درس الصحافة، لكنه كان مسكوناً بعشق خاص للشعر، فأبدع فيه وأسس مجلة «كتابات» الأدبية، وقدم لجمهوره العديد من الإصدارات الشعرية، التي جمعها أخيراً في ديوان واحد تيسيراً على القارئ. تلك هي السمة الرئيسة في مقدمات التعريف بالشاعر المصري رفعت سلام، إذ إنه في مجال الإبداع لا يتوقف عند أي خطوط حمراء من أي نوع، كما يقول لـ(بيان الكتب)، فلا يسمح لأحد بأن يضع في طريقه أسلاكاً شائكة من أي نوع أيضاً.
مع صدور أعمالك الشعرية الكاملة في ديوان واحد أخيراً، هل ستتوقف قليلاً أم ستواصل الإبداع؟
بالطبع لن أتوقف، فالشاعر لا يتوقف عن الإبداع إلا حين موته، أما سبب إقدامي على نشر جميع أعمالي في كتاب واحد فمن أجل توفيرها للقارئ، لاسيما بعد أن بيعت أغلب الطبعات السابقة منها، ورأيت أنه من الأفضل جمعها في إصدار واحد تسهيلًا على القارئ من البحث بين الإصدارات المتفرقة لأعمالي السابقة، ولهذا أسميتها «ديوان رفعت سلام» وليس «الأعمال الشعرية الكاملة».
خارج النمطية
رغم أن مجموعتك نثرية لكنها تلتزم بموسيقى ما. هل ترى أن شعر النثر يجب أن يحتوي تلك الموسيقى؟
لا أكتب وفق التصنيف السائد: قصيدة نثر/ قصيدة تفعيلة. فهل يمكن الاستفادة من الطاقات الكامنة في كافة أشكال الكتابة الشعرية، ودمجها معا، في بنية شعرية واحدة؟ ذلك ما أحاوله منذ عملي «إشراقات رفعت سلام» (1992) وحتى الآن. فكل نمط من هؤلاء تنطوي (داخله) على طاقات مباحة متاحة للشاعر الراهن. والانحصار في نمطٍ ما -حتى لو كان «قصيدة النثر»- هو سجن طوعي.
ولأنني بدأت حياتي الشعرية بكتابة القصيدة العمودية، ثم التفعيلية، فإنني -حتى الآن- أستفيد من إمكانات النمطين في كل عمل شعري جديد، حسب احتياجات العمل. وبالتالي، فإنني أرصد تعددا في الطاقات الإيقاعية في أعمالي الشعرية، تخرج بها عن التصنيف الحدِّي السائد: قصيدة نثر/ قصيدة تفعيلة، إلى أفق آخر، يفتح النص الشعري لكل الإمكانات والاحتمالات الإبداعية، حتى لو كانت إمكانات واحتمالات تنتمي إلى الفن التشكيلي (مثلما حدث في عملي «حجَر يطفو على الماء»). فالتحدي القائم يكمن بكيفية إثراء النص الشعري بطاقات أخرى غير المستهلكة في فتح آفاقه على جميع الاحتمالات الإبداعية، بدون «نمطية».
سمات
ترجمت عدداً من الأعمال الشعرية، فهل ترى أن المترجم يجب أن يكون أديباً في المقام الأول؟
بل ربما ما هو أكثر من الأديب بالنسبة لترجمة الشعر بالذات. فهي تقوم أولاً على امتلاك اللغة، بل على امتلاك اللغتين، وتراثهما الثقافي، لا الامتلاك القاموسي الخارجي، بل حتى امتلاك الظلال الكامنة فيما وراء المعاني الظاهرة. تقوم أيضا على امتلاك الخيال الشعري.
تصويب
هل أضافت إليك الترجمة كما أضفت إليها؟
أضافت الكثير. في البداية صوبت لي رؤية الشعر: ان الشعر متعدد، وليس واحدًا، وأن الآفاق الشعرية كثيرة، بأكثر من الشعراء أنفسهم، ولكن على كل شاعر أن يكتشف أفقه الخاص، الفريد، الذي يشبه بصمته الشخصية.
ومن ناحية أخرى، امتلكت من خلال الترجمة الأعماق الشعرية، فلكل شاعر ترجمتُه. امتلكتُ ما لا يدركه القارئ للترجمة من تعددية احتمالات الصورة الشعرية الواحدة.
غياب
قلتَ إننا لا نمتلك في مصر مشروعاً للترجمة. هل هناك خطة محددة يتعين على المؤسسات الثقافية أن تتبعها؟
جميع المؤسسات الثقافية المصرية تعمل –للأسف الشديد- بلا خطة، ولا منهج؛ وبالتالي نحصل على نتيجة تشبه الصِّفر. فالتراكم الكمِّي العشوائي –بلا توجه ولا رؤية- لا ينتج ثقافة. وغالبية رؤساء المؤسسات القادمين من البيروقراطية الجامعية هم مجرد «تكنوقراط»، بلا اهتمام ثقافي، ولا خيال، فهم موظفون مطيعون لمن يأتي بهم، هدفهم الوحيد هو الاستمرار على الكرسي الذي يتيح لهم امتيازات غير مسبوقة، مادية وغير مادية.
مشروع المئة كتاب
في مشروع المئة كتاب الذي تقوم عليه، كيف استطعت الخروج من فخاخ التنميط والتكرار والروتين؟
ليس في الأمر عبقرية، فقط استخدام الحد الأدنى من التفكير والخيال. فخلال متابعاتي الثقافية، لاحظت افتقار الأجيال الجديدة إلى الأعمال الإبداعية الكبرى، التي لا خلاف عليها بين الثقافات المختلفة، وبعضها سبقت ترجمته، لكنه لم يعد متاحا منذ سنوات، بعد أن نفدت طبعته الأولى. فمَن يحدثك عن «دون كيخوته» لم يقرأها، وإنما قرأ عنها، على سبيل المثال. واستقر رأيي على ترجمة أهم مئة عمل أدبي في التاريخ، ترجمة جديدة تراعي الدقة والسلاسة، والمحافظة على الخصائص الأسلوبية الفريدة لكل كاتب (وهو ما أهدرته الترجمات السابقة، تمامًا). وهكذا، أعددت القائمة، بالاسترشاد بقوائم فرنسية وبريطانية وأميركية ونرويجية، في هذا الشأن.
ووصلنا الآن إلى إصدار 25 عملًا من قائمة المئة كتاب، رغم كل الظروف المرتبكة التي تمر بها البلاد إضافة إلى المترجمين وهيئة قصور الثقافة (التي تصدر السلسلة).
لكن المشكلة الراهنة أن أعمال السلسلة تنفد في وقت قياسي، ولم يستجب أحد للمطلب المتكرر بزيادة كمية النسخ، لتصل السلسلة الأقاليم بكميات معقولة. وآمل مساواة مترجمي السلسلة -الذين يقدمون أرفع مستوى للترجمة في مصر حاليًّا- بمترجمي المركز القومي للترجمة، من ناحية الأجر المالي، حيث لا ينال مترجمو السلسلة إلا نصف أجر مترجمي المركز القومي للترجمة، برغم انتماء الجهتين لوزارة الثقافة.
لمَ برأيك يُطلب من الشعراء دائمًا الكتابة عن الثورة؟ وهل يستطيع الأديب بسهولة التعبير عن حدث لحظي، أم من الأفضل الانتظار؟
لعلها الرغبة في تأكيد الثقة في الثورة، بأن تنعكس في الشعر. وهي رغبة إنسانية مشروعة، لكن من الصعب إنتاج الشعر الحقيقي وفقًا للأحداث الجارية، حتى لو كانت بمقام الثورة. فما يجري إنتاجه لن يخرج عن شعر المناسبات العابر، الزائل؛ باعتباره نصوصا سياسية قابلة للاستهلاك المباشر. أما الشعر المعبر عن جوهر الثورة فعلينا انتظاره برحابة صدر، وبلا استعجال.
رغم أنك يساري الهوى إلا أنك تتجنب العمل السياسي. فهل ترى أنه من الأفضل فصل السياسة عن الأدب؟
نعم، لست عضواً في حزب أو جماعة، ولم يحدث أن كنت. فالأحزاب والتنظيمات السياسية تتطلب -ضمن ما تتطلب- الانضباط الحزبي والانصياع لموقف الحزب في المناسبات المختلفة. فيما أعتبرُ حريتي في التعبير أثمن من كل شيء.
لكن أعمالي الشعرية، وغيرها، لا تخاصم السياسة في جوهرها. وهي أكثر انفتاحاً وحرصاً على الإنسان والعالم من التنظيمات المغلقة، مهما كانت شعاراتها المطروحة. فهي أعمال سياسية في جوهرها، في رفضها العميق للقمع، وتبنيها لحرية الإنسان وكرامته وحقوقه الإنسانية المختلفة، وإن يكن بصورة غير مباشرة.
صوت شعري لا يشبه سوى ذاته
صدرت الأعمال الكاملة للشاعر رفعت سلام بجزئيها الأول والثاني، حيث صدر الجزء الأول الذي يقع في 400 صفحة من القطع الكبير، ويضم 4 أعمال شعرية: «وردة الفوضى الجميلة» (1987)، «إشراقات رفعت سلام» (1992)، «إنها تومئ لي» (1993)، «هكذا قُلت للهاوية» (1993)، وهي الأعمال الأربعة الأولى من منجزه الشعري.
أما الجزء الثاني فيضم: «إلى النهار الماضي» (1998)، «كأنها نهاية الأرض» (1999)، «حجر يطفو على الماء» (2008)، «هكذا تكلم الكركدن» (2012)، فضلًا عن قصائد البدايات التي لم يسبق نشرها من قبل، وتسبق زمنيّا الديوان الأول «وردة الفوضى الجميلة»، أي النصف الأول من السبعينيات.
خارج السياق
وذيل العملان بتعريف عن الشاعر وطبيعة أشعاره: «صوتٌ شعري فريد، لا يشبه سوى ذاته، افتتح -مع آخرين- سبعينيات الشعر المصري والعربي، لكنه سرعان ما انطلق -خارج السياق- في تأسيس سياقه الخاص، وتجربته الفارقة في تعدد الأصوات، وتعدد البنية الشعرية، وإعادة صياغة الصفحة الشعرية على غير مثال، وفتح فضاء القصيدة على مصراعيه، بلا قيود أو حدود.
أعمال شعرية أخرى، مغامرة حتى الحدود القصوى الممكنة -حتى الآن- تمثل الجزء الثاني من ديوانه الكامل، وشعرية تؤسس للخروج على كل الأنماط، بلا سعي لتأسيس نمط جديد، خروج على ثنائية (التفعيلي) و(النثري)، وعلى كل الأعراف السابقة أو الراهنة. إنه (سِفر خروج) شعري، من المعروف إلى المجهول، من المملوك إلى العصي على الامتلاك».


