حرر الكاتب الإماراتي سعيد البادي، ما خزنته الذاكرة من مشاهدات حية عبر رحلاته وأسفاره إلى بلدان كثيرة في هذا العالم، ليسكبها إبداعاً على الورق، عبر إصداره الأخير «مدن ونساء». وبهذا يقدم رواية جديدة تندرج في إطار أدب الرحلات، الذي تميز به.
لكن البادي، لم يعتمد في سرده الروائي، وكما يوضح في حواره مع ( البيان)، على مشاهدات رحلاته فقط، بل تنقل بين عوالم مختلفة فيها الكثير من التأملات والحالات الفلسفية، وغاص في أعماق النفس البشرية كي يستخرج منها ما يمكن أن يضيفه إلى عمله، ليوجد فضاءات كثيرة لا حدود لأفقها. ويؤكد البادي في الحوار، أن ثقافة التسامح جزء ومكون رئيس في مجتمع الإمارات وتشكل قوام وركيزة شخصيات أفراده.
من جديد ترتكز في روايتك على أدب الرحلات، بعد أن اتبعت هذه الأسلوب في بعض رواياتك التي أصدرتها سابقاً مثل «المدينة الملعونة». فما سبب ودافع هذا الخيار؟
الواقع انه كانت لدي مادة غزيرة عن الرحلات والأسفار التي خضت غمارها. وكذا عن جولاتي حول العالم والمغامرات والاستكشافات التي مررت بها. وهكذا شعرت بضرورة استخدامها وتقديمها بشكل ممتع، وبمزيج يجمع عدة أجناس أدبية في عمل أدبي واحد، هذا أولا.
أما ثانيا، وبحكم عشقي للسفر والترحال، عشقت أدب الرحلات، ومن الطبيعي أن نكتب فيما نحب. ولهذا أكتب في أدب الرحلات بمزيج من فنون أدبية أخرى.
وثالثاً: لدي شغف بمحاولات التجديد في الأعمال التي أقدمها، فكما في الرواية السابقة، زاوجت بين أدب الرحلات والأساطير والاستكشاف الجغرافي أو علم الانسان والأنثروبولجي. وفي «مدن ونساء» أحاول أن أضيف بعداً رومانسيا لأدب الرحلة ولمسات عصرية تتمثل في الجاسوسية أو مكافحة الإرهاب والمطاردات البوليسية، فضلا عن التأملات الفلسفية.
محطات
حفلت أجواء الرواية بعالم الجاسوسية، فهل استندت إلى قصص من الواقع. أم كان هذا محض خيال..؟ ولمَ طرقت هذا الباب؟
عالمنا المعاصر يزخر بقصص من هذا النوع، ونحن نعيش في خضم متغيرات كثيرة لا شك أننا نتأثر بها، بطريقة أو أخرى، لكن ما يتعرض له بطل الرواية محض خيال، ليس أكثر.
لم تخلُ روايتك من التأملات والفلسفة أيضا، كيف جمعت بين الكثير من العوالم.. وما هو الأبرز الذي ركزت عليه؟
في طريق البحث عن الذات، ثمة محطة لا بد أن يمر بها،وهي التأمل في خلق الله والتأمل في النفس البشرية وصولا إلى السلام الداخلي، ثم كان لدي بعض الشغف بالفلسفات البوذية والكونفيوشيسية فضلا عن ثقافة التنوير والسمو، وصولا إلى مرحلة «النيرفانا» ورأيت أن اضع بعضا من ذلك في الرواية كنوع من المعرفة التي ربما يتعرض لها القارئ وتفيده.
تدعو روايتك بالتسامح الديني، فهل يعتبر هذا انعكاسا لما يجري الآن ويتردد في العالم العربي، وحرصت الإمارات على تجاوزه من خلال عدد من القرارات؟
تصرفاتنا كشعب إماراتي تنبع من ثقافتنا وعاداتنا، والعادة تصبح كذلك عندما يمارسها الناس مرارا وتكرارا، حتى تصبح عادة مجتمعية. ونحن تربينا على ثقافة التسامح. وربما كانت تلك وسيلتنا للتعامل مع الآخر في كثير من الأحيان، إلى أن صار ذلك جزءا من شخصية الإماراتي التي تفرض حضورها واحترامها بين شعوب العالم.
طقوس روائية
كم من الوقت بقيت تكتب روايتك.. وما تقاليدك في الكتابة الروائية؟
أسلوبي في الكتابة مختلف نوعا ما، فأنا أكتب مشاهد أو أجزاء منفصلة وربما ليست متتابعة، لكنني أعرف أين موقعها عند إعادة وضع البناء بشكل متكامل. ولهذا استهلكت هذه الرواية وقتا طويلا، إذ كتبتها في أوقات وفصول مختلفة بل وفي أمزجة مختلفة لكن ذلك ليس ثابتا. ولا أدعي أن هناك تقليدا معينا أو طقوسا معينة، فأنا أكتب عندما أجد وقتا، وربما يكون ذلك في الحل أو الترحال.
تشابه
لماذا اخترت عنوان «مدن ونساء» لروايتك هذه، وهل كانت هناك عناوين أخرى مرشحة؟
كان هناك بعض العناوين المقترحة، منها:«الجنة البائسة» أو «عاشق إلى الأبد» أو «كوكب النساء». لكن وقع الاختيار على «مدن ونساء» لأن هناك تشابها بين المدن والنساء من جوانب عديدة، وتحدثت الرواية عن ذلك التشابه بينهما، على الأقل من وجهة نظر الراوي.
لماذا اخترت كتابة الرواية أسلوبا لإنتاجك الأدبي؟
أصدرت بعض الكتب، لكن الرواية فضاء مفتوح، يجد الكاتب والقارئ فيه متعة على حد سواء. وبالنسبة لي، أجد المتعة مضاعفة مرات عدة لأني أشعرها، أولا من خلال أسفاري وتجوالي، حيث أعيش أجواء الرحلة أو الرحالة بكل ما تعني الكلمة. وثانيا، أجد المتعة مرة أخرى أثناء كتابتي للرواية التي في الغالب تكون مستوحاة من عوالم وشخصيات من صنع الخيال..
أحس فيها بنشوة الساحر وهو يؤدي خدعه وألعابه أمام الجمهور، وكأنني انتقل الى ذلك العالم الذي اخترعته، ثم أجد متعة لاحقة أثناء قراءة الرواية مرارا وتكرارا. وهنا أجدني أعيش تفاصيل الرواية كأنني بطلها متفاعلا مع شخصيتها كأنني أعيش بينهم، بل انه في بعض الاحيان، تتلبسني الشخصية لدرجة انها تؤثر على تصرفاتي.. وكأن الشخصية الروائية هي التي تحركني، ولست أنا من صنعها.
لمن تقرأ وما أهمية القراءة بالنسبة لتجربتك كروائي؟
قرأت لكبار الكتاب، من أمثال: فيكتور هيغو، تشارلز ديكنز، سومرست موم، أغاثا كريستي، دوستويفسكي، تولستوي، فيكتور هوغو، أرنست همنغواي، نجيب محفوظ، عبد الحميد جوده السحار، توفيق الحكيم، إحسان عبد القدوس، عبد الرحمن منيف، الطيب صالح، باولو كويلو، دان براون.
وبطبيعة الحال، القراءة هي التي تعزز اللغة وتحسنها وتضيف إلى مخزونها، وقرأت آلاف الكتب في وقت مبكر من العمر، غير انني توقفت عن القراءة لأسباب غير مفهومة. ربما بسبب عدم توافر الوقت ويمكن جراء وسائل التواصل الاجتماعي التي غزت حياتنا لتغيرها، لكنني أحرص على شراء الكتب كجزء من هواية الاقتناء. لكنها سرعان ما تختفي قبل قراءتها بين خزائن المنزل.
وضعت على غلاف الرواية، لوحة للفنانة حصة الراطوق. فهل تدخلت في الغلاف أم تركت الأمر لدار النشر؟
وضعت بعض الملاحظات. لكن الفنانة حصة فنانة ذات حس إبداعي، واستشفت شيئا من الرواية جعلها تظهر بهذا التصميم.
تكتب عموداً أسبوعياً بعنوان «بلا حدود» ما خصوصية هذا العمود بالنسبة لك. وما الذي تريد طرحه من خلاله؟
كنت أطرح بعض القضايا الاجتماعية من وجهة نظر رجل الشارع العادي، كما ناقشت بعض الظواهر بطريقة ساخرة، غير أنني قدمت بعض الرحلات من خلال هذا العمود. وفي الواقع فإن بعض القصص التي وردت في الرواية نشرت في هذا العمود.
«مدن ونساء».. سرد من مزيج التأمل وحب المغامرة
يقدم سعيد البادي في روايته«مدن ونساء»، الصادرة عن دار كتاب للنشر، وعبر 334 صفحة من القطع المتوسط، عملا أدبيا مختلفا يجمع اجناسا روائية متعددة. وتبدأ الأحداث من مطار إسطنبول، لتحمل القارئ في جولة مثيرة حول العالم ...
حيث فضاء المغامرة الذي يطرقه بطل الرواية على خلفية قصة حب كلاسيكية، تلهب المشاعر وتنقل القارئ بسلاسة ليجد نفسه في خضم عالم الجاسوسية والمطاردات البوليسية المثيرة، من خلال حبكة درامية تتلاقى فيها قصة الحب مع المطاردات المثيرة ضمن إطار سردي يقود القارئ إلى بحور الزمان والمكان، ويحلق به مرة أخرى عبر التاريخ والجغرافيا، عابراً المدن والقرى والبلدات.
لكنه لم يتجاوز الإطار المرسوم له، وهو أدب الرحلات. ثم لا يلبث القارئ أن يجد نفسه في سياق رحلة تأملية فلسفية وجودية بحثاً عن الذات الضائعة المشتتة في فيافي الوحدة وصحراء الحنين.
تداخل ومصائر
تتميز الرواية بنكهة خاصة في أحداثها، يحركها حب المؤلف للمغامرة والاستكشاف، ورغبته في تقديم رؤيته عن التداخل الحتمي بين مصائر البشر واختياراتهم، والتشابك الذي يحكم مسارات حياتنا بين الواقع والخيال، فما يمكن أن يحدث لفرد في قرية صغيرة معزولة، يتأثر به بقية البشر بطريقة أو بأخرى، نظرا لأن العالم أصبح مجرد قرية كونية صغيرة.
إرث ومعالجة
يقتحم بنا الكاتب فضاءات متعددة وثرية من الكتابة، متسلحاً بكم معرفي متراكم ومتنوّع، وبلغة أدبية ساحرة، حرص فيها على تشويق القارئ ليقدم عملا إبداعياً خارجاً عن نطاق التقليدية، فيبقي القارئ على خط التماس مع الأحداث، كأنه جزء منها بفضل التفاصيل الدقيقة التي تحافظ على درجة التشويق نفسه خلال فصول الرواية المختلفة..
ويتناول من خلالها عدة قضايا معاصرة، في محاولة لمعالجتها بطريقة روائية، متأثراً بثقافة بلاده في التسامح الديني حاملا معه الارث الحضاري الذي تركه الرحالة العرب الأوائل شرقاً وغرباً.
