جورج ميشيل كلود دوبي، هو أحد المؤرخين الفرنسيين الذين ساهموا كثيراً في التعريف بالعصور الوسطى الأوروبية، بل وبتجديد المعارف حول تلك الحقبة. من مواليد عام 1919 بمدينة باريس، وتوفي في نهاية عام 1996 في بلدة «تولونيه» بالقرب من مدينة ايكس اون بروفانس بجنوب فرنسا.
ينحدر من أسرة متواضعة. عاش طفولته في باريس وأظهر تفوّقه دراسياً، حيث نال شهادة التأهيل العليا ــ أغريغاسيون ــ في الأدب عام 1942 وباشر حياته المهنية في سلك التعليم. ثم دافع عام 1953 عن أطروحة في التاريخ لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون. كان موضوع الأطروحة:
«مجتمع منطقة ماكون الفرنسية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر». كانت تلك نقطة التحول الكبرى في حياته، حيث غدت العصور الوسطى الأوروبية مركز اهتمامه الرئيسي كأستاذ في جامعات بيزنسون ليستقر به المطاف التعليمي في جامعة أيكس اون بروفانس. وفي هذه المنطقة المتوسطية اختار أن تكون إقامته النهائية حتى رحيله عام 1996.
وانتخب جورج دوبي عام 1970 ليشغل «كرسي» تاريخ العصور الوسطى في «الكوليج دو فرانس»، أرفع مؤسسة علمية في فرنسا والتي مرّ فيها أشهر مفكري وفلاسفة وعلماء فرنسا. بقي في ذلك المنصب حتى عام 1991. وبعد انتخاب جورج دوبي ليشغل منصب الأستاذية في الكوليج دو فرانس بأربع سنوات، أي عام 1974 انتخب لعضوية أكاديمية المخطوطات والأدب التي تأسست عام 1663.
وهذه الأكاديمية تهتم بتدريس التاريخ القديم والمخطوطات واللغات الشرقية والقديمة. وهي إحدى الأكاديميات الخمس التي تنضوي تحت ما يسمّى بـ« معهد فرنسا» إلى جانب «الأكاديمية الفرنسية» و«أكاديمية العلوم» و«أكاديمية الفنون الجميلة» و«أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية».
وجرى تكريس جورج دوبي كـ «عضو في الأكاديمية الفرنسية» عام 1987 وهي الأكاديمية التي تأسست في ثلاثينيات القرن السابع عشر ــ عام 1635 ــ من قبل الدوق دو روشيليو. ويطلقون على أعضائها ( 40 عضواً)، منذ تأسيسها وحتى اليوم، توصيف «الخالدين» .
كتابة التاريخ
لا شك أن ذلك الطفل الباريسي، ابن الأسرة المتواضعة، عرف مسيرة علمية باهرة وتولّى العديد من مناصب التدريس الجامعي ولقي التكريم والاعتراف من قبل أهل العلم والمعرفة. لكن الأثر الذي تركه يرجع في واقع الأمر بالدرجة الأولى إلى سلسلة الأعمال التي قدّمها وألقى فيها أضواء جديدة على العصور الوسطى الأوروبية. فلماذا اهتم جورج دوبي بكتابة التاريخ ؟
ولماذا بالتحديد تاريخ العصور الوسطى؟ على مثل هذا السؤال كان المعني نفسه، قد ذكر أنه عندما كان في المدرسة الإعدادية طلب منه أحد زملائه أن يقصّ عليه سيرة حياته حتى آنذاك..وكما لو أنها «موضوع للتاريخ». وما يؤكّده أن مثل ذلك الطلب لم يثر لديه أي فضول نحو التاريخ. بل ويؤكّد بأشكال مختلفة أنه لم يكن قد اختار التاريخ كمشرب علمي «سكن ذهنه باستمرار». بل هو يشرح ذلك بالقول :« التاريخ؟.
لماذا لا؟. لم يكن لدي أي تطلّع خاص لذلك». يذكر جورج دوبي أن أولئك الذي كانوا أساتذته في مادة التاريخ عندما كان طالباً، «أولوا اهتمامهم شبه الوحيد لدراسة الأحداث السياسية والعسكرية» باعتبارها مادة التاريخ ومحرّكه الوحيد. وبدا له أنها طريقة في مقاربة التاريخ «لا تثير أي حماس» و«تتسم بالتكرار حكما».
وما يؤكّده هو، أنه «في كل نشاط إنساني يتداخل بطريقة لا يمكن فكّ عراها ما هو مادي وما هو غير مادي. وما مصدره يعود إلى الطبيعة وما مصدره هو الثقافة».
فهم جديد
قدم دوبي بأبحاثه المعمّقة، فهماً جديداً ومختلفاً عن العصور الوسطى. فيما يتعلّق بالبنى الاقتصادية ــ الاجتماعية للمجتمعات الزراعية في تلك الحقبة، وبمجموعة القيم والممارسات التي سادت في النظام الإقطاعي الذي كان سائداً، وبدور النساء، وبمفاهيم الفروسية وبالعلاقات بين الفن والمجتمع. وألقى دوبي نظرة جديدة على مجتمعات العصور الوسطى الأوروبية.
هكذا ركّز في عمله على «الاقتصاد الريفي والحياة في الأرياف في الغرب خلال العصر الوسيط». وبالنسبة للمرأة، أكّد جورج دوبي باستمرار، أن «جميع منظومات الغرب المسيحي في القرنين 11 و12 ملكت سمة واحدة مشتركة هو أنها فرضت دونية المرأة في القوانين النافذة».
كما كتب في عمله عن «تاريخ النساء». ويشير الى أنه رغم وجود بعض الاستثناءات التي استمرّت لفترة زمنية محدودة في بعض المناطق ــ جرمانيا « ألمانيا حالياً» وإنجلترا واسبانياــ حيث كان للمرأة بعض الحقوق كانت القاعدة السائدة لدى «الطبقة الارستقراطية خاصّة» هي التأكيد على «تفوّق الرجل» مقابل «تقهقر دور المرأة».
..والاعتراف بالآخر
كان دوبي يحرص على تقديم الواقع الذي يؤرّخ له كما هو. هكذا، لم يتردد في توصيفه لبعض مناطق فرنسا في العصور الوسطى، أنها كانت تعيش حالة قريبة من التوحش. ذلك مقابل الاعتراف أن البعد الحضاري كان أرفع آنذاك لدى العرب في شرق وجنوب البحر الأبيض المتوسّط.
وكان الصحافي وكاتب السيناريو الفرنسي «هنري دو تورين»، قد قال في بث تلفزيوني مع المؤرّخ: « إن عالم الفرنجة كان بدائياً وقاسياً وجورج دوبي، الأستاذ في الكوليج دو فرانس، يعرف ذلك جيّداً. ويرى جازماً أن الحضارة بالأحرى، كانت إلى جانب العرب».
وعلّق دوبي: «بالتأكيد.. بالتأكيد. كانت منطقة شرق وجنوب البحر المتوسّط تشهد حضارة أرقى بما لا يقاس مع بلاد الغاليين ـ فرنسا حالياً...». ومما قاله جورج دوبي في اللقاء نفسه :«عندما دخل الصليبيون إلى طليطلة ماذا وجدوا فيها؟ وجدوا مكتبات زاخرة بالترجمات إلى اللغة العربية تضم جميع مؤلفات رياضيات وفيزياء وطب اليونان. ووجدوا إقليدس وبطليموس وأرسطو.. واستأثروا بذلك.
وعبر هذا الإرث بالتحديد، استطاع الغرب، الغرب الريفي، أن يشيد بناءً علمياً وتكنولوجياً.. ولا نزال نعيش منه حتى اليوم». تلك بعض المحطات القليلة في مسيرة مؤرّخ استثنائي، يكاد العرب اليوم لا يعرفون حتى اسمه.
«قصصي الذاتية».. سيرة في نسختين وروايتين
منذ أن رحل المؤرّخ الفرنسي الكبير، وعضو الأكاديمية الفرنسية جورج دوبي عام 1996 أصبحت سيرة حياته «موضوعاً للتاريخ». ذلك يبدو بوضوح من خلال الاهتمام الاستثنائي الذي وجدته أعماله لدى الباحثين وليس المختصّون بـ «العصور الوسطى الأوروبية» فحسب، بل لدى الجمهور العريض.
تلك الحقبة التي شكّلت موضوع اهتمامه الرئيسي على مدى عقود عديدة من سنوات حياته. وسيرة حياة المؤرّخ جورج دوبي الصادرة أخيراً بكتاب، كان قد عُثر على نسختها الأخيرة «بصورة مسودة» في أرشيف المؤرّخ عبر تنقيب اثنين من تلامذته السابقين والمختصين اليوم بأعماله، هما باتريك بوشرون وجاك دالارون.
مناسبة ومقارنة
يحمل الكتاب عنوان «قصصي الذاتية». وهو يضم روايتين ــ نسختين متمايزتين، مع أن كاتبهما هو صاحب السيرة نفسه. إحدى الروايتين هي التي عُثر عليها اخيرا. و«رواية أخرى» كانت قد نشرت عام 1986. والنصّان يضمهما هذا العمل.
هذا الكتاب يشكّل إذن مناسبة للمقارنة بين روايتين ــ نسختين متباينتين «للمؤلف ــ المؤرّخ» نفسه. هذا مع الإشارة بداية الى أن الرواية الأولى تتوقف أحداثها عام «1970» عندما جرى انتخاب جورج دوبي للتدريس في «الكوليج دو فرانس»، أعلى مؤسسة علمية فرنسية، بينما تتوقف أحداث الرواية «الجديدة ــ القديمة» عام 1986، عشيّة صدور نسخة «السيرة الذاتية» الأولى.
تفاصيل
في القسم الأول ــ القديم ــ من هذه السيرة يركّز جورج دوبي على «المحطات العامّة» من سيرة حياته مثل علاقاته الجامعية ومساره المهني والتركيز على مسار تطوره الفكري. هذا مقابل نوع من الإهمال شبه الكامل للحديث عن مساره الشخصي ومنبته العائلي المتواضع.
تجدر الملاحظة في هذا السياق أن جورج دوبي تردد كثيرا، كما يشير، في أن يتحدّث عن سيرته الذاتية بضمير المتكلّم، لكن بالأحرى بضمير الغائب، ما يوحي أنه كان يريد أن يبتعد عن «الأنا» التي هي في الحقيقة «موضوع» البحث. ومما يكتبه أنه فكر فعليا أن يكتب سيرته بصيغة ضمير الغائب.
صداقات وتكوين فكري
ويؤكّد جورج دوبي على الأهمية الكبيرة في حياته لصداقته مع المؤرّخ الكبير «فرنان بروديل»، أحد مؤسسي المدرسة الفرنسية الجديدة لكتابة التاريخ والمعروفة بتسمية «مدرسة الحوليات»، ومؤلّف الكتاب ـ المرجع الذي يحمل عنوان «البحر الأبيض المتوسّط والعالم المتوسطي في عهد فيليب الثاني» الذي عرف حتى الآن طبعات عديدة.
كذلك يكرّس دوبي العديد من الصفحات للحديث عن صداقته مع «البير سكيرا».. و«سكيرا». ومن اللحظات التي يرجع لها جورج دوبي هي تلك التي يعتبرها بمثابة فترة «تكوينه الفكري» حيث كان طالباً جامعياً في مدينة ليون، وسط فرنسا، أثناء الحرب العالمية الثانية. وتحظى باهتمام المؤلف ــ المؤرّخ تلك الفترة التي أمضاها في مدينة «إكس اون بروفانس» التي شهدت بداية عمله في مجال البحث الأكاديمي.
مقارنة
وفي معرض المقارنة بين النصين لنفس الشخص عن سيرته الذاتية يمكن ملاحظة أن النسخة الثانية ينتهي فيها المؤلف إلى القول «إذا صدف وكان هناك لاحقا من يريد أن يعرف عمّا كانت عليه مهنة المؤرّخ في الثلث الثاني من القرن العشرين..
فإنه سيستطيع أن يصدر نقداً قاسياً على هذه الشهادة». أمّا في نهاية «النسخة الأولى» فإنه لا يتردد في إعلان اعتزازه بانتخابه عضواً في «المعهد»، أي المؤسسة العلمية الفرنسية التي تضم الأكاديميات الفرنسية الخمس.
1986
وتنقسم هذه السيرة الذاتية للمؤرّخ جورج دوبي إلى قسمين متمايزين. وفي الحالتين يسبق كل منهما مقدّمة يكتبها المؤرّخ بيير نورا، الذي كان وراء نشر النسخة الأولى عام 1986، كما أنه وراء نشر الثانية قبل حوالي ثلاثة أشهر. وخاتمة الكتاب يحررها «باتريك بوشرون» الذي عثر على النسخة الجديدة من سيرة حياة أستاذه الراحل جورج دوبي.


