يعد جيمس غراهام من أبرز كتاب المسرح السياسي في بريطانيا حالياً. وفي شهر مايو عشية الانتخابات العامة في بريطانيا، عرضت «القناة الرابعة» مسرحيته «الاقتراع»، التي تدور أحداثها حول ما يحصل في صناديق الاقتراع في الدقائق التسعين الأخيرة قبل إغلاقها، كما عرضت القناة مسرحيته الأخرى «الائتلاف» وهي عن الأيام الخمسة المحمومة التي سبقت تشكيل الحكومة البريطانية في مايو 2010..

وللكاتب مسرحية تعرض في برودواي، حاليا، «العثور على أرض الخلود» لمؤلفها الروائي الاسكتلندي جيمس ماثيو باري، إلى جانب مشاريع أخرى. غراهام، وفي حديثه أخيرا، إلى صحيفة «أوبزرفر» البريطانية، استعرض طبيعة الأحداث التي دفعته إلى المسرح السياسي، إذ قال هذا الكاتب، المولود في بلدة مناجم الفحم في نوتنغهام شاير:

«أتذكر أنني ترعرعت في أوقات صعبة، لأن المناجم كانت تغلق أبوابها» في الفترة التي أعقبت «صدمة النزاع المحموم بين عمال المناجم ورئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارغريت تاتشر». وهو يذكر أن والدته تولت وظائف عدة حينها، بما في ذلك العمل بالمقاهي في الليالي، قبل أن تستقر في وظيفة سكرتيرة في مدرسة.

1992

بيد أن ما أشعل مخيلته السياسية حقاً، المواقف المتباينة التي اتخذها كل من والديه في انتخابات عام 1992، حيث صوت أحدهما لحزب العمال والآخر للمحافظين، ويقول: «كنت فضوليا، كيف يمكن أن يكون شخصان أحبا بعضهما فيما مضى، بوجهتي نظر مختلفة إلى هذا الحد، بشأن الطريقة التي كانا يرغبان فيها أن يتجه المجتمع؟».

البلدة التي ترعرع فيها انقسمت بحدة، وبدت حسب وصفه «مثل بلدة حدودية بطابع غريب من العمل السياسي». ويذكر أن معظم عمال المناجم في نوتنغهام شاير لم يضربوا عن العمل، ويصف الوضع قائلا: «لم يكن الأمر قاطعا بين الإضراب أو عدم الإضراب، أو الاتجاه يمينا أو يسارا، أو مع أو ضد. وأنا لطالما أعجبتني تلك المنطقة الرمادية في الأشياء وتعقيداتها».

ويجد غراهام أن كثيرا من المسرحيات السياسية تحوي صوتا واحدا، وهو التهكم، فيما يصور التلفزيون بشكل نمطي، السياسيين بأنهم، إما وحوش مكيافيليون أو أقزاما مثيرين للشفقة..

وطالما شعر بالإحباط لغياب الدراما التي تصور السياسيين كمخلوقات أكثر تعقيدا وإثارة للاهتمام. ويقول إنه لا يوجد في العالم أشخاص يستيقظون كل صباح وهم يفكرون كيف يتلاعبون بحياة الناس، والسياسيون في مسرحيات غراهام ليسوا أوغادا كاريكاتيريين، وليسوا من الصنف المبالغ في مثاليتهم.

تعيدنا مسرحيته التي حققت نجاحا «ذيس هاوس» عام 2012، إلى السبعينيات من القرن الـ20، عندما واجهت حكومة أقلية لحزب العمال صراعاً من أجل البقاء، وتركز على المكائد واحيانا الصداقة بين أعضاء مسؤولي اللجان الحزبية المتنافسة. ويقول: «أحب إضفاء الطبيعة الإنسانية على السياسة بأناسها الحقيقيين».

يجد الكاتب السرد القصصي أساس العمل المسرحي، وكل شيء آخر، مثل الأسلوب واللهجة والحوار، يأتي في المرتبة الثانية. ويعد بحثه الجاد قبل كتابة مسرحياته أهم مصادر نجاحه، ففي مسرحيته «ذيس هاوس» قابل العديد من السياسيين الذين عاشوا تلك الحقبة، كذلك فعل في «الائتلاف»، ويقول عن هذه النقطة:

«أعلم أنني لن أكون صحافيا جيدا، لا يمكنني ممارسة الضغوط، لست فضوليا، أريد فقط أن اذهب واستمع اليهم. أريدهم أن يكونوا قادرين على قول أشياء لي، ولا يترجموها على الفور إلى تصريح مباشر. الأمر يقتصر على حصولي على نكهة للموضوع».

أما نقـــطة البداية بالنســـبة له، فتكــــمن في إظهار التعاطف تجاه المأزق الذي يجد السياسيون أنفسهم فيه: «يضعهم الجمهور أمام وضـــع مستـــحيل. لا ندري من منــكم نريد ولديكـــم خمسة أيام لتنظيم الأوضاع، نريدكم أن تساوموا، لكن عندما تفـــعلون ذلك فسوف نعتبر ذلك خيانة وسنشعر بالغضب، وإذا لم تساوموا، فإنكم بذلك تخذــــلون البلاد لأنكم أنانيون».

ولهذا السبب لا تنحاز مسرحياته عاطفيا. هناك لحـــظات تتجلى عندما ينجذب الجمهور للتعاطف مع زعيم حزب الليبراليين الديمقراطيين نك كليغ، يبرز الرجل خارج اللعبة والذي أصبح فجأة صانع ملوك، ويقول غراهام: «انه رجل في الوسط عليه اتخاذ أهم القرارات وتحمل أكبر الخسائر.

وأريد من الجمهور أن يسألوا أنفسهم ماذا كانوا سيفعلون لو أنهم في مكانه». وفي بعض الأحيان، تثير المسرحية التعاطف مع رئيس وزراء بريطانيا الأسبق غوردن براون، عندما يرضى بنهاية حياته السياسية. ويقول : «قصة شكسبيرية عن الصعود والسقوط». أما بالنسبة للمحافظين..

فيعجب غراهام بالمهنية الباردة التي سعوا فيها وراء السلطة. ومسرحيته تلتقط أجواء العصر، فهو يجد حــزب العمال غير مهيأ لبرلمان من دون أغلبية مطلقة، وديفيد كاميرون يائس للوصول إلى داونينغ ستريت. ونيك كليغ متضايق لكنه قرر من البداية أن صفقة مع المحـــافظين هي الطريق الوحيدة لحزبه.

وهو يرى أنه إذا التزم بما يقوله السياسيون حرفيا، فإن مسرحيته «ستكون دراما رهيبة، عبارة عن وثائقي»، وهو يحاول ابتداع طريقة لتوضيح الأمر للجمهور: «عندما يكون الممثلون أمام الميكروفون فإنهم يتلفظون حرفيا بما قيل في الخطاب، وعندما يعبرون الباب ويغلقونه، يعلم الجمهور أن ما يحدث هو تفسيري الأفضل للأحداث».

الكاتب في سطور

ولد جيمس غراهام في عام 1982 في منطقة المناجم في نوتينغهام شاير، درس المسرح في جامعة هال، حيث قدم مسرحيته الكوميدية الساخرة «كول ليس دول!» في مهرجان أدنبرة، فوصفته صحيفة «سكوتسمان» بـ«الكاتب والمخرج الواعد». انتقل إلى لندن في عام 2004 ليعرض على مسرح فينبورو مسرحيته «البرتس بوي» (2005).

وفاز بمنحة مالية عام 2006، وكذا بجائزة كاثرين جونسون عام 2007 عن مسرحية «إمبراطورية عدن» (2006). وتوالت مسرحياته، ومنها: «أبناء يورك»، «توري بويز»، «ذيس هاوس» التي رشحت لجائزة «أوليفر»، «الخصوصية».

مسرح تشكله ردود أفعال جمهور «ينتخب بتصفيقه»

يحوي كتاب «مسرحيات جيمس غراهام»، الصادر في ديسمبر 2012، خمس مسرحيات للكاتب، هي أبناء يورك، تاريخ الأشياء المتساقطة، توري بويز، الرجل، ذواق الويسكي. وغراهام الذي يقسو على نفسه وعلى النص أحيانا لأنه يريد إرضاء الجمهور، يقول عن مسرحياته: ما ان تعرض على الجمهور، حتى يبدأ هذا الأخير بتشكيل النص بردود أفعاله، مضيفاً:

حتى لو كانت هناك أشياء اعتقد أنها جميلة في النص، فإذا كانت لا تؤدي دورها بشكل مناسب، فإنه سيكون علي شطبها من المسرحية، وهذه ديمقراطية المسرح، حيث «ينتخب الناس بأصواتهم وتصفيقهم وأقدامهم».

نرى في كتابه «مسرحيات جيمس غراهام» مجموعة متنوعة، إذ هناك:

أولاً:

«أبناء يورك»، هذه المسرحية التي لم تنشر من قبل، عرضت على مسرح فينبورو عام 2008، ورشحت لجائزة «أمبتي سبايس». وهي تصور حياة ثلاثة أجيال ضمن عائلة في منطقة هال خلال الإضرابات الواسعة للقطاع العام في بريطانيا عام 1978، ضد سياسات حكومة حزب العمال للحد من التضخم، فيما عرف بـ«شتاء الاستياء».

ويبرهن اللقاء العائلي بانه متفجر في شارع آرثر، الأم تلفظ أنفاسها، والأب لا يمكنه التعامل مع الوضع، ولا أحد يجرؤ أن يخبره بأن حفيده مارك لا يريد أن يصبح عامل مصنع، المسرحية تجسد صورة العائلة والبلاد في أوضاع متحولة، وتسعى إلى معالجة أخلاقيات السياسة في بريطانيا.

ثانياً:

«تاريخ الأشياء المتساقطة»، عرضت للمرة الأولى عام 2009، وهي عبارة عن قصة حب بين رجل وامرأه يجبران على مواجهة مخاوفهما من العالم الخارجي، واكتشاف ما يهم حقا في حياتهما. في المسرحية شاب يدعى روبن يرتدي خوذة دراجة، وفجأة يقع حذاء على رأسه، ينظر مذهولا إلى السماء ثم يلجأ للاختباء تحت الطاولة طلباً لمزيد من الأمان.

وفي تلك اللحظة، تنتابه حالة من الرهاب، ويتولد لديه الخوف من تساقط الأقمار الاصطناعية، والشاب روبن الذي يؤدي دوره الممثل سيون بريتشارد يعاني من هذه الحالة منذ القدم، أما صديقته جاكي التي تلعب دورها الممثلة كايتي ماغينيز، فقد أصيبت بها بعد تفجيرات لندن عندما علقت في مترو الأنفاق..

والاثنان لا يمكنهما أن يلتقيا إلا عبر الإنترنت، على الرغم من أن منزليهما لا يبعدان إلا بضعة شوارع. المسرحية من النوع الكوميدي الرومانسي، والقصة رقيقة ومؤثرة ومضحكة، تستكشف المخاوف غير العقلانية عن شخصين لا يستطيعان مواجهة العالم الحقيقي وينسحبان من المجتمع.

ثالثاً:

«توري بويز» عبارة عن كوميديا سياسية جريئة تدور حول مشاعر التحامل التي تدور داخل أروقة السلطة في وستمنستر، مقر الحكومة البريطانية، حيث سعي الوزراء إلى حفظ ماء الوجه وتجنب الفضائح يشكلان شغلهم الشاغل، وعرضت أولا على مسرح «سوهو» اللندني في عام 2008، ثم على مسرح الشباب الوطني.

رابعاً:

«الرجل». عرضت في 2010 على مسرح فينبورو، تصور المسرحية بشكل مضحك ومؤثر سنة في حياة رجل عصبي يدعى بن يعمل لحسابه الخاص، حياته مرتبطة بالإيصالات الضريبية والتسوق. في كل وصل استلام هناك قصة فريدة، تثير النجاحات والمآسي، ذكريات عن أشياء ذهبت باتجاه الخطأ أو الصحيح، ورحلات قام بها، وعلاقات بدأت وانتهت.

أربعة ممثلين يتبادلون دور بن، وتسلسل الأحداث يعتمد على وصل الاستلام الذي كان قد تم تسليمه إلى الجمهور أثناء دخوله المسرح، والذي يطالب به بن وهو يصارع في ملء استمارة إيراداته الضريبية مستعيداً ذكرياته لسنة في لندن.

خامساً:

«ذواق الويسكي». عرضت على مسرح بوش عام 2010، تستكشف عالم الإعلانات. المسرحية تدور حول فريق لوكالة إعلانات يخطط من أجل حملة لمشروب جديد. نيكولا يعتمد على قدراته على التحدث بثقة وسهولة وإقناع الناس بالمنـــتج، وبارني يعتمد على موهبة تحويل المشاعر وحواس الشم والتذوق ورؤية الألوان من أحاسيس إلى كلمات.