بات الكاتب حائراً بين سطوره، خائفاً من تأويلاتها، متوجساً من صيادي القراءة بين السطور ومحبي التفسيرات الخاطئة، الذين لا يتوانون عن إحالة المعنى إلى مقصد لا يريده الكاتب. وانتشار ظاهرة مؤولي القراءة باتت خطيرة في عالم الجهل، حيث لا يجد الكاتب منفذ نجاة يصل من خلاله إلى القارئ دون ملامسة جوانب انتقادية تشبه الذين يتحسسون رؤوسهم حين تقف عليها الطير.

في كتاب «كليلة ودمنة»، وهو مجموعة حكايات من الأساطير على لسان الحيوانات والطيور للفيلسوف الهندي بيدبا، الذي ترجمه عبد الله بن المقفع، معظم شخصيات قصصه عبارة عن حيوانات برية، فالأسد هو الملك وخادمه ثور اسمه شتربة وكليلة ودمنة هما من بنات آوى وشخصيات أخرى عديدة، تدور حولها القصص، ضمن تعاليم أخلاقية موجهة إلى أفراد المجتمع على مختلف مستوياتهم، وأغلب الظن أن كتاباً كهذا يحتاج إلى أسلوبه كاتب اليوم ليقول فكرته دون تعرضه للأذى.

في زمن تتحول فيه الشفافية إلى ثقافة أخلاقية، يضطر الكاتب إلى الهروب من واقعه نحو (قال الثعلب قال وقال الذئب)، باحثاً عن مساحة ضامنة لوصول الفكرة على ألسنة الوحوش والبهائم، وهو إلى ذلك يخاف من بطش الرقيب وتأويل الجاهل وسطوة المتنفذ وضربة الأعمى، وتطول قائمة الذين يجهلون المعنى، لكنهم ينعمون في جنتهم.

الكتابة بالرموز والإيحاء قديمة جداً عندما كانت الناس تخاف من الظلم، لكن الكتابة اليوم أكثر شفافية وأقل رموزاً، فقط تحتاج إلى من يفهم المعنى بشكل سليم بعيداً عن الماء العكر، وهل أجهل من شخص يحلل المعنى على هواه فيصيب بسهامه كرام الناس ويؤذي بجهله الأبرياء؟

حقاً (الإنسان عدو ما يجهل).