ما هو إذن الحدث الذي عبأ هذا الحشد الكبير من آلات التصوير التلفزيوني ومن الصحفيين الذين يتدافعون ويعيقون حركة السير؟».

ذلك هو السؤال الذي طرحه سائح من كوريا كان يمر بمحض الصدفة في ساحة غايّون في الدائرة الثانية من العاصمة الفرنسية باريس، يوم الثلاثاء الثاني من شهر نوفمبر الحالي. وكانت الإجابة: إنهم ينتظرون الإعلان عن الرواية التي ستفوز في «جائزة الغونكور 2015». فأضاف السائح: «كل هذا من أجل رواية. هذا لا يحدث في أي بلد آخر في العالم».

وفي ذلك الازدحام وجد الروائي الفرنسي ماتياس أينار صعوبة كبيرة كي يشق طريقه للدخول إلى مطعم «رووان» في تلك الساحة حيث يلتقي أعضاء أكاديمية جائزة الغونكور للتداول في تحديد العمل الروائي الفائز، والذين كانوا قد منحوه هذه السنة، ومن الدورة الانتخابية الأولى، الجائزة، عن روايته التي تحمل عنوان «بوصلة».

فمن هو ماتياس اينار؟

إنه من جيل الروائيين الفرنسيين الشباب. من مواليد عام 1972 في مدينة «نيور» بجنوب فرنسا. أولى منذ بداية حياته اهتماما خاصّا بالشرق وبدراسة تاريخه. وبدأ «رحلته نحو الشرق» عبر لغاته. هكذا اتجه بعد فترة من الدراسة في «مدرسة اللوفر» نحو دراسة اللغتين العربية والفارسية في مدرسة اللغات الشرقية في باريس.

وهو يعلن بأشكال مختلفة، احترامه الشديد للثقافة العربية التي قدّمت له ولأوروبا الكثير من المعارف. كما أقام ماتياس أينار لفترات طويلة في ربوع الشرق وخاصّة في منطقة الشرق الأوسط. ذلك قبل أن يقرر الاستقرار في برشلونة عام 2000.

أعمال سابقة

العمل الروائي الأوّل الذي قدّمه ماتياس اينار يحمل عنوان «الرمي الذي لا يخطئ الهدف». وكما يدل العنوان يتعلق الموضوع بالرمي. وهو يحكي قصّة أحد الرماة: «قنّاص». واعتبارا من عام 2008 شرع ماتياس اينار في نشر سلسلةم ن الأعمال الروائية التي جعلت من العلاقة بين الشرق والغرب موضوعا لها ومن زوايا مختلفة.

وفي العمل الأول من تلك السلسلة الذي يحمل عنوان «منطقة»، يتعرّض المؤلف لـ«العنف» كموضوع رئيسي. ذلك عبر نوع من الجدل المستمر بين الماضي والحاضر.

العمل التالي الصادر عام 2010 حمل عنوان «حدّثهم عن المعارك والملوك والفيلة». وهو مكرّس للحديث عن الجمال والفن.

وفي عام 2012 صدرت رواية «شارع اللصوص» التي يكرّسها المؤلف للهجرة والمهاجرين. وبالتحديد هجرة الشبيبة من بلدان المغرب العربي بعد ما عُرف بـ«الربيع العربي».

باقة من الجوائز

نال ماتياس اينار في عام 2010 «جائزة الغونكور للشباب ــ طلبة الثانوية»عن عمله الذي حمل عنوان «حدثهم عن المعارك والملوك والفيلة». كما فاز «ماتياس اينار» في عام 2009 بجائزة «كتاب ــ انتير» التي تمنحها إذاعة «فرانس انتير». ونال اينار عددا من الجوائز ذات الطابع المحدود، مثل «جائزة»القارّات الخمس للفرانكفونية«عن عمله»الرمي الذي لا يخطئ الهدف«.

«الغونكور».. والتاريخ الأدبي

التميّز الاستثنائي لاختيار»بوصلة«هذه السنة لجائزة الغونكور 2015 كان في السرعة التي تمّت بها المداولات التي تحتاج في أكثر الأحيان إلى عدّة دورات. لكن اينار فاز بها من الدورة الأولى.

وليس التميّز في السرعة فحسب ولكن في شبه الإجماع الذي حظيت فيه حيث نالت الرواية ستة أصوات مقابل صوتين لرواية»توبي ناتان«التي تحمل عنوان»هذه البلاد التي تشبهك«، وصوت واحد لرواية المتفوقون لمؤلفها هادي قدور.

شهادات

ومن اللافت للانتباه أن الآراء التي رافقت الإعلان عن منح الجائزة، من قبل»ديدييه دوكوان«الأمين العام لأكاديمية الغونكور، أجمعت على القول ان هذه الرواية هي في طريقها لأخذ مكانة متميّزة في عالم الأدب.

ومن ما جاء على لسان ريجيس دوبريه، الكاتب والفيلسوف الفرنسي الشهير وعضو أكاديمية الغونكور، قوله:»إن هذه الرواية ستدخل التاريخ الأدبي. إنها رواية تتمتّع بالعلم والذكاء وتعرف كيف تدفع القارئ نحو الحلم وحتى كيف تخلق لديه الانفعالات. إنها بمثابة جسر بين الشرق والغرب. إنها كتاب متطلّب وجدّي، ولكن الآخرين سيتبعون المسيرة كما كان يقول نابليون بونابرت«.

ويقول»فيليب كلوديل«، الناقد الأدبي والفني وعضو أكاديمية الغونكور، ما مفاده:»كان لنا موعد مع التاريخ الأدبي. وبعد بروست ومالرو وغراك وتورين كان علينا أن نتوّج اينار...«.

أمّا الروائي المغربي الأصل الطاهر بن جلون، الحاصل عل جائزة الغونكور، فلم يتردد منذ البداية في إعلان إعجابه الشديد بعمل ماتياس اينار وفي التعبير عن فرحته بفوز»بوصلة« بجائزة هذا العام.

ومن الأصوات التي لها وزن خاص في أجواء جائزة الغونكور صوت برنار بيفو، رئيس أكاديمية الغونكور منذ 2014 والذي نال شهرة كبيرة في فرنسا من خلال البرامج التلفزيونية الأدبية والفكرية التي قدّمها، حيث قال انه من أجل الفوز بجائزة الغونكور ينبغي: »قصّة وكتابة وطموح«.

«بوصلة».. تاريخ من الروابط الوثيقة وسوء الفهم المتبادل

جائزة الغونكور الأدبية هي أهم جائزة للإبداع الروائي في العالم الفرنكفوني كلّه. والعمل الروائي الذي يفوز بها يدخل في التاريخ الأدبي الفرنسي..

وتصل مبيعاته إلى حوالي نصف مليون نسخة وتزيد عن ذلك في الكثير من الأحيان. وهذه السنة ذهبت جائزة الغونكور 2015«، التي تمثّل بالوقت نفسه الجائزة رقم 112 في سلسلة جوائز الغونكور حتى الآن، للعمل الذي يحمل عنوان بوصلة للروائي الفرنسي ماتياس اينار.

وهذا العمل، بوصلة، سبقته شهرته قبل إعلان الجائزة. ولا شك أن اختياره من الدورة الأولى من قبل أعضاء أكاديمية الغونكور بستة لم يكن مفاجأة في واقع الأمر.

إعادة اعتبار

وإذا كان الموضوع الأساسي في هذا العمل هو إعادة الاعتبار للشرق بنظر الغرب ومحاولة تقريب هذا الشرق من الغرب فإن الأداة الإبداعية لشرح ذلك تتمثّل أساسا في مجموعة الشخوص الرئيسية في العمل، والتي تمثّل بغالبيتها مجموعة من الأساتذة الجامعيين، ومن العاملين في السلك الدبلوماسي المأخوذين برغبة عرض واستعراض معارفهم وثقافتهم بشتى السبل والطرق.

وتبقى الشخصية المركزية بينهم هي تلك التي تأتي رواية الأحداث على لسانها. هذا الراوي هو أستاذ جامعي نمساوي يعمل في مجال الاستشراق عموما.. وأخصائي بفن الموسيقى بشكل خاص. اسمه فرانز ريتر.

ويكتشف فرانز ريتر أنه مصاب بمرض خطير. وذات ليلة هرب النعاس من عينيه ولم يستطع الرقاد. أخذ يسترجع في ذاكرته شريط حياته ويستعرض عبر ذلك، كل تلك المعارف التي اكتسبها، وخاصة في علاقاته الوثيقة التي كان قد نسجها مع الشرق.

وتقدم صفحات الكتاب بابتوازي مع مرور الوقت في تلك الليلة. هكذا يجد القارئ نفسه في الصفحة 325 من أصل 400 صفحة عند الساعة الخامسة وخمس وثلاثين دقيقة من فجر اليوم التالي.

وإذا كانت صورة الشرق ولياليه مرتبطة في الأذهان بالخيالات وبالسحر، فإن فراز ريتر مولع بهذا الشرق ــ على غرار مؤلف العمل ــ ويعيش خارج الأزمنة والأمكنة. بالتالي فقدت البوصلة بالمعنى العلمي الدقيق الذي تدلّ عليه في تحديد جهة الشمال حيثما وجد الإنسان. لكنه أصبح يهتدي على ضوء بوصلته التي تدل على مكتبة هنا أو على متحف هناك.

إنها بوصلته الداخلية التي تدفعه نحو الشرق الساحر الذي تتشرّب الثقافة الأوروبية من نسيجه. وبالاعتماد على مثل هذه البوصلة يهيم فرانز ريتر دون تحديد جغرافي لحركته. وهو يدعو قارئه إلى أن يكون برفقته ويتعرّف معه على خبايا وأسرار دفينة كانت تربط بين الغرب والشرق ولكن جرى طمسها في سياقات بعيدة عن أية نزعة إنسانية.

هكذا يتنقّل على هواه، من فيينا إلى الشرق.. ومن هذا البلد في الشرق إلى ذاك. وفي جميع الحالات يغدو عالمه هو عالم أبعد وأعمق مما يطفو على السطح. إنه يغدو منسوجا من ذكرياته ورؤاه وقراءاته ومعارفه الواسعة. من هنا تبدو هذه الرواية بمثابة رحلة ثقافية حقيقية.

والمؤلف يؤكد فيها، على لسان رينر، حقيقة التمازج العميق الفكري والمعرفي والحياتي بين الشرق والغرب.. وكذا التناقض وسوء الفهم المتبادل. وهدا ما يتم شرحه أيضا من خلال أعمال كتّاب وروائيين ومبدعين وموسيقيين ومغامرين ومن محتلف صنوف البشر.

بكل الحالات يبقى الاتجاه الأساسي الذي تدلّ عليه بوصلة ماتياس اينار، هو بالتحديد المعرفة، والمعرفة بالآخر. المعرفة، ربما. المعرفة ومستقبل الكوكب الذي نعيش عليه كأفق جديد، كما نقرأ.

والكتاب، في العموم، كنز من المعلومات عن أسماء كثيرة ليس أقلّها شهرة رامبو ولوتريامان وبلزاك وموزارت وبراهمز وكُثر غيرهم.. القاسم المشترك بين هؤلاء الغربيين جميعا، أنهم عرفوا الشرق وأحبوه وتعلّقوا فيه واختار بعضهم العيش فيه لسنوات طويلة. وبالمقابل ليس قليل عدد أولئك من أبناء الشرق الذين قدموا إلى الغرب وتأثروا بثقافته، من أمثال توفيق الحكيم ورفاعة رافع الطهطاوي وطه حسين وصادق هدايات وكُثر غيرهم.

المهم هو أن لا نخسر الشرق، يكتب ماتياس اينار حول الأوضاع المأساوية في سوريا اليوم.