بقي يصنف، وعلى مدى أكثر من نصف قرن، أحد أهم النقاد العرب، كما إنه رفد المشهد الأدبي بقراءات عميقة كان لها أثر كبير في مجرياته. ذاك هو الناقد د.صلاح فضل، الذي بدأ حياته العملية بعد تخرجه في كلية دار العلوم جامعة القاهرة عام 1962.. فأثرى الساحة بإسهامات نوعية في ساحة الأدب والثقافة والفكر.

ويحكي فضل في حواره مع ( بيان الكتب) عن جملة قضايا فكرية ومجتمعية وأدبية موضحا معها أن مسابقة أمير الشعراء في أبوظبي بدولة الإمارات أعادت للشعر العربي قيمته وأهميته، ومؤكداً في الوقت نفسه، على أن العامية في العامل العربي تغذي وترفد اللغة الفصحى. كذلك يلفت إلى انه يرى أن العرب مطالبون أن يقودوا حراكاًَ علمياً وثقافياً في آسيا وأفريقيا.

ما تقييمك لمضمون وطبيعة الجوائز الأدبية في الوطن العربي ؟

الجوائز عادة ما يمدحها من يفوز بها وينتقدها من تُعْرِض عنه وتهجره، لكنها في حقيقة الأمر، إحدى الآليات الضرورية لتشجيع الإبداع وحفز المبدعين وخلق روح التنافس الموضوعي والمثمر بينهم، بمستوياتها المختلفة، سواء كانت جوائز للشباب أو الكبار، ففي كل مرحلة من المراحل تتعدد وظائف الجوائز.

قاعدة

رغم الإنتاج الأدبي الغزير في العالم العربي، لم نشهد حصول أحد مبدعينا العرب على جائزة نوبل، منذ فوز نجيب محفوظ. فما السبب ؟

لأن حصتنا في التنافس العالمي محدودة، فنحن دخلنا السباق متأخرين حتى في مجال الأدب، إذ سبقنا الغرب بمائة عام على الأقل، إلى جانب أن لغتنا تمثل حاجزاً بيننا وبين العالم، ونحن لا نصنع كثيرا لكي نعبر هذا الحاجز عن طريق أعمالنا. نفتقد مؤسسات تعمل بذكاء لترجمة إبداعاتنا العلمية والأدبية ..

وليس بتلك الطرق المتواضعة التي تعمل بها بعض مؤسساتنا، إذ تترجم كتبا غير مطلوبة ويُلقى بها في المخازن، إنما يمكن التعاون مع الجوائز العالمية في الترجمة والتسويق ليرى العالم ما لدينا، وبالتالي يدخل إنتاجنا في حسابه عند التنافس.

وأود التأكيد هنا، أنه علينا كعرب، أن نقود عملية الحراك العلمي والإبداعي والثقافي في أفريقيا وآسيا، ولا نقول إننا سنتماشى مع أوروبا والأميركيتين.

هل تقع مسؤولية التنوير على المثقفين والمبدعين أم على مؤسسات الدولة؟

التنوير مسؤولية الجميع وليس مسوؤلية فئة واحدة، فأكثر الأجهزة التي يمكن أن تثمر في التنوير أو تبطل مفعوله هي أجهزة الإعلام، إذا قِسْنا كم ساعة يقضيها الإنسان العربي في القراءة وكم من الوقت أمام الشاشة البيضاء، سنجد أنه يمكن أن يقضي أسابيع دون أن يقرأ سطرا، لكن لا يمكن أن تمر عليه ليلة واحدة دون مشاهدة وسائل الإعلام، فيصب في أذنه ووجدانه هذا الإعلام من ناحية، ثم نجد أن الخطباء والوعاظ يحتلون الدرجة الثانية، والقراءة آخر ما يشغله.

لهذا فالتنوير منوط بالمؤسسة الإعلامية والمؤسسة الدينية. وحتى تتسنى له الفرصة عليه أن يستعين بمثقفين ولا يستعين بمهرجين.

وأود الاشارة هنا، أيضا، إلى أنه أسوأ ما في النشاط الثقافي المجتمعي، هو أن يصبح بيروقراطيا، وأن يكون حبيس أنماط معينة لا يتجاوزها، فالثقافة فعل تغير وفعل إبداع وفعل تجاوز للصعوبات وتجدد مستمر.

واقع

هل يحظى الشعر لدينا بالتقدير، كحال غيره من الأشكال الأدبية الأخرى؟

الشعر العربي استرد مكانته وحضوره مع مسابقة ( أمير الشعراء) في أبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة. ففي العقود الأخيرة ساد انطباع بأن العالم العربي أصبح في زمن الرواية وأن الشعر انقرض تقريبا، وساعد على ذلك أمران في غاية الخطورة:

الأول اتجاه شباب الشعراء في معظمهم إلى قصيدة النثر، وقصيدة النثر لا تُشبع الحس الموسيقي لدى المتلقي، وكأنها صنعت قطيعة مع الشعر العربي القديم وأصبح المتلقون الذين يرحبون بها محدودين، وبالتالي انكمشت دائرة جمهور الشعر.

الأمر الثاني، أن الشعر كف عن أن يكون شعر مناسبات وقضايا عامة، وهجر الشاعر القضايا وتوجه إلى الشعر الذاتي الفردي خاصة، وأصبح كلما ارتفع مستواه الإبداعي توغل في الإبهام والغموض وابتعد عن التلقائية وعفوية الفهم، ونتيجة لهذين العاملين طغت قصيدة النثر على الشباب.

شقيقة الفصحى

البعض يتجه إلى استخدام العامية في الأعمال الأدبية.. فهل هذا الزحف العامي يدق ناقوس الخطر على اللغة الفصحى؟

إطلاقًا، أرى أن اعتبار العامية في عداء مع الفصحى فكرة قاصرة وغير طبيعية، فطيلة تاريخ اللغة العربية، باستثناء فترة وجيزة من 100 عام كانت العامية والفصحى تتعايشان دائما، والإنسان العربي طيلة عمره مزدوج اللغة، له لغة فصيحة يكتب بها أعماله التي تستحق الحفظ والكتابة والتوثيق، ولغة أخرى يومية هي لغة الكلام المتحرر والمرن، وكان ولا يزال التعايش بين هذين المستويين من اللغة خصباً.

اللغة العربية بطبيعتها متجمدة ومتصلبة، ومن حين إلى آخر تستمد الفصحى من العامية بعض المرونة ترخي وتخفف من تعنتها قليلا، وتدس لها بعض التطورات الصوتية والدلالية وتقنعها بها، فالفصحى تتغذى من العامية.

يعد كتاب «سرديات القرن الجديد» للناقد الأدبي د.صلاح فضل، الذي صدر أخيرا عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة مرجعاً متميزاً للراغبين في التزود بالرؤى النقدية العميقة.

يتناول الكتاب، الواقع في في 340 صفحة، مشهد الرواية العربية من خلال عدد من المقالات، ومن هذه الروايات: «في كل أسبوع يوم جمعة، الإسكندرية في غيمة، هنا القاهرة» وجميعهم للكاتب إبراهيم عبدالمجيد. كذلك: رواية «أجنحة الفراشة» لمحمد سلماوي، «مجهول» للأديب يوسف القعيد، «الحب والزمن» لسعيد سالم. وجميع هذه الدراسات تشكل فعليا، محتوى القسم الأول تحت عنوان «سرد المصريين الكبار».

30 أديباً

فيما يأتي القسم الثاني بعنوان «مشهد السرد العربي» ويتناول أعمال ثلاثين أديبا عربيا بشكل نقدي.

انتماء

ويقدم فضل في مقدمة كتابه وجهاً من نقده، حيث إنه يفصح عن انتمائه لدائرة النقد التطبيقي المعني بالممارسة أكثر من القول في التنظير وإرساء الأصول والقواعد التي تحدد تلك الممارسة، وذلك من خلال مقالات نقدية عديدة تنتمي كلها إلى حقل النقد التطبيقي.

موسوعة أدبية

كما يتلاءم طرح الكتاب مع رؤية صلاح فضل المطلعة على أدب العالم العربي، من خلال طرح كافة الدول العربية ممثلة في كاتب أو أكثر، ليصبح كتابه أشبه بموسوعة أدبية في تناوله للأعمال والتطبيق النقدي عليها، كما جرى توضيح أهم محطات وتيارات ومسارات الكتابة الإبداعية السردية في مصر والعالم العربي.

وفي العموم، نجد أن موضوعات الكتاب وطروحاته المتنوعة، تغازل وتحاكي رؤى فضل، والذي يستمر في التأكيد على أنه لدينا من النقاد والمبدعين ما يعد إنتاجهم جزءا حيوياً يضيف إلى الخريطة الإنسانية، لكن كيف يضيف إن لم يترجم، كما حدث مع كتب نجيب محفوظ التي ترجمت.

لماذا ؟

كما أن فضل كان قد أوضح في تصريح له ل( بيان الكتب)، أن النقد هو آخر الكتابات التي يمكن أن تترجم، وهذه مأساتنا. وذكر أن نجيب محفوظ تساءل عقب إعلان حصوله على نوبل «لماذا لم يحصل عليها توفيق الحكيم وهو أولى بها مني؟».. وكانت الإجابة أن إنتاجات الحكيم كانت موزعة بين كتابات وأعمال فكرية لم تترجم، وكذلك طه حسين.