بدأت تجربتها في عوالم الإبداع في سن الثامنة عشرة، وظلت تخبئ كتاباتها في درجها الخاص، حتى فوجئت ذات يوم، بأنها تحصد المركز الأول في إحدى المسابقات الأدبية.. إنها الكاتبة المصرية منصورة عز الدين، والتي لا تنكر أنها استفادت على المستوى المهني من موهبتها في عملها كصحافية.

 وتتحدث الروائية، الحائزة أخيراً على جائزة أفضل رواية بمعرض الشارقة الدولي للكتاب، لـ«بيان الكتب»، عن تجربتها الإبداعية وعن أعمالها، وعن المشهد الثقافي بصفة عامة، موضحة أنها معجبة بتجربة الإمارات في مجال الاهتمام بتنمية ثقافة الطفل، ومبينة أنها شخصياً، لا تحفل بالاحتفاء ولا ترتضي تقديم التنازلات كرمى لعيني أي جهة.

ما الرابط بين دراسة الصحافة والأدب، وهل أفادتك دراستك الإعلام في مجال الكتابة؟

على العكس، أفادني الأدب في الصحافة، فمنذ صغري أحب الصحافة، وأرغب في التخصص بها. وعندما وصلت إلى المرحلة الجامعية، كتبت عددا من القصص القصيرة، وفازت إحداها في مسابقة متخصصة. ونشرت في أكثر من مجلة وجريدة، وهذا ما ساعدني بالعمل في الصحافة، وتخصصي في الثقافة على وجه الخصوص.

حافز

إذن.. متى اكتشفت أنكِ تجيدين الكتابة؟ ومتى قررت نشر كتاباتك؟

بدأت الكتابة وانا في سن الثامنة عشرة، وكنت أخبئ كتاباتي في الدرج، إذ كنت متهيبة جدا من نشر أعمالي، وفي الجامعة أخذ زميل لي إحدى قصصي القصيرة وأرسلها، من دون علمي، إلى «مسابقة يحيى حقي»، التي تقام على مستوى جامعات مصر، وفوجئت بعد ذلك بفوزها بالمركز الأول، لتنشر بعدها في أربع صحف كبرى، الأمر الذي شجعني على الكتابة..

وعلى نشر أعمالي في الصحف والمجلات، كذلك قابلت الكاتبة البارزة فريدة النقاش التي شجعتني على النشر. كما نشر لي جمال الغيطاني كتاباتي في مجلة «أخبار الأدب»، ونشر لي إبراهيم أصلان في مجلة الحياة، أما محمد البساطي فهو أبي الروحي الذي آمن بي وشجعني على نشر أعمالي.

أسباب وتحول

بدأت تجربتك مع النشر من خلال المجموعة القصصية «ضوء مهتز». فلماذا انتقلت إلى كتابة الرواية؟

القصة القصيرة أسرع، يشعرني الانتهاء منها بإشباع سريع، أما الرواية فهي رحلة، مليئة بالأجناس الأدبية الكثيرة، لذا يمكن اعتبارها دائما عالما موازيا للعالم الحالي، لكني أتخوف دائما من النتيجة النهائية للرواية، لدرجة أنني أتخوف من نشرها مباشرة.

نهج

إذن. هل تهتمين برأي الجمهور في كتاباتك؟ أم أن اهتماماتك نخبوية، خاصة وأنكِ حصدت جوائز عربية؟

لا أشغل نفسي بالقارئ، ولو انشغلت سيسبب لي ذلك إرباكا عند كتابة الرواية، فأنا أتوحد مع العمل، ولا أبحث عن احتفاء أو جمهور، بالطبع سأسعد أن يقرأه الجمهور، ولكن يجب على الكاتب أن يكتب دون تقديم أي تنازلات، فأنا كلما هممت بالكتابة، لا أحب أن أكتب ما هو متوقع مني، بل أحاول دائما أن أتطرق إلى مناطق وأفكار جديدة.

وصلت روايتك «ما وراء الفردوس» إلى القائمة القصيرة لجائزة بوكر في إحدى دوراتها. كيف تقيمين تلك الجائزة؟

جائزة مهمة، وأهميتها تكمن في أنها تساهم في رواج الأعمال المشاركة، فبرغم أنه هناك جوائز عائدها المالي أكبر، إلا أن القراء لا يهتمون بها، أما بوكر فأمرها مختلف، خاصة خارج مصر، فمبيعات تلك الرواية كانت كبيرة في الدول العربية، وأعزو الاهتمام ببوكر على وجه خاص؛ إلى أن بها ذلك الجانب التشويقي: من قائمة طويلة.. إلى الوصول لقائمة قصيرة، وهو ما يشجع القراء على متابعة المسابقة بشغف.

«جبل الزمرد»

بعد فوز رواية «جبل الزمرد» كأفضل رواية في معرض الشارقة الدولي للكتاب بدورته الأخيرة، هل ترين فيها اختلافا عن رواياتك المتبقية؟

اعتبر هذه الرواية تحديا كبيرا بالنسبة الي، خاصة أنها بعيدة تماما عن حياتي، وهذا لا يعني أن ما مضى من روايات كان يتحدث عن حياتي الخاصة، بل تشابكت بعض أحداثها مع تجارب مررت بها، أما «جبل الزمرد» فكانت خيالا خالصا، أيضا استخدمت فيها اللعب على هوامش كتاب «ألف ليلة وليلة»، بلا الاستسلام لسطوة النص الأصلي.

منطقة جديدة

ولماذا نص «ألف ليلة وليلة» بالذات، نوعا عن النصوص الشعبية؟

في الأدب لا يوجد سبب بعينه، فـ«ألف ليلة وليلة» من النصوص المهمة في التراث الإنساني، من جهة التلاقح والتمازج بين الثقافات، فطبعات الكتاب متنوعة ونصوصه مختلفة، فقمت بتفكيك ألف ليلة وليلة من داخلها، ورغم أن كثيرا من الكُتَّاب اشتبكوا مع ذلك النص.. حاولت أن أغزو منطقة جديدة لم يدخلها أحد قبلي، فاللغة المستخدمة هي لغتي..

كما أن القصة المكتوبة هي محاولة مني للإيهام بأنها من «ألف ليلة وليلة»، لكنها ليست كذلك، إذ كتبتها عام 2012 وتأخرت في نشرها عاما كاملا.. فالرواية محاولة مني لطرح أفكار عن الشفاهي والكتابي، وفكرة التزييف، مع الأصل والصورة.

هل لديكِ نية مستقبلية لاستخدام نصوص شعبية؟

من الصعب أن أقول ما الذي سأستخدمه، وما الذي لن استخدمه، لكني مهتمة بالتراث الإسلامي والعربي على وجه الخصوص، وهذا ليس وليد «جبل الزمرد»، طبعا كوني استخدمت في روايتي «وراء الفردوس» أجزاء من تفسير الأحلام لابن سيرين ومن الحكي الشعبي، لذا لا أعلم ما الذي سأكتبه في تجاربي القادمة، فكل فكرة هي وليدة الوحي الذي يجبرني على الكتابة والاختيار.

أيمكن تصنيف «جبل الزمرد» على أنها رواية نسوية؟

لا أحب التصنيفات؛ لأن تصنيفات الإبداع مجحفة، فالكتابات يمكن أن تندرج تحت أكثر من تصنيف، الرواية فيها أفكار كثيرة ومتنوعة، منها ما هو ذات طابع نسوي، ومنها ما يندرج تحت تنوعات أخرى، إذ تحد التصنيفات من ثراء العمل، حيث لن يقرأ تبعا للتأويلات المختلفة التي تصنع ثراء النص، ويحد من التأويلات المختلفة التي تصنع تميزه.

خلط وخطأ

لم تُهاجم، دوماً، الروايات المصنفة تحت كلمة «نسوية»؟

أمر مؤسف أن 99% ممن يتحدثون عن النسوية لم يقرأوا الفكر النسوي بشكل جيد، فهو محاط حاليا بكثير من الصور النمطية والأفكار المغلوطة، كما أن كثيرا من المهاجمين توقفوا عند المرحلة الراديكالية الأولى من النسوية، وبالتالي جاء ذلك الهجوم عن سوء الفهم.

ما رأيك بالمشهد الإبداعي.. وكيف يمكن النهوض بالثقافة في رأيك؟

أعتقد أن القراءة والمقروئية في العالم العربي تحتاج لوقت طويل، وتطورها يعتمد على النظام التعليمي، فتنميتها يجب أن تكون منذ الطفولة، وهناك بعض الدول تعنى بشكل خاص بالأطفال..

وهو ما وجدته في دولة الإمارات حين ذهبت إليها لاستلام جائزتي عن أحسن رواية عربية في معرض الشارقة الدولي للكتاب، حيث كان الاهتمام بتنمية الطفل عن طريق الندوات، والفعاليات المختلفة المخصصة للأطفال فقط.. هذا بالإضافة إلى وجوب ربط الأدب الحديث بالمناهج الدراسية، فلا علاقة لما يجري تدريسه بالمشهد الأدبي الحالي على الإطلاق.

2009

ما الذي لفت نظرك أثناء حضورك لمعرض الشارقة للكتاب؟

حـــضرت الأيام الأولى فقط، ولم أتابع كل الفعاليات، لكني رأيت أن المعرض تطور في السنوات الماضية، مقارنة بزيارتي له في العام 2009، إذ اهتم المعرض بفكرة البرنامج المهني، ودعا عديدا من الناشرين والمحررين الأدبيين..وغير ذلك الكثير.

ما طبيعة طموحاتك ومشروعاتك المستقبلية؟

يتملكني هاجس التفرغ للكتابة، ربما أكون قد حققت هذا بشكل جزئي خلال السنوات الثلاث الماضية، التي أخذتها كإجازة من الصحافة، لكن مع عودتي إلى العمل، أتمنى أن أكتب بالشغف نفسه، فمجرد تفرغي للكتابة أمر يرضيني، حتى لو لم أنشر أعمالي سريعاً، إذ تأخرت في نشر رواية «جبل الزمرد» لعامين، ولكنني دوماً أعتبر عملية الكتابة نوعاً من التحقق.

إسقاطات عصرية في قوالب حوارية وروائية تراثية

في قاهرة 2011 تسعى «بستان البحر» المولودة على مقربة من أطلال قلعة الموت بإيران، خلف هدف يتمثل في استعادة «زمردة»، أميرة قاف الغائبة، عبر تنقية سيرتها من تحريف طالها على مدى قرون...

ومن فصل لآخر نلاحق ما ترويه بستان وما تتواطأ على إخفائه.. نراقبها تحيي أسطورة جبل قاف لإعادة أهله من الشتات، ولا وسيلة لها في ذلك سوى جبر ما تحطم عن طريق الكتابة.

تشابك

في «جبل الزمرد» تشتبك منصورة عز الدين مع «ألف ليلة وليلة» اشتباكا يتجاوز العنوان، لتقدم عملاً يلعب مع «الليالي» ويحاورها متبنيا بعض أساليب السرد المستلهمة منها. عمل يتفحص بحساسية علاقة الكتابي بالشفاهي، ويشتغل على فكرة رواية الرواية، أي الوعي بفعل كتابة رواية منبثقة من قلب «ألف ليلة» ومتماسة مع الموروث في آن معا.

استقلالية

تمضي القصة على طريقة ألف ليلة وليلة، ولكن الكاتبة تأبى إلا أن تترك أثرها، فيصبح للرواية تفردها ومساحتها الخاصة التي تخلق عملًا مستقلًا، رغم لعب فكرته على القديم.

واستطاعت الكاتبة أيضا، خلال الرواية، أن تتقن اللعب في لغة الرواية، فحبكة القصة التي تدور بين زماننا المعاصر والزمان القديم، تحمل لغة مغايرة تماما بين العالمين، ومع ذلك هي لم تتعنت وتتزمت بقواعد صارمة تفقد النص جزالة لغته.

صراعات وأمل

مع ذلك، فالكاتبة لم يكن نصها خيالا خالصا، بل قررت أن تتماس مع الواقع الذي يفرض نفسه على النص مهما كان يظهر من بعيد عدم تقاطعه مع الأحداث، لتنتقل إلى الوقت الذي حدثت فيه ثورة الخامس والعشرين من يناير، نظرا لأن ذلك الوقت على التحديد كان يحوي التحفز والصراعات والأمل التي بحثت عنهم الكاتبة بين ثنايا أوراق كتابها، لتصطحبنا الرواية إلى الجهة المقابلة لبستان البحر، والتي تعيش منذورة لشيء غامض.