «وأنا لدي قصة مختلفة، أرويها بطريقتي أيضا، وغيري من الذين يكتبون لابد يتكئون على قصص، يتشوقون لروايتها أيضا. ويوجد في كل بلد وكل مجتمع أشخاص يمتلكون القصص ولا يستطيعون روايتها بسبب عدم قدرتهم على الكتابة أو عدم معرفتهم للكتابة أصلا..

ولذلك تجد دائما كتابا نشؤوا في مجتمعات ما، تطوعوا لإيصال تلك القصص إلى الناس عن طريق حكايتها في نصوص أدبية، وقد حضرت مرة في الخرطوم لقاء مع الكاتب العظيم: إبراهيم إسحق إبراهيم، الذي لا يعرفه الناس خارج السودان، مع الأسف..

وكان من الذين كتبوا ولا يزالون نصوصا ساحرة، شديدة الجمال والخصوصية». ويتابع:«لقد وصف إبراهيم نفسه في ذلك اللقاء بأنه مجرد عرضحالجي، يكتب ما يرويه الناس من دون أي تدخل، وقصصه عن آل عثمان، هي قصصهم هم، وإن كان ثمة ثواب فهو ثواب العرضحالجي. طبعا هذا كلام رائع لكن أكيد أن دور الكاتب كان أكبر من ذلك..

فالعرضحالجي، يكتب القصة كما وردت من اللسان، والكاتب الموهوب مثل إبراهيم يبهرها ببهاراته فتخرج بالطعم المطلوب».

ويقرأ تاج السر رواية «حياة باي» للكاتب الكندي يان مارتل التي حصلت على جائزة «مان بوكر» مؤكدا أنها قصة رائعة عن الإيمان بالله والتمسك بالحياة، برغم الإحساس بضياعها والوثوق بأن النجاة على مقربة وهي في الحقيقة أبعد ما تكون.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات