جملة طقوس وحكايا تتآلف في ثوب روائي محكم في تشويقه وحبكته، لتصوغ أفكارا وتحاكي قيما طالما التصقت بمدينة تاريخية لن تموت عطور إشراقها وانفتاحها. ربما ذاك التوصيف أبلغ ما يسم (بخور عدني) للروائي اليمني علي المقري..

والذي لا يخفي، في حواره مع (بيان الكتب)، تركيزه في العمل على استدعاء التاريخ بمنحى اسقاطي ذكي، مبينا أنه يرى الاستشراق كلمة/مفهوما، جاءت من الاشتغال الثقافي السياسي وليس لها أي مكان في عمل فني روائي، إلاّ إذا كان هذا العمل وعاء لهذه الأفكار الأيديولوجية.

لم تذهب بعيدا في استدعاء التاريخ، لامست طرفا منه وأنت تقرأ انسحاب أحداثه على ما هو سياسي واجتماعي. هل هذا عائد إلى كون الرواية التاريخية لعبة خطرة، توهم الواقع وتسقط في لغته المباشرة؟

كتبتُ «بخور عدني» وكأنني أعيش في تلك المرحلة التي اكتفيت بتقديم إشارات عنها في الرواية، ولهذا لا أعتبرها رواية تاريخية. فمفهوم الرواية التاريخية لم يعد يتوافق مع ما ينتج الآن من روايات، وهناك ما صار يعرف بالتخيل التاريخي.

ولا أرى أن الرواية التاريخية خطرة أو مهمة إلى هذا الحد فهي عادة ما تقدم رؤية لتاريخ محدد تنحاز فيها إلى فئة أو طبقة ما، أما الرواية التي تنحاز إلى الفن الروائي وليس إلى البعد الأيديولوجي في التاريخ فهي الأكثر صعوبة، إذ تقدم مساءلات واختبارات ربما تحفز على الأسئلة والبحث ولا تعنى بتقديم أجوبة وأحكام.

(الآخر)

النسيج الروائي في «بخور عدني» يقوم على إحياء مندثرات لم تعد موجودة. أهو الحنين إلى عدن المغيّبة قسراً أم أنه الخواء بكل فجاجته وخوائه؟ أو كلاهما معا؟

لا أدري في الحقيقة، لكن أظن أنني حاولت أن أبحث في أسئلة كانت ملحة بالنسبة لي، عن إشكالية التعايش بين الناس في مجتمع لم يكن فيه مفهوم (الآخر) قد ساد، أو أن كل من فيها في الأساس كان آخر. إلى جانب مفهوم الوطن وسلطته.

إذن، أي وطن تبحث عنه في روايتك؟

الوطن يبدو محنة أساسية عند السارد الرئيس في الرواية، لكنها محنة لا تبحث عن معنى لها، أي لا تبحث عن الوطن أو معناه، وإنما تبحث عن البديل لهذا الوطن نفسه، عن إمكانية العيش في مكان حميم دون أن يسمى وطناً وله قوانينه (الوطنية) التي ضاق منها القادم من فرنسا إلى عدن.

ربما

أين هي المدينة التي تمنح كل من يسكنها أو يمر بها لقب العدني، كما جاء في الرواية، من عدن الحاضرة بحروبها الأهلية ومآسيها وانهيار مؤسساتها وتضعضع مجتمعاتها وتفككها؟

عدن، مثلها مثل كلّ المدن البحريّة أو الساحلية، ستبقى عصيّة على التدجين. فقانون وجودها الطبيعي، إذا كان هناك من قانون، يدعها منفتحة.

هل الالتباس القائم بين شخصيتي فرنسوا وميشيل نوع من التماهي المتعمد. تماهٍ يخلق نوعا من الضياع وفقدان الهــــوية في مواجهة ما يحدث لليمن من تشكيك في هويتها الوطنية؟

ربّما وربّما، لك أن تقرأ ما تريد في الرواية، لكن هناك تماهيا أيضا من نوع أهم كما يبدو لي، وهو أن الـ(أنا) يمكن ان تصير الـ(آخر) والـ(آخر) ربما يصير (أنا)، هكذا قد يكون الآخر هو نحن، سواء في ضياعنا أو في فقدنا حياتنا المرجوة.

أسئلة

«بخور عدني» مكتوبة بعين استشراقية. هل هذا عائد إلى كونك تود أن ترى إلى عدنك بعين غربية، فيمكنك عندئذٍ أن تقبض حتى على التفاصيل الصغيرة والأكثر حميمية، من دون أن تسقط في دوامة العواطف واستيهامات المشاعر والأحاسيس؟

الاستشراق كلمة جاءت من الاشتغال الثقافي السياسي، وليس لها أي مكان كما يبدو لي في عمل فني روائي، إلاّ إذا كان هذا العمل وعاء لهذه الأفكار الأيديولوجية. ولهذا لا أظن أن السارد الفرنسي في الرواية استشراقي، كما لا أعتقد أن بالإمكان القول إنه استغرابي. فالآخر يحتمل ان يكون هو نحن، كما قلت، وعذاباته الوجودية ليست بمعزل عنا.

أهو اليأس والقنوط دفعك إلى القول على لسان بطلك: «تحاول أن تتذكر كل ما في وسعك أن تذكره كعزاء أخير لحياتك»؟

أظن أن الرواية لا تقدم أجوبة نهائية عن مصير شخصياتها، وإن كانت تبدو كذلك، فهناك أسئلة ما بعد هذه المصائر، وهو ما يدع الرواية بلا نهاية محددة أو محصورة، ولهذا فهي تتجاوز، كما أظن، مسألة اليأس والأمل معاً.

نسيج كوني ومدينة تفتح آفاق التلاقي

 ينكبُّ الروائي اليمني علي المقري، في روايته الصادرة حديثا «بخور عدني» على كتابة نصٍ روائي، يحشد في متنه كما من الاحداث، هي في النهاية استرجاع لسيرة مدينة، ستشهد تحولات في مسار كينونتها، بين الحرب العالمية الثانية واوائل السبعينيات من القرن الـ20، وهي الفترة الزمنية التي تشغلها احداث الرواية.

خيط وتوال

الخيط الذي يجمع توالي الاحداث وتعاقبها، ينسلّ من النسيج الكوني لمدينة، تنفتح آفاق التلاقي فيها على هوياتٍ مُختلفة، فمن اليسير على من عاش أحوالها وخبر تلاقي القاطنين فيها، وممن يمّم شطرها بحثا عن هوية ضائع، أن يدرك طبيعة الحياة القائمة بالفطرة على قبول الآخر واعتباره مواطنا بالدرجة الاولى.

تنتهي الرواية من حيث بدأت. فرنسواز القادم الى عدن هربا من بلده الغارق في أتون الحرب، بحثا عن وطن بديل، يعجز في النهاية عن تلمس هوية له. وهذا ما تكشفه الاسئلة الحارقة التي يخاطب بها نفسه: من تكون أنت؟ هل ستعترف في الأخير، بما لم تعترف به من قبل؟ من قال لك ان الوطن كذبة كبيرة؟ هل كنت تحلم؟

التباس

الوطن على حد زعمه سيبقى وهما. عبرَ كل تلك المسافة ليبحث عن بديل عنه. سيرحل، لكنه سيبقى على إيمانه بأن ما أقدم عليه، في النهاية، جزء من خياره. يكفيه القول انه كان في يوم من الايام عدنيا، سيبقى يحاول ان يتذكر كل ما في وسعه ان يتذكره كعزاء أخير لحياته.

في خضم الرواية تتعدد الاحداث، وهي ترسم هيئة متخيلة لعدن، المدينة الضّاجة باحلام الوافدين اليها والقاطنين فيها. فرنسواز، الشخصية التي تنعقد حولها الاحداث، توجّه السرد في اتجاهات مُختلفة، لكنها لا تحيد عن كونها احداثا تتعاقب في مسرىً واحد.

تصاعد درامي موجه

الالتباس الذي يخلقه فرنسواز في بداية السرد حول اسمه وهويته يطرح إشكالية، لا تني عن تعريتها احداث جمة، تتشابك وتتوالد في تضاعيف النص الروائي، مموهة احيانا بظلال، ترخيها على المشهد البصري سمات الشخوص.

يعرفُ علي المقري كيف يوجّهها فيزيولوجيا ونفسيا وفكريا، ويتابع حركة تصاعدها الدرامي. هذا ما يلمسه القارئ في سيرة ماما التي غدت بأحلامها ضمير الامة ودليله الى خفاياها، بشخصيتها الفريدة والمميزة، الامينة والحريصة على صداقاتها وعلاقاتها الانسانية. عشقها الجميع من دون أن يجرؤ احد على التفرد بها أو التفكير باتخاذها زوجة له.

يتعرف بها فرنسواز، تحضنه وترعاه وتعرّفه على خفايا المدينة بعوالمها وخفاياها وشخوصها.

شمعة المغنية اليهودية، تستقطب الحفلات التي تقيمها كُثرا من المعجبين، تعيش حياة عاطفية صاخبة، فتعرف اكثر من رجل.

عوالم

شمعون، صاحب الدكان والعارف الذي جهد لتعليم فرنسواز اللغة العربية وعايشة وماري وآخرون.. لكل منهم نزعات وميول خاصة. هؤلاء يشكلون نسيجا إنسانيا متنوعا إثنيا وطائفيا وقوميا، اتخذوا من عدن مُستقرا لهم، في الفترة التي كانت فيها تحت الاحتلال البريطاني. استطاعت المدينة ان تحضن رغباتهم، أن توجه سلوكهم في الاتجاه الذي يريدون. وهذا ما اتاح لهم حرية الارادة في التصرف والتعبير.

تشغل الرواية هذا الحيز الطوباوي من عالم المدينة، رغم الصخب والضجيج اللذين يرسمان أفقها ويوسعان مداه. وكأننا بالراوي يحدد مسرى أحداثه منطلقا في رسم عوالمها من الاحداث التي عرفها عالمنا العربي، بُعيد ما اصطلح على تسميته الربيع العربي.