على إيقاع التفعيلة، وحاملاً في جعبته بعض النصوص النثرية الحداثية، أطل الأديب الفلسطيني يوسف الديك، أخيراً، بديوانه الشعري الجديد «مزلاج الأنوثة»، ليمثل الديوان الإصدار الخامس عدداً..
والرابع شعراً في مسيرة الديك. إذ جاء فيه بـ 54 نصاً شعرياً تميزت بقصرها نسبياً، وبتوغلها في الشأن الوجداني العاطفي، الذي لم يخلُ من الشأن الوطني العام البعيد عن المباشرة والخطابة، لتبدو فيه المرأة، بمثابة وطن جميل، حيث يعتبر الديك أنها «كانت قبل التكوين.. سُلالة ماءٍ.. سَكنتْ أطرافَ غَمامةْ»، فهي التي عشق فيها «نساءَ الكون.. ومن خَدَّيها قطفتُ الزهرْ».
المطلع على «مزلاج الأنوثة» يشعر أنه يعاين مرحلة جديدة بمسيرة الديك، الذي اعتبر في حواره مع «البيان» أن الشاعر الحقيقي ناقد بالضرورة، وأن التجربة الشعرية تمر عادة في مراحل متفاوتة، يلتقي فيها الشعر بين الوطن والمرأة وبين الوجدان والأرض. ليتكون جميعها نسيجاً شعرياً ووجدانياً شفيفاً.
وبرغم ذلك لا يعتبر الديك المرأة بديلاً للوطن بقدر اعتبارها تمثيلاً له، وبالتالي فلا يعد هذا الديوان جواز سفر يغتنمه الديك لمغادرة أتون الشعر الوطني، بعد أن طغت صورة الوطن لسنوات على مشهده الشعري، ليبدو الديك في ديوانه الجديد مسكوناً بحب المرأة، معتبراً أن توقفه عن الحب سيكون لحظة توقفه عن النبض.
خلاصة
في المقابل، لا يبدو أن تجربة الديك الروائية ستتوقف عند حدود روايته «تنهيدة الأسى تلويحة الجنون»، ليجزم بأنها لن تكون تجربته اليتيمة في هذا الإطار، تاركاً الأمر لعناصر المكان والزمان وقدرتها على تحفيزه لتقديم عمل روائي جديد..
مشيراً إلى أن روايته كانت خلاصة تجربة امتدت 30 عاماً من المثاقفة والتلاقح اليومي مع الوسط الثقافي، معتبراً في هذا السياق أن الشاعر إن كتب الرواية فتركيزه ينصب على لغتها لتأتي بصيغة شاعرية، تختلف عن تلك التي يكتب بها الروائي الذي يركز على عناصر الرواية نفسها.
مراحل
ديوان الديك الأخير شكل خروجاً عن مألوفة في نظم الشعر الوطني، ليأتي الديوان مشبعاً بالمشاعر الوجدانية والعاطفة، إلا أن الديك لا يرى في ذلك مغادرة لأروقة الشعر الوطني، وإنما هو نتيجة طبيعية لطبيعة المراحل الشعرية التي يمر بها الشاعر. ويقول: «التجربة الشعرية تمر في مراحل متفاوتة، تكون أحياناً متداخلة، تشهد التقاءً بين الوطن والمرأة وبين الوجدان والأرض.
وبالنسبة لي، لا أجد انفصالاً بين مسألة الوجدان والمرأة والوطن، وأتعامل مع القضية بمفهوم مشترك، لأن وجداني الوطني يظل في النهاية وجداني الإنساني، أما بالنسبة للمرأة، فالأمر هنا متعلق بمرحلة نضج ووعي أكبر، تعاطيت فيه مع الأنوثة والمرأة ككيان شعوري متكامل بعيداً عن البوح الجنسي والمغامرة في تفاصيل الجسد».
ويسرد الديك رؤاه في جملة قضايا، ومن بينها:أن للوطن في الذاكرة حضورا جميلا إذا استثمر بشكل جيد وبطريقة خلاقة تنشأ عنه أمور إبداعات مفعمة بالجمال والمشاعر.ويوضح أنه يرى أن الشاعر معني بالنحت في اللغة لإيجاد صيغ جميلة مبتكرة لذا تأتي روايته حين يدخل غمار هذا الحقل مختلفة عن الحال لدى الروائي. إضافة إلى إيمانه أن للشعر وجهين ..
أحدهما عاطفي وإنساني والثاني توثيقي، وهما تجليا في هذا الديوان الذي يمثل الإصدار الخامس عدداً والرابع شعراً في مسيرته. ويشدد هنا على ان روايته «تنهيدة الأسى تلويحة الجنون» خلاصة تجربة امتدت 30 عاماً، ملمحا إلى أن قصيدة التفعيلة أقرب إلى قلبه .. وأن النثر تأتيه كحالة لحظية.
نقد
تعليق النقاد الأول على ديوان الديك حمل بين طياته إشارة إلى ما تضمنه من أماكن وشخوص، معتبرين أنها جاءت من باب الذكرى والحب، ويبرر الديك ذلك بقوله إن «للشعر وجهين، أحدهما عاطفي وإنساني، والثاني توثيقي»، مشيراً إلى أن إتيانه على ذكر هذه الشخصيات جاء من «باب الأمانة التاريخية، وللذكريات التي جمعتنا بهم، ووجودهم في الديوان نابع من المحبة التي جمعتني بهم».
وفي هذا السياق لا ينفي الديك إمكانية تناوله للجانب المكاني والزماني أو كلاهما في أحد أعماله المقبلة، سواء الشعرية أو الروائية، لتشكل إطلالة على ما تختزنه ذاكرته من حنين إلى تلك الأماكن التي تبدأ من مدينة باقة الغربية الفلسطينية، التي تعد مسقط رأسه، ومروراً بالعاصمة الأردنية عمان التي قضى فيها شبابه..
وبالأماكن الأخرى التي عاش فيها، ليكون بذلك مشابهاً لتجربة مريد البرغوثي في روايته «ولدت هنا، ولدت هناك». أربعة دواوين في جعبة الديك الذي تقلب في كتاباته بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، لتظل الأولى الأقرب إلى قلبه، في حين أن الثانية تأتيه كحالة لحظية تفرضها عليه ظروف موضوعية طارئة، كما يقول. ولكن تجربته في الديوان الأخير «مزلاج الأنوثة»، متمايزة ومهمة.
«هو الحب»
تتركز مشاريع الديك الحالية على إصدار ديوانين جديدين، تتحدث معظم نصوص الأول عن الوطن بشكل رومانسي وليس سياسياً، فيما سيشكل الديوان الثاني تجربة جديدة، حسب ما يوضع.
ويضيف: «يركز هذا الديوان على مشاعر الحب اليومية كما تعاش، وفيه تناولت موضوعة الحب في 26 مقطعاً، كل واحد منها يتناوله من جانب معين، وليس من باب عاطفي ووجداني ورومانسي فقط، وإنما من باب حياتي معاش، وربما يكون عنوانه «هو الحب»».

