ليس سهلاً أن تضع كتاباً عن تاريخ سوريا المعاصر، نظراً لأن المصادر شحيحة، ومخبأة ومحفوفة بالمخاطر، عدا عن سيطرة فكرة أن الحياة في سوريا قبل الثامن من مارس 1963: انقلاب (حزب البعث) على المناهج المدرسية والأدبيات السياسية، كانت مجرد حياة جاهلية، فجاء رفاق ميشيل عفلق وأشعلوا النور أمام العمال والفلاحين!

من مناخ كهذا، قلة ضلوا عن طريق العمال والفلاحين، وبحثوا عن سوريا المسكوت عنها، سوريا الاستقلال ما قبل وما بعد، فوجدوها في الأسوار العالية والمنافي الجبرية، والصحافة المصادرة أو التي عطلها رقباء (من غشنا.. ليس منا)، حيث كانت تصدر عشرات الصحف والمجلات، منها: 48 صحيفة في دمشق و22 صحيفة في حلب.

في كتابها (من الانتداب إلى الانقلاب ـ سورية زمان نجيب الريس)، تقدم الشاعرة والصحفية السورية سعاد جروس، وثيقة تكشف عن الغنى والحيويّة في سوريا، من خلال أحد أبرز الوجوه الوطنية: السياسي والصحافي نجيب الريس (1898 ـ 1952)، الذي أسس جريدة القبس عام 1928، والتي كان الفرنسيون يعطلون صدورها مرة بعد مرة. وكان مؤسسها نزيل سجون الاحتلال عدة مرات، من حلب إلى دمشق إلى بيروت، وصولاً إلى أرواد الجزيرة الصغيرة على الساحل السوري، حيث كتب قصيدته المشهورة (والتي أصبحت نشيداً ثورياً يردده الأحرار في كل مكان):

يـــا ظلــامَ السّــــجنِ خَيِّمْ

إنّنـــا نَــــهْـوَى الظـــلامَ

ليسَ بعدَ الليل إلا

فجـــــرُ مجــــدٍ يتَسَـــامى

في كتابها، تسرد سعاد جروس، تاريخ أحزاب وأشخاص، وتوثق أحداثاً وتحولات، وترصد مواقف، وتدعم بوثائق وصور. وبطريقة منهجية، تقدم للقارئ عبر 574 صفحة، ما يثري حاجته لمعرفة المزيد عن تاريخ سوريا، التي تمر منذ أربع سنوات بمحنة لا تشبهها محنة أخرى.

قبل الدخول إلى الكتاب، وضعت سعاد مقدمة عن آلية عملها بلغة رشيقة، بعنوان (رحلة في الزمن الصعب). ووضع رياض نجيب الريس، مُفتتحاً للكتاب بعنوان (بانت سعاد...). ومن ثم، يقودك نجيب الريس إلى رحلة غنية في سوريا، من الانتداب إلى الانقلاب. إنه كتاب مهم وغني، ولعل فيه إجابات عن أسئلة اليوم.