لم تدخر الباحثة والكاتبة الروسية إيمان فاليريا بورخافا، جهداً في سبيل تصويب الفكر والتصورات حول قيمة الإسلام وسماحته. وهكذا فإنها قدمت للمكتبة العالمية مجموعة أبحاث مهمة في الخصوص. ولكن كتابها «ترجمة معاني ودلالات القرآن الكريم إلى الروسية»، يبقى الأبرز والأهم في عطائها ضمن المجال. وهي تؤكد في حوارها مع (بيان الكتب)، أن فكرته تولدت لديها منذ سنوات الدراسة الأولى، بفعل الحرب الإعلامية والهجوم المستمر على الإسلام ومحاولة تشويه مفاهيمه وتعاليمه، من خلال الجهل والتجهيل الذي يعتدي على روابط الثقة المتبادلة بين البشر.
وتشير الكاتبة إلى أن الساحة الفكرية الفقهية الدينية في روسيا تتطلب الكثير من المؤلفات التي توفر سد النقص الموجود، كون نسبة كبيرة من الأفراد المسلمين في روسيا نجد أن معلوماتهم الفقهية والعلمية عن الشريعة الإسلامية قليلة وتحتاج لتدقيق وتنقيح..
وهو برأيها، ما يستلزم مضاعفة الأعمال والمشروعات في الحقل، لتلافي هذا الخلل، عن طريق الأبحاث والندوات والإعلام والمعاهد وغيرها. كما توضح أنها تحرص على تحمل مسؤولية التصدي للهجمة التي تطال الإسلام، من خلال محاضراتها ودراساتها وحواراتها.
بدأت الفكرة منذ سنوات الدراسة فكلنا يعلم الحرب الإعلامية والهجوم المستمر على الإسلام ومحاولة تشويه مفاهيمه وتعاليمه، من خلال الجهل والتجهيل الذي يعتدي على روابط الثقة المتبادلة بين البشر مما دفعني أنا وزوجي للقيام بمشروع ترجمة تفسير القرآن الكريم إلى اللغة الروسية بطريقة علمية، تناسب لغة العصر وبشكل ميسر ولطيف من غير تشدد أو تضييق، ليكون هذا التفسير مكملاً للجهود التفسيرية الأخرى.
وليعطي صورة واضحة تعرّف بالمنهج الإيماني العلمي الديني الفقهي الخلقي والإنساني لسور القرآن الكريم من حيث اللغة والمعلومة وثوابت التفسير المرتبط بالنص القرآني، وليحقق الشرح الذي يصدقه هذا النص القرآني الرباني ويضيء في المهمة نفسها أنوار الهداية والإصلاح الإنساني المطمِئن الذي تقوم به حياة المجتمعات البشرية، على اختلاف توجهاتها الشخصية والمعاشية والسلوكية النظيفة.
كتاب ودور حيوي
لم يكن هذا الدافع الوحيد والرئيس فقط في عمل إيمان، إنما هناك عامل آخر مهم جداً توضح بخصوصه:
يتمثل السبب الثاني في تركيزي على هذا العمل، بوجود مسلمين كثر في روسيا الاتحادية والدول التي كانت تابعة لها، نجد أن معلوماتهم الفقهية والعلمية عن الشريعة الإسلامية قليلة وتحتاج لتدقيق وتنقيح، وبالتالي فإنّ هذا المشروع الموجه إلى الشعوب الناطقة باللغة الروسية ودول الاتحاد السوفييتي السابق، يأتي وفق مصلحتها القلبية والإنسانية.
يقين راسخ
تقول إيمان فاليريا بورخافا، إن أي شخص يقرأ القرآن الكريم، ويتعمق في معانيه، لا بد وأنه سيحمد الله تعالى بعد ختمه الصفحة الأخيرة. ويقول: إنني آمنت بهذا الكتاب. وتضيف: «أنا على يقين راسخ من ذلك. يعجبني بهذا الخصوص، قول الأكاديمي الفرنسي موريس، بأن الإسلام يعتنقه الأشخاص الذين يتحلون بصياغة المعرفة».
وتتابع: عندما قرأت القرآن الكريم، وأنا مطلعة على الفلسفة والتحليل النفسي وما إلى ذلك، قطعت على نفسي عهداً بأنني لن أرحل من هذه الدنيا، ما لم أقدم إلى بلدي الحبيب روسيا، ومواطنيه الرائعين، القرآن الكريم مفسراً وموضحاً بشكل واضح بلغتهم (الروسية).
أدلة وحقائق
تحكي إيمان فاليريا بورخافا، عن مدى تأثرها ببلاغة وقيمة ما يحتويه القرآن الكريم، وكيف أن هذه الركائز حفزت وأذكت عزمها على ترجمة تفسيره إلى اللغة الروسية، بلغة جاذبة ومفهومة:
أقنعني في القرآن الكريم، أنه يسحر بعظمته. أنا من أصول ألمانية. لذا بصراحة أنا براغماتية. بحثت في القرآن عن أدلة تثبت أنه وحي وتنزيل إلهي. وإليكم بعض المؤشرات العلمية في القرآن. فعندما أقرا سورة الواقعة، أجد فيها قانون هيغل: تحول الكم إلى النوع. وعندما تكلمت مع كيك مور، الحائز على جائزة نوبل في الطب. قال لي، إنه لو قرأ القرآن الكريم قبل عشرين عاماً، لحصل على تلك الجائزة مذاك. كل ذلك يقنعني بحقيقة التنزيل.
مبادرات
تلقى ترجمة تفسير القرآن الكريم إلى اللغة الروسية، التي أنجزتها إيمان فاليريا بورخافا، إقبالاً وشعبية كبيرين، من القراء والباحثين. وتوصف ذلك:
قيل لي ان عدد النسخ التي صدرت حتى الآن 350 ألف نسخة في روسيا وحدها. كما بادر المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات وباني نهضتها، بإصدار 25 ألف نسخة لتوزيعها مجاناً. وكذلك رئيس جمهورية كازاخستان نور سلطان نزاربايف الذي عمد إلى طباعة 20 ألف نسخة، وتحدثت معه في هذا الموضوع فأبلغني أنه طبع 10 آلاف نسخة هدية لروسيا، ومثلها لكازاخستان.
وهناك زعماء وباحثون آخرون كثر، طبعوا نسخاً متعددة من الترجمة.
كذلك فإننا نهدي على حسابنا الخاص، «على حساب عائلتي»، نسخاً إلى الجامعات.
أهدينا الكثير، من نسخ ترجمة معاني القرآن. وهذا مبعث سرور بالغ. وكذا سررت أيضاً، عندما زارني قس من محافظة تيومين. وقال: إن السجناء هناك، يستمعون إلى المواعظ المسيحية فقط. وعندهم أعداد كثيرة من الأناجيل. لكن المسلمين لا يحضرون تلك المواعظ. ويصرون على أن يروا القرآن الكريم متوافراً هناك. وهكذا بادرنا وأرسلنا إليهم مع القس، 300 نسخة من كتاب ترجمة وتفسير معاني القرآن الكريم.
كما أرسلنا حوالي 1000 نسخة إلى أربعة معتقلات في محافظة كالوغا. واتصل بي هاتفياً، آمر فوج في الجيش هناك، وأبلغني أن جنوداً مسلمين يخدمون في فوجه.. والكنيسة تزودهم بالأناجيل. ولا أحد يعطيهم نسخاً من القرآن. وأبلغته في الحال، إنني أخصص لفوجه، 300 نسخة. وفي الصندوق الخيري الدولي للوفاق بين الأديان، الذي أترأسه. نوزع الكتب مجاناً.
اهتمام متنامٍ
تتحدث إيمان فاليريا بورخافا، عن اهتمامها البالغ في أن تحاضر وتعقد الندوات، حول قيمة الإسلام وسماحته وتميزه. وتقول في الشان:
أنا أجد أن الاهتمام بالإسلام حالياً، كبير للغاية. وبطبيعة الحال، لم أتأخر عن تكثيف جهودي لتوضيح صورته الحق. إذ ألقيت الكثير من المحاضرات عن الإسلام. وكان بين المستمعين، خريجي المعهد العسكري للغات الأجنبية. وهم في الأربعين أو الخمسين من العمر. وكلهم يعملون في اختصاصاتهم. لكن اهتمامهم بالإسلام كبير. وهناك موظفو مديرية أمن الدولة الذين طلبوا مني إلقاء محاضرات في الخصوص.
وقالوا: إنهم يعملون في شتى أرجاء روسيا. ويريدون معلومات أوسع تفيدهم في التعامل مع المسلمين. والحقيقة أن الاهتمام بالإسلام في روسيا الاتحادية لا حدود له. وأريد الإشارة إلى أن عدد المسلمين في الاتحاد السوفييتي السابق بلغ 60 مليوناً. وفي آسيا الوسطى كلها وفي شمال القوقاز. وكلهم ناطقون بالروسية.
وقد استلم هؤلاء الناس القرآن مع تفسير موسع باللغة الروسية. علماً أنهم أناس على مستوى ثقافي رفيع. كما أن الأوزبيكيين عندنا، ليس كما كانوا قبل الثورة. والكازاخيون عندنا هم من حملة الشهادات الجامعية. وعندما توافرت للناس النصوص القرآنية مع التفسير الموسع بلغتهم. كان ذلك باعتقادي حدثاً مهماً حقاً بالنسبة لهم.
ترجمة معاني ودلالات القرآن إلى الروسية
ركزت إيمان فاليريا بورخافا، في «ترجمة وتفسير معاني القرآن الكريم إلى اللغة الروسية»، على تبني واعتماد نهج تحقيق وتثبت علمي، متخصص، حاولت معه توخي الدقة التامة في توضيح وتفسير معاني القرآن الكريم، باللغة الروسية، معتمدة على آراء وتفسيرات مجموعة مهمة من الأئمة والفقهاء، ومتبنية ركائز المقارنة العلمية والأخذ بعد الإجماع على المعلومة بينهم.
تحدٍ
أود أن أشير هنا إلى أن التفاسير المختلفة يمكنها أن تأتي بتأويلات متباينة لدلالات المفردات والآيات القرآنية. وهكذا واجهت صعوبات جمة إلى أن تمكنت من نقل الدلالات والمعاني المتعددة الصعد والمستويات، إلى اللغة الروسية. بعبارة أخرى: كان ماثلاً أمامي: كيف يمكن نقل تعددية معاني الكلمة في اللغة العربية إلى اللغة الروسية؟
معوقات ونجاح
جميع تلك المعوقات لم تعجزني . فلم أعدم الحيلة والوسيلة المناسبتين. وكان ذلك على النحو التالي: عندما أجد إجماعاً في التفاسير، على معنى واحد، لتوضيح المفردة القرآنية. كنت أنقل ذلك المعنى، وفقاً للإجماع الوارد في التفاسير. فإذا كانت هناك تفاسير: الطبري أو الرازي أو القرطبي، آخذ المعنى على أساس الأولوية. وأشير في حواشي الترجمة، إلى أن ثمة تبايناً في تفسير أو تأويل هذه الآية أو تلك.
واعتمد شخصياً التفسير الأدق، الذي يقدمه الفيلسوف المتصوف أبو حامد الغزالي. أنا معجبة بهذه المنهجية أشد الإعجاب، حيث توفر للقارئ مجالاً للاختيار بين المعاني التي تقترحها التفاسير المتنوعة.
أساس
ولا تغفل الكاتبة، في صلب حديثها عن مكانة القرآن الكريم ودور ترجمتها لتفسيراته ومعانيه إلى اللغة الروسية، التأكيد على فرادة وعلو مكانة الإعجاز الأدبي البلاغي فيه. وتقول في الخصوص:
هناك حكاية خاصة بي في هذا الصدد، متعلقة بموضوع تقديري لغنى ومدى عمق وفرادة بلاغة القرآن الكريم. فأنا كنت أدرس مع مجموعة طلابية خصوصية، في معهد اللغات الأجنبية.
وكان المعهد الوحيد من هذا النوع في الاتحاد السوفييتي السابق، وتميز بأنه الأعلى مستوى في التأهيل. وكنت وأنا أدرس فيه، أتلقى فن التحضير والترجمة على يدي الباحثة زويا زاروبينا، تلك المرأة التي يعرفها العالم كله. وكانت قد حضرت المداولات البرلمانية في مجلس العموم البريطاني. وأقول: ربما وبغير تواضع، أنها اختارتني أنا شخصياً. ودرّبتني على منهجية النقل الدقيق جداً في معاني النص. ومن هنا كان منبع إدراكي لتميز بلاغة القرآن الكريم.
بطاقة
إيمان فاليريا بورخافا. كاتبة وباحثة روسية. خريجة معهد اللغات الأجنبية.. وكذلك كلية الفلسفة - في جامعة موسكو الحكومية. عضو في الأكاديمية الروسية للعلوم الطبيعية. وأستاذة في جامعة القاهرة. عضو اتحاد الكتاب الروس وعضو أكاديمية العلوم الإنسانية. حائزة على ميدالية في سبيل الوحدة الدينية من الإدارة الدينية لمسلمي الإقليم الأوروبي في روسيا.


