تبنت شركة/موقع أمازون، الإلكترونية العالمية، في العام الفائت، طباعة كتاب الدكتور البحريني راشد بن صقر الجلاهمة وبيعه، لما تضمنه من ميزات رائعة في مجال إدارة الجودة الشاملة والثقافة التنظيمية، وهو الكتاب الحائز عل المركز الأول في مؤتمر رسائل الدكتوراه الذي انعقد في المملكة المتحدة لعام 2012م. وعنون الجلاهمة كتابه بـ (تأثير الثقافة التنظيمية على معوقات تطبيق إدارة الجودة الشاملة)، حيث تناول فيه مدى تأثير الثقافة التنظيمية في الحد من معوقات الجودة، في أي منظمة أو وزارة أو مؤسسة، مهما كان حجمها، ربحية كانت أم غير ربحية.

وهو يؤكد في حواره مع (بيان الكتب)، وانطلاقاً من خلاصات عمله والنتائج التي توصل إليها، أنه وجد في دول الخليج، ومن ضمنها دبي بشكل خاص، نموذجاً رائداً فريداً في خصوص ثقافة التنظيم للعمل والحياة وعلى صعيد معاييير الجودة الشاملة. ويرى أنه يتوجب علينا في العالم العربي، أولاً، الاعتراف بوجود الأخطاء والمعوقات التي تحول دون تطبيق الجودة، لنضع يدنا بذلك على الجرح ونبادر إلى حلوله ومعالجته.

بداية، ما يعنيه ويشتمل عليه «مفهوم تطبيق إدارة الجودة الشاملة»؟

إن مفهوم إدارة الجودة الشاملة يعتبر من المفاهيم الإدارية الحديثة التي تهدف إلى تحسين وتطوير الأداء بصفة مستمرة، وذلك من خلال الاستجابة لمتطلبات المستفيد، وهي تعني جميع الأنشطة التي يبذلها مجموعة الأفراد المسؤولين عن تسيير شؤون المؤسسة، والتي تشمل التخطيط والتنفيذ والتقييم، حيث إنها عملية التنسيق التي تجري داخل المؤسسة بغرض التغلب على ما فيها من مشكلات، والمساهمة بشكل مباشر في تحقيق النتائج المرجوة، وبالتالي فهي عملية مستمرة لتحسين الجودة والمحافظة عليها.

مصطلح ودلالات

ما مدى تأثير الثقافة التنظيمية لدى الأفراد في المؤسسات على تطبيق الجودة؟

لا شك في أن مصطلح الثقافة له دلالات ومضامين واسعة تختلف باختلاف الأفراد والمجتمعات، فكل إنسان له ثقافته التي تميزه، كما أن لكل مجتمع ثقافته التي تميزه عن غيره من المجتمعات، والمتفق عليه أن الثقافة تلعب دوراً كبيراً في حياة الأفراد والمجتمعات والمؤسسات، إذ تشكل البنية الأساسية لطرق التفكير وآليات التفاعل الاجتماعي، وهذا بطبيعة الحال يؤثر على فلسفة المجتمعات والأفراد والمؤسسات وعلى مستوى أدائها وإنتاجها وتفوقها في أدائها. ولا شك في أن الثقافة التنظيمية جزء لا يتجزأ من مفهوم الثقافة الواسع.

وهذا يعني أن لكل منظمة ثقافتها التنظيمية وسلوكها التنظيمي الذي يميزها عن غيرها، بمعنى أن الثقافة التنظيمية تعبر عن قيم وسلوك الأفراد داخل المنظمة أو المؤسسة، ومن ثم يتحدد الأسلوب الذي ينتهجونه في سلوكهم واتخاذ قراراتهم داخل مؤسساتهم.

وبناء على ذلك فإذا كانت الثقافة التنظيمية للإدارة والأفراد في المؤسسات المختلفة لديها القابلية للتحسين والتطوير المستمر، فإن ذلك ينعكس بكل تأكيد على مدى تبني تطبيق إدارة الجودة الشاملة.. والعكس صحيح.

بمعنى أدق وأكثر شمولية، يمكنني القول: إن الثقافة التنظيمية التي تعكس سلوك الأفراد داخل منظماتهم تقوم على مجموعة المعتقدات والقيم والافتراضات والقواعد والعادات المتأصلة لديهم. وهذا طبعاً ينعكس على مدى تبني الجودة وتطبيقها والسعي إلى تحقيق التحسين الدائم.

أساس

هل الاعتراف بوجود المعوقات والأخطاء في المؤسسات يساعد في تطبيق الجودة؟

نعم، بكل تأكيد فالاعتراف بالمشكلات والمعوقات الموجودة في المؤسسات الخطوة الأولى على صعيد تطبيق الجودة في المؤسسة، إذ إن الكشف عن وجود المشكلة جزء لا يتجزأ من حلها، كما أن الإقرار بوجود هذه المشكلات يعطي دافعاً للمسؤولين داخل المنظمة إلى السعي لإيجاد الحلول المناسبة لتخطيها والتغلب عليها من أجل تحسين الأداء داخل المؤسسة.. ومن ثم تحسين وتطوير مخرجاتها التي تعود بالفائدة عليها وعلى المسؤولين والعاملين فيها بكل تأكيد. ومن هذا المنطلق لا توجد طريق لتجاوز المشكلات إلا بالارتقاء في أداء العمل واتقانه.. وذاك هو صميم تطبيق الجودة.

معوقات وتنوع

ما أهم ملامح المعوقات لتطبيق الإدارة الشاملة للجودة في المؤسسات؟

من أول المعوقات التي تؤثر تأثيراً مباشراً في تطبيق الجودة عدم اقتناع إدارات المؤسسات بمدى فاعلية تطبيق الجودة الشاملة لرفع مستوى المؤسسة وتطويرها. كذلك التركيز على المخرجات من دون إدراك أهمية المدخلات والعمليات الإدارية داخل المؤسسة. وأيضاً من أبرز المعوقات: التركيز على العميل أو المستفيد الخارجي وإرضائه بشتى السبل، في حين يعاني العميل الداخلي (الموظف) من التهميش أو الضغط أو قلة التقدير، على الرغم من أنه هو المحقق الفعلي لنجاح المؤسسة، والتطوير لا بد أن يبدأ من الداخل.

وكذا من أهم المعوقات، عدم نشر ثقافة الجودة بين جميع طاقم العمل في المؤسسة. إذ تجد الإدارة تعمل وفق أعلى مستويات الجودة، في حين أن عدداً من الموظفين يعملون بصورة روتينية يومية بلا معرفة ماهية الجودة التي تتبناها المؤسسة.

ومن المعوقات كذلك، عدم توفير ما يكفي من الموارد البشرية المؤهلة.. والموارد المادية كالتكنولوجيا ونحوها. ومن المعوقات لتطبيق الجودة في المؤسسات، عدم وجود نظم للحوافز والمكافآت، الأمر الذي يُشعر الموظف بالإحباط. ومن ثم بكل تأكيد، بتدني مستوى الإنتاجية. وهناك حيثية قلة الإبداع في بعض المؤسسات.. وانعدامه في مؤسسات أخرى، وهذا ما يؤدي إلى الرتابة في العمل وعدم القدرة على مسايرة التطور السريع في ساحة الجودة المطلوبة.

وفي العموم، لا شك في أن المعوقات تتنوع وتختلف من مؤسسة إلى أخرى، تبعاً لعوامل متفاوتة ومتباينة.

5/ من خلال الاستبيان الذي قمت به في الكتاب، وورش العمل والمؤتمرات التي حضرتها، كيف ترى تطبيق إدارة الجودة الشاملة في دول الخليج العربي؟

لا شك في أن دول الخليج تعد أرضاً خصبة لاستقطاب مناهج الإدارة الحديثة، وعلى رأسها تطبيق إدارة الجودة الشاملة في مختلف المؤسسات الحكومية والخاصة، الربحية وغير الربحية بمختلف قطاعاتها. وهناك من النماذج الرائعة التي رأيتها عن كثب من خلال الاستبيان الذي قمت به، وورش العمل والمؤتمرات التي حضرتها في مملكة البحرين ودبي على وجه الخصوص، التي تتميز بثقافة التنظيم ومعايير الجودة الشاملة، وتلك الحال تنطبق على شتى الدول الخليجية الأخرى، حيث وجدت مؤسسات بلغت القمة الريادة في استقطاب مناهج الإدارة الحديثة، وهناك مؤسسات تسعى بكل جدية للحاق بركبها، ومن خلال تنظيم التدريب الكافي لكوادرها عبر ورش العمل والدورات والمحاضرات والدراسات التي من شأنها أن ترقى بالكوادر البشرية وتتغلب على جميع مشكلاتها ومعوقاتها، الأمر الذي يجعلها في مصاف المؤسسات المتقدمة.

وأعتقد أن المستقبل الخليجي بصفة عامة في هذا الشأن في تطور مستمر لتحسين الأداء ورفع كفاءة العمل من خلال الكوادر البشرية المبدعة. وهذا بالطبع يشعرني بالفخر.

آليات تعاطٍ خلاق تستوعب المتغيرات وتهزم المعوقات

 

يعد كتاب «تأثير الثقافة التنظيمية على معوقات تطبيق إدارة الجودة الشاملة» من أول المؤلفات التي تناولت العلاقة بين الثقافة التنظيمية ومعوقات تطبيق إدارة الجودة الشاملة، إذ يبين في طبيعة مضامينه المتنوعة والشاملة أن إيجاد العلاقة بين المعوقات وأنواع الثقافات التنظيمية يساعد في إنشاء نماذج أكثر وضوحاً في تطبيق إدارة الجودة الشاملة في أي مؤسسة أو منظمة، تبعاً لمعوقاتها ونوع الثقافة المناسبة لها.

ويشرح مؤلف الكتاب أنه وفي هذا السياق، جرى تبني طريقة البحث الكمي لبحث ملامح الثقافة التنظيمية وملامح معوقات تطبيق الإدارة الشاملة للجودة في منظمات مختلفة. وذلك لبحث العلاقة بينهما، خصوصاً أن جميع المؤسسات والمنظمات في العالم العربي عامة، والخليجي خاصة، تمر بتوسع سريع في تبني نظام إدارة الجودة الشاملة.

أربعة مجالات

تطرق الكتاب إلى أربعة حقول من الثقافة التنظيمية كمتغيرات مستقلة.. وستة حقول من معوقات تطبيق الإدارة الشاملة للجودة، جرى تحديدها من خلال الأدبيات، على أساس أنها متغيرات مستقلة، وتطوير مجموعة من الفرضيات تصف العلاقات المتوقعة بين هاتين المجموعتين من المتغيرات.

استدلال

تبنى مؤلف الكتاب في مساقات بحثه منهجاً استدلالياً إيجابياً للحصول على معلومات كمية لاختبار الفرضيات من خلال استبانة مسحية، إذ عمد إلى تقييم أداة البحث من ناحية الصلاحية والموثوقية من خلال المقابلات المحددة. ونجح في الحصول على استجابات الاستبانة من 325 منظمة من مختلف القطاعات.

إذ أظهرت النتائج بأن ثقافة المجموعة، التي يعتقد أنها ثقافة مثالية لتطبيق إدارة الجودة الشاملة، تساعد في التقليل من معوقات الموظفين والمعوقات المتعلقة بالمعلومات والمعوقات المرتبطة بالزبائن. وكذلك معوقات الإدارة العليا، كما كان متوقعاً.

وبناء على هذه الركائز، فإنه يعتبر هذا الكتاب عاملاً مساعداً لجميع المنظمات في كل القطاعات، وعلى وجه الخصوص تلك التي لم تكن قادرة على إدراك إدارة الجودة الشاملة بشكل كامل، أو التي هي في طور التخطيط لتطبيق إدارة الجودة الشاملة.

بطاقة

الدكتور راشد بن صقر الجلاهمة، كاتب وباحث بحريني، حاصل على شهادة الدكتوراه بتقدير امتياز سنة 2012م من جامعة برونيل - المملكة المتحدة. يشغل منصب رئيس الأداء الإداري الجودة في إحدى وزارات مملكة البحرين، ويعمل كأستاذ مساعد (مسائي) في إحدى الجامعات بالمملكة. قدم العديد من الدورات وورش العمل في إدارة الجودة الموارد البشرية والتخطيط الاستراتيجي، كما شارك كمتحدث رسمي في العديد من المؤتمرات، في داخل المملكة وخارجها، بالإضافة إلى كونه مُقيّما دولياً في حقل الجودة والتميز.