عبدالفتاح صبري: القص النسائي غارق بالذاتية

صورة

 اختار الناقد والكاتب عبدالفتاح صبري، البحث في التجارب الجديدة للقاصات الإماراتيات، من خلال إصداره الجديد «تحولات المكان في القصة النسائية الإماراتية .. المكان والجسد تجليات الذات».

واستشهد بتجارب عدد من القاصات اللواتي كشفت قصصهن عن بنية العلاقات الاجتماعية، والبعد النفسي الحاصل نتيجة خلل هذه البنية.

وصبري لا يقيد تجربته باتجاه معين، فهو إلى جانب إصداره الكتب النقدية، أصدر العديد من المجموعات القصصية والروايات، واتجه أخيرا، إلى كتابة القصص القصيرة جدا والنصوص المفتوحة. وهو يوضح في حواره مع (بيان الكتب)، الذي خصص للحديث عن مجموعته الاخيرة وعن آرائه ورؤاه، أن القصص النسائية الحديثة في الإمارات، ترتبط أكثر بقضايا الذات.

لماذا اخترت موضوعي المكان والجسد في القصة النسائية؟

لأن المرأة الكاتبة في الإمارات، تخلصت من المواضيع القديمة باتجاه مواضيع أكثر ذاتية، تحدثت فيها عن المكان كرمز، واستحضرت أيضا الرجل الذي كان هنا ولم يعد موجودا، إذ أصبحت القصص النسائية كاشفة أكثر من غيرها عن الاختلالات في البنية الاجتماعية، ومرتبطة بقضايا الذات والأنوثة..

وهي تختلف عن هوية المكان التي عرفت من قبل، إذ تناولت القصص الأولى المُؤَسِسة في الإمارات، مواضيع أخرى لها علاقة بالتحولات الحادثة بعد النفط .. والحنين إلى الماضي، مع إبراز الرموز المحلية من البحر والنخلة..

وما إلى ذلك، إلى جانب مواضيع أخرى لها علاقة بزواج الصغيرات، أو الطلاق أو ما إلى ذلك. بينما نرى في القصة الإماراتية الحديثة والتي يظهر فيها «الإصدار النسوي أكثر من إصدارات الرجل»، سيطرة المواضيع الذاتية.

تمرد واستسلام

لماذا اخترت هذه القصص بالذات؟

لأن تجربة الكاتبات مميزة، واخترت هذه القصص، لأنها تناسب ما أريد تناوله بالنقد.

تحررت بعض الكاتبات من المكان .. لماذا برأيك؟

تميزت قصص بعض الكاتبات بالرمز، فمثلا فاطمة الكعبي في عملها، والتي أرادت أن تتحرر من المكان وتذهب إلى الرجل الذي ترغب بمقابلته، واجهتها سطوة الأخ، وغيره. لكنها كسرت كل السطوات وذهبت لمقابلة الرجل الذي تريد، أي خرجت من المكان الصارم، لكنها في النهاية تعود إليه. أما ابتسام المعلا في قصتها فاختارت الانعتاق من المكان الذي لم يعد يشبهها عندما تموت البطلة بحادث سير.

قالت الكاتبة الدكتورة مريم الشناصي، إن العائق لدى المرأة هو من داخلها. ما رأيك؟

كنا نحكي عن ظلم وهيمنة ذكورية، ولما نقرأ قصص الجيل القديم، نرى أنه يحكي عن ظلم المرأة، في إحدى المرات قالت لي إحداهن إن المرأة أخذت حريتها. ولكن من واقع الكتابات نجد على سبيل المثال، أن فاطمة الكعبي أرادت أن تأخذ حريتها، وتريد أن تخرج لكنها تستسلم للحال، في نهاية القصة، عندما تضطرب..

ومن ثم تعود إلى البيت، فالمكان هو القيمة، وهذه النهاية تدل على أنها استسلمت بعد محاولات ألا تفعل ذلك. إذاً هناك استسلام وحتى حين تصل إلى مرامها فنيا، على مستوى تفضح فيه مباشرة المكنون الهائل الضخم، فهي تحاول ولكنها لا تزال مستسلمة.

ما الأدوات النقدية التي اعتمدت عليها في تناولك لهذه القصص؟

لا أتبع منهجا سابقا، فالنص يفرض أدواته، ومرات يفترض البحث عن تحليل ثقافي اجتماعي، بالنسبة إلي، البحث في النص يفرض أدواته، ولا أفترض أدوات معينة ألوي فيها عنق النص، بل لكل أداته وتحليله.

هل من المطلوب من الناقد أن يقارب الحقيقة، أو أن يقدم وجهة نظره، معتمداً على أدواته الخاصة؟

ليس مطلوبا أن يكون قريبا من الحقيقة، نرمز إليها من خلال نص حمل تأويلا، فماذا يريد النص، ربما الناقد أو حتى قارئ يجد ما لم أجده من تأويلات ويفتج المجال لاستبطانات كثيرة وما يحتمله في داخله وفي ما نستبطنه منه، وتختلف المسألة من حيث ثقافة الناقد أو القارئ.

يوجد غلبة في العنصر النسائي في الكتابة القصصية .. لماذا برأيك؟

فعلا هذه ظاهرة، حتى ان المرأة بدأت بالكتابة مبكرا، بل يقال انها سبقت الرجل ويقال ان شيخة الناخي هي أول من كتبت، وهناك مبدعات كثيرات بدأن منذ تأسيس المشهد الإبداعي.

وبعيدا عن الكتابة يقال ان الشابات الملتحقات بالجامعات أكثر من الشباب، ربما لاستحواذ الشباب من قبل مؤسسات مثل الدفاع والشرطة ذات طابع أمني ووطني، فيستوعب المشهد أكثر، وربما لأن الشباب في المجتمع المحلي يفضلون الدخول في الحياة العملية مبكرا، وفي الحقيقة طالبنا أكثر من مرة علماء الاجتماع بتفسير سبب وحقيقة الغلبة للعنصر النسائي.

تكتب القصة وتكتب الرواية. فهل هناك سبب لمثل هذا التنوع؟

الكتابة هي التي تفرض نفسها.. عندما أكون مشغولا بشيء ما يلح علي، ولهذا يكون لكل مجال وقته بالكتابة. فالآن أتجه إلى القصة القصيرة جدا، أو إلى بعض النصوص المفتوحة، وأنجزت ثلاث مجموعات ولا أسميها شعرا ولا قصيدة، فكل نوع يلح علي بوقته.

فرز وتحصيل

ما أهمية كونك ناقدا وكاتبا في تحكيم العديد من الجوائز الأدبية؟

كون الإنسان كاتبا ولديه تجربة في الكتابة ويعرف مواصفات الإبداع، يستعمل هذا كله في تجربته التي ستكون في مجاله..

وهو ما يحصل معي. فليس من المنطق أن نحضر من هو مختص في مجال السرد لتحكيم الشعر، لأن ذائقته ستختلف، فالخلفية الأدبية تسهم بسهولة في الفرز المبدئي والوعي بما يريد. وبالمقابل، وجودي بتحكيم الجوائز باب جيد، يطلعني على المشهد الخلفي والسري للمبدعين، إذ أقرأ قصصا وروايات ربما لن تنشر.

تعيش في وسط ثقافي وأدبي ولديك علاقات في هذا المجال، داخل وخارج الإمارات.. هل تعتقد أن المثقف يقوم بدوره؟

الحقيقة ما يسمى بالربيع كشف زيف الكثير من المثقفين، وأحيانا الشارع العفوي سبق هؤلاء المثقفين، الذين كانوا في العقود الماضية منكفئين على أنفسهم، وأداروا ظهورهم للسياسة..

كما لو أنهم استسلموا.. وربما كان للسياسة دور في تفريغ هذا المثقف بما مارسته عليه من تهميش واستسلم لهذا، وإن كان الوعي موجودا لم يستخدمه المثقف للنهوض إذ تخلى عن دوره الحقيقي، الذي مارسه المثقفون في عهد الاستعمار على مر التاريخ، فكل الثورات التي قامت في أي بلد عربي كان المثقف ضمنها في الطليعة.

وفي العقود الأخيرة تخلى عن هذا الدور الطليعي. فهذه الثورات الربيعية كشفت الدور العاجر، فلو وجد تيار مثقف لا يمكن أن تنتهي الأمور بهذه الشرذمة، فمثلا في مصر، ورغم تخطيها عقبات 25 يناير، نجد المثقف عاجزا.

ما جديدك؟

لدي مجموعة لنصوص طويلة، كما أعكف على كتابة القصة القصيرة جدا.

تحولات المكان في القصة النسائية الإماراتية

 في إصداره تحولات المكان في القصة النسائية الإماراتية – المكان والجسد: تجليات الذات يواصل الناقد والكاتب عبد الفتاح صبري متابعته لظواهر القصة الإماراتية التي أصدر عنها من قبل عدة كتب.

وفي الكتاب الذي يصل إلى 180 صفحة من القطع المتوسط، والاصدار عن دار الياسمين، وزع صبري أفكاره على عدة فصول، وهي: أشياء المكان الصغيرة وأثرها في التشكلات الإنسانية، المكان وتشكلات الأشياء، المكان .. انشطار الذات، الصندوق المكان القاهر، الانعتاق من المكان، المكان والجسد، الهروب عن غربة المكان، ماذا لو مات ظلي؟

ربط

استهل المؤلف كتابه بمدخل أوضح فيه، أن النص الإماراتي سيظل جاذبا نحو خطاب أنثوي مهيمن، إذ إن معظم الإنتاج في السنوات الأيرة للنساء، وباتت الكتابة القصصية النسائية كاشفة أكثر من غيرها عن الاختلالات في البنية الاجتماعية، وفيما يتعلق بالمكان في هذه الكتابات، فإنه اكتسب هوية جديدة اتجهت إلى ربطه بقضايا الذات والأنوثة، وهي تختلف عن هوية المكان التي عرفناها في القصة العربية التقليدية.

تمثيل وتخط

وبين صبري في الكتاب كيف أن المكان يتماهى مع ذات الكاتبة، حتى انه يصبح في بعض الأحيان تمثيلا لها أو لبطلتها، ويوضح بهذا كيف أن الكاتبات الجدد تخطين وظائف المكان المعروفة في البناء القصصي، ليصبح روحا متنامية مؤثرة ومتأثرة بحالة الشخصية في تحولاتها النفسية المختلفة. واستشهد برؤيته هذه بعدد من النصوص، منها:

وهي تعذبني أشياؤه - لـ روضة البلوشي، الضفيرة - لـ منى عبدالقادر العلي، وجه الشبه - للدكتوره فاطمة حمد المزروعي، الصندوق - لـ فاطمة محمد الهديدي، خفيفة مثل بالون - لـ ابتسام المعلا، رجل - لـ فاطمة الكعبي، وأخيرا وجه أرملة فاتنة - لـ فاطمة المزروعي.

تعليقات

تعليقات