يصعب كثيراً تخيل امرأة مفعمة بالانفعالات مثل بيتينا غابا غارقة في أزمة ثقة، رغم اعترافها بذلك في حوار أجرته معها صحيفة «غارديان» البريطانية لدى عودتها، أخيراً، إلى لندن تمهيداً لإطلاق روايتها الأحدث «كتاب الذاكرة».

وأجابت رداً على سؤال حول سبب غيابها طوال تلك المدة، سيما أنها أعلنت، عام 2009، لدى نيلها جائزة «الغارديان» عن القصة القصيرة «مرثاة للريح الشرقية» أنها ستصدر روايتها الأولى خلال سنتين:

«كانت ست سنوات طويلة فعلاً. وتعود المشكلة بجانب منها إلى أن الكتاب الأول حقق نجاحاً أكثر مما كنت أتوقع، وخلق الكثير من التوقعات لدي. شعرت بالرعب من أن يكتشف أمري بأنني مخادعة. تملكني الكثير من الشك بالذات. إنه الشك عينه الذي منعني أساساً من الإقبال على نشر أعمالي حتى بلغت 37 عاماً».

ربما تكون غابا شهدت أزمة ثقة، لكنها لم تعانِ من متلازمة الكتاب الثاني، سيما أن الرحلة الممتدة بين «مرثاة للريح الشرقية» و«قصة ميموري» تضمنت بالفعل انقطاع غابا عن الكتابة لمدة ثلاث سنوات. قبل أن تحملها على العودة من جنيف، حيث كانت تعمل كمحامية وتقوم بتربية ابنها بنفسها، إلى وسط عائلتها في زيمبابوي، التي تتباهى بوجود 200 حفيد مباشر لجديها.

شيء يتغير

وقالت غابا، إنها «كتبت قصص (مرثاة للريح الشرقية) بدافع من الغضب واليأس الناجمين عن رؤية بلد ينهار بنيانه الخارجي، ولا يسعك فعل شيء حياله». إلا أنه بعد أن حقق الكتاب مبيعاً هائلاً بناءً على الفصول النموذجية القليلة فيه، وجدت غابا نفسها عالقة. فقط بعد أن عادت إلى زيمبابوي «بدأ شيء ما يتغير».

وانطوى التغيير بجزء منه على تبدّل طرأ على منظور غابا السياسي الخاص، وقالت في هذا الشأن: «كنت مؤيدة شرسة لحزب المعارضة قبل أن أعلم بالفساد المستشري في أوساطه. كما كنت من أشد المعجبين بالتاريخ الاجتماعي لزيمبابوي، وبفئة من البيض المهمين لثقافة البلاد من حيث ترجمة الكتاب المقدس إلى لغة الشونا، ووضع أول القواميس».

ويشكل الولاء للعائلة أهمية للرواية بقدر ما هو لحياة غابا الخاصة، إلا أنه يتخذ أشكالاً غير متوقعة، يبقى أحدها مخفياً حتى النهاية، وهو ينطوي على العار والأسى والخوف من الأحكام الاجتماعية المسبقة المتجذرة في النفوس.

وكشفت غابا عن سر دفين حين قالت: «إنها رواية زيمبابوية بالعمق بمعنى أنها تعكس روح زيمبابوي وعائلاتها التي تحتفظ بالكثير من الأسرار. هناك مثل محلي يقول إن السقوف تغطي المنازل، أو للبيوت أسرار».

قلق

تشعر غابا بالقلق من أن ينظر إليها باعتبارها كاتبة زيمبابوية «أصلية»، وتبرر هذا: «تشكل أصيل الكلمة الأقل تفضيلاً لدي، فعن أية أصالة تحدثني في بلد متنوع كهذا؟». إلا أن روايتها «ميموري» زيمبابوية بفخر، وحافلة بالحديث عن معتقدات الشونا الخرافية.

ويسود الشعور بأن غابا تروض لغة وحضارة موطنها، وتمنحهما حق احتلال جوهر روايتها المكتوبة بمعظمها باللغة الإنجليزية، وقالت في المهرجان الدولي للكتاب في إدنبرغ: «أصبحت لدى عودتي لزيمبابوي متآلفة مع الطريقة التي يتكلم بها الناس، في مزيج من اللغات والتعابير العامية». واقتبست عن الروائي النيجيري تشينوا أتشيبي قوله: «لا ينخدعن أحد بحقيقة أننا نكتب بالإنجليزية، لأننا نبغي القيام بأمور غير مسبوقة من خلال ذلك».

ألقت غابا الضوء بعد عودتها إلى زيمبابوي على انهيار النظام التعليمي فيها، وكتبت مقالاً جاء فيه: «نجحت زيمبابوي على مدى السنوات العشرين الأولى من حياتها في إصلاح العدالة العرقية، التي حجبت التعليم العالمي الجيد عن غالبية أطفال البلاد من السود». إلا أن الأزمة السياسية والاقتصادية التي عصفت بزيمبابوي في السنوات العشر الأخيرة هدرت، كما تقول، تلك المكاسب المحققة بعناء، وبات يصعب التخلص من شعور أن المال قد حل مكان العرق.

تبقي غابا على علاقتها بزيمبابوي حية من خلال ترجمة القصائد الشعرية، والتي كان أبرزها المشاركة الشغوفة في مشروع يضم عدداً من المؤلفين لترجمة أعمال جورج أورويل.

أما بالنسبة لأعمالها الخاصة، وعلى الرغم من تداول اسمها بين الناس، فإنها تشتهر في زيمبابوي من خلال حضورها عبر موقع فيسبوك أكثر من حضورها الأدبي، سيما أن كلفة مؤلفاتها، التي تصل إلى 20 دولاراً للكتاب الواحد، تتعدى إمكانات العديد من الزيمبابويين. إلا أنها تدرك الجانب المشرق كذلك حين تقول إن المرة الأخيرة التي أطلقت كتابها هناك، باعت 250 نسخة منه لأفراد عائلتها الذين توافدوا لشرائه.

«قصة ميموري».. جدلية مفعمة بالموت تضج بالحياة

 تعكس رواية «قصة ميموري» باستعراضها لبلاد متعددة الإثنيات، وفي أوان ما بعد فترة الاستعمار، التعقيدات التي تشوب خلفية الكاتبة بيتينا غابا نفسها. وهي تجسد، عموماً، جدلية مفعمة بالموت تضج بالحياة. إذ إنه، وبينما تحفل قصص «مرثاة للريح الشرقية» القصيرة، بمشاهد تصور رجالاً أقوياء يستغلون الفتيات، تتمحور «قصة ميموري» حول العلاقات العرقية المتداخلة التي تتحدى المفاهيم المسبقة المتعلقة بإساءة استعمال السلطة، سواء أكانت تتضمن فروقات عرقية جنسية أو عمرية.

تكتب ميموري في العمل، من سجنها، حيث تنتظر حكم الإعدام بتهمة قتل أبوها بالتبني لويد كيندريكس، وتبدو هنا روائية غير موثوقة.. مجيدة تلقي اللوم في مصابها على سوء الحظ، الذي دفع إلى بيعها كطفلة من قبل أهلها لرجل ثري.

تسبر بيتينا غابا بحنكةٍ، الطبيعة المخادعة للذاكرة من خلال قصة ميموري، المرأة المهاقة.... المودعة في أحد سجون هراري في زيمبابوي بتهمة قتل رجل أبيض ثري، يدعى لويد، كان أباها بالتبني. وميموري هي المرأة الأولى التي يجري الحكم عليها بالإعدام خلال أكثر من عشرين عاماً. وتشرع بدفع من محاميها، وكجزء من التماس الاسترحام بتدوين ذكرياتها حول ما حدث، لتشكل مذكراتها رواية.

توثيق ولحظات مؤلمة

«أمضيت معظم حياتي محاولة التخفي» تقول ميموري موثقة الألم الجسدي والعاطفي لكونها دخيلة، وتروي كيف كانت بشرتها تتقرح في الشمس، وكيف كانت تخضع للتنمر بقسوة، وكم أرادت أن تخرج زحفاً من جلدها «فتختفي وتذوب وتكتفي بالمراقبة».

عرضت غابا بذكاء للهوة التي تفصل بين الأغنياء والفقراء، حيث إنه حين كانت ميموري لا تزال في التاسعة من عمرها، باعها أبويها للويد، وانتقلت من بلدة موفاكوزي الفقيرة إلى المنزل الكبير، وقالت: «مكبلة بالخوف والحنين إلى الموطن، وجدت في الكتب منقذاً. واكتشفت أنها باتت ضرورية لي كما الهواء الذي أتنفس».

وتعكس أحداث الرواية غير المتسلسلة، حركة الذاكرة المتأرجحة عبر الزمن، بين الماضي والمستقبل، المتنقلة بين التقرحات الموجعة ومهماز اللحظات المؤلمة، وتحفل صفحاتها بالجراح، حيث تقول: «في لحظات وحدتي الموحشة كنت أفكر بالعودة إلى موفاكوزي، لكن الجرح، على الرغم من أنه اندمل جزئياً، كان لا يزال ينبض بقوة تكفي لردعي عن نكئه».

تفاصيل

تنبض أحداث الرواية بالحياة، رغم جدليتها المفعمة بالموت. ذلك على نحو مذهل إذ تستعيد فيها ميموري طعم المانغو المسروق، ورائحة الكافور الخانقة وألوان زهرة إستريليتزيا الزاهية. ويبقى العامل الأكثر تحريكاً للمشاعر في كل ما لا تستطيع تذكره، تصور ألم إدراك أنها ما عادت تستطيع تذكر وجه شقيقتها المتوفاة.

وتمسك غابا من خلال تلك التفاصيل الصغيرة على المفاصل المهمة لمعاني القدر والإرادة الحرة والحب والخسارة، والاصطدام مع التقاليد والحداثة وتأثير السياسة على المنحى الشخصي للفرد. إلا أن حجب تلك التفاصيل يخلق أيضاً حالة التشويق الأقرب للإثارة.

وكان من الممكن أن تأتي بعض فصول الرواية أكثر غزارة، سيما كتلك التي تروي وقوع ميموري في الحب للمرة الأولى، لكن وبعيداً من ذلك تعتبر الرواية مثيرة للمشاعر حول ذاكرة تتكشف لتتحدث عن معنى التسامح، وتتجلى كأنشودةٍ شغوفة تتغنى بقدرات اللغة.

ووفق وصف صحيفة «فاينانشال تايمز»، فإنه بالنسبة لرواية مفعمة بالموت، تضج «قصة ميموري» بالحياة، وتنجح الروائية المحامية بالجمع بين بشاعة الواقع واستحسانه المغري بما يجعلها كاتبة تحاكي القلب والعقل معاً.