أكد الكاتب المصري عز الدين فشير ضرورة انفتاح العرب على الثقافات والقيم الأخرى دون الإخلال بمقتضيات الواقع القيمي والموروثي المميز للهوية العربية، رغم تأكيده وجود مساع حثيثة ومضنية من الثقافات الاستحواذية والاستعمارية الغربية نحو الشرق.
وشدد في حواره مع «بيان الكتب» على أن السلبيات العديدة التي حاصرت الفكر العربي تحتاج إلى مشروع تكاملي قيمي بأطر ثقافية ومعرفية يعمل على جميع المناحي الإعلامية والتعليمية والثقافية، واعتبر أن غياب الرؤية المستقبلية يعد سبباً رئيساً في انتكاس المؤسسات الثقافة.. فإلى التفاصيل.
هوية عربية
- تتعرض الهوية العربية لمخاطر عدة تحاول طمسها، فما أبرز هذه المخاطر برأيك؟

لعل أهم هذه المخاطر تتمثل في المساعي الحثيثة والمضنية من الثقافات الاستحواذية والاستعمارية المتجهة من الغرب نحو الشرق تحت مزاعم العولمة وقضايا التغريب الثقافي الممنهج بهدف إحداث نوع من الإبهار المزيف من قبل الشعوب العربية..
بحيث ينقاد الغرب نحو الشرق في تبعية طواعية دونما أن تصيب المصدر بأي عناء، وكلامي هنا ليس انتقاصاً من قدر احتياجات مجتمعاتنا في بعض الأحيان إلى مسوغات رئيسة تجلبها لنا العولمة وقضايا التغريب، حيث تتسق هذه المسوغات مع حتمية انفتاحنا على الثقافات والقيم الأخرى دون الإخلال بمقتضيات واقعنا القيمي والموروثي الذي يتطلب منا الحفاظ عليه.
ولعل أسوأ نوايا العولمة أنها تريد إحداث نوع من الهيمنة النمطية على المتلقي وخلق هوية جديدة تجمع حضارات العالم كله بتعدديتها وتفرداتها داخل إطار واحد..
وهذا أمر صعب ومستحيل، لأن العالم يقوم في أصله على التعددية والاختلاف بين الحضارات، ولا يسمح باندماجها في بوتقة واحدة، في الوقت الذي تحافظ فيه كل ثقافة على ذاتيتها وملامحها الأساسية حتى لا يكون هناك ذوبان أو اندثار لثقافة على حساب أخرى..
وهو الهدف غير المعلن من العولمة في مضمونها ومشتملاتها، إلا أن الضمانة الأساسية والوقاية من هذه المخاطر إنما تندرج في سياق كيفية وقدرة اقتباس ما يلائم تطورنا بما يحفظ ثقافتنا وقيمنا التي تميزنا عن غيرنا، دون أن يكون ذلك بمثابة حجر عثرة في سبيل خلق حضارة أخرى مرتبطة بسياقها القديم والمميز لها.
مشروع قيمي
- وماذا عن التحديات التي تواجه الثقافة المصرية تحديداً في المرحلة الراهنة؟

هذا التساؤل إنما يطرح في تصوره أوج التحديات المتمثلة في الماضي المشين الذي عانى المصريون منه على مدار عقود مديدة سابقة، ربما استشرفوا سبل التخلص منها من خلال بوابتي عبور هذه المعاناة واجتيازها، فقد عاش المجتمع المصري أسيراً للفقر والجهل وحمل معه إرثاً ضخماً من الإقصاء والتهميش المتعمد من قبل حكومات لا تعرف للحرية معنى ولا تدرك لها مسلكاً..
فسلبت من هذا الشعب العريق حرية قراره واختياره، ما أدى بنا إلى ما نشهده من توغل ممارسات العنف المجتمعي، وما نشهده من احتقانات طائفية وتردٍ في لغة الخطاب وافتقاد لقيم المواطنة في ظل عالم من المفترض أنه يعيش في إطار من التعددية وقبول الآخر، ناهيك عن اندثار الروح الديمقراطية وغياب الكفاءات والكوادر التي تستحق المناصب دون غيرها.
وكل ما سبق يعد أوجهاً بسيطة من الخلل والعطب الذي انتابت حياتنا في السابق وإعادة بناء ومعالجة هذا الخلل هي كبرى التحديات التي تواجهنا في ظل هذا الراهن المليء بالتوترات والتناقضات تندرج في إطار من حتمية إعادة صياغة مفاهيم ثقافية جديدة تعبر عن روح التغيير المنشود وتحديد الهويات الثقافية ومعانيها المختلفة بما يتوافق مع ذلك.
مظاهر خلل
- ألا ترى أن هذه المعالجات ستأخذ وقتًا كبيراً لإزالة مظاهر الخلل التي أشرت إليها؟
من المنطقي أن يأخذ ذلك وقتًا طويلًا، لكن يمكن تقليص هذه الفترة من خلال سياق تطبيقي يعتمد على مراحل ومسارات يتم تنفيذها بالتوازي من خلال الإطار الأول، وهو المسار المؤقت والسريع..
وهو ما قبل إعادة الهيكلة والإحلال والتجديد طويلي الأجل يتم فيه العمل على مشرعات لا مركزية تدعم سبل نشر الوعي الثقافي العلمي ومفاهيم الدولة المدنية والتعددية والمواطنة وغيرها، ثم الإطار الثاني وهو وضع خطة محكمة ومتطورة لإعادة هيكلة وحدات إدارة الثقافة بشكل عام بما يتوافق مع المستجدات الحاصلة في المجتمع.
- لكن هناك مؤسسات ثقافية بالفعل موجودة وتدعمها مصر في هذا الإطار، فأين المشكلة؟
نحن نتحدث عن تطوير المناخ الثقافي بشكل يحتضن هذه المؤسسات ويوفر لها وحدات تطبيق رسالتها الثقافية المكلفة بها، وإن كانت الحاجة ملحة لاستغلال المؤسسات القائمة بالفعل في تحقيق المشروعات اللامركزية كمسار مؤقت لما قبل عمليات الإحلال الموصى بها، فالهيئة العامة لقصور الثقافة هي النموذج الأمثل لذلك بما تحمله من لا مركزية بانتشارها بأقاليم مصر..
ويجب استغلالها بشكل أمثل في تقديم الخدمة الثقافية لكل ربوع مصر، بما يدعم الثقافة والهوية وفقًا لكل إقليم، منها الثقافة النوبية والسيناوية والصعيدية البدوية، ومن منطلق حتمية المزج بين هذه الثقافات يتأتى دور هذه المؤسسة ربما كمعول رئيس في تطبيق تحديات ثقافية نحن أحوج ما نكون لها.
غياب الرؤية
- رغم كل ما يقال من تطوير على ألسنة المسؤولين والمثقفين، لكن الواقع أننا نعيش حالة من التراجع الثقافي.. لماذا برأيك؟
من أهم الأسباب لذلك، غياب الرؤية المستقبلية لسياقات التناول الثقافي المفترض إحداثه داخل جنبات الدولة المصرية بشكل خاص، نحن نحتاج لثقافة جديدة تتواءم مع تطلعات المستقبل، ولا تكون أسيرة لقيود ومغبات التقيد بالماضي بصورة تحجبنا عما نواجهه من أزمات تجعلنا منفتحين وأكثر تفهما وتلهفاً لأجواء العولمة وحسن الاتصال بالثقافات الغيرية بما يسمح بوضع أولى لبنات التطور الحضاري..
وفي الوقت ذاته لا يكون بمعزل عن حضارتنا القديمة، من أجل محاربة الجهل والأمية التي تعيشها وتتوغل فيها مجتمعاتنا، وعلى الجميع نزع فتيل أية فتن طائفية أو عرقية من شأنها تفتيت الأواصر بين مكونات المجتمع المصري أو تحاول النيل من هويته.
- هل لديكم تصورات محددة بشأن الخروج بحل أمثل للحفاظ على الهوية العربية ودعم تطورها؟
ستظل هذه الأزمة «محلك سر» طالما بقيت الصراعات المذهبية والعرقية والطائفية تأخذ طريقها نحو الاشتعال والتفاقم، فالكل يتصارع من أجل الإبقاء على ثقافته الذاتية على حساب هويته العامة أو شكل نموها الحضاري بوجه عام، وتناسوا أن الثقافات الذاتية إنما في حد تصوراتها وتطلعاتها يجب أن تكون مكوناً رئيساً لهوية أمة بأسرها،..
وأن هذه الثقافات الذاتية ما هي إلا درجة أحادية مفردة داخل مكونات السلم الهرمي الكبير المكون للحضارة بشكل عام، وأن استمرارية النظرة القاصرة الداعمة في هذا الاتجاه بهذا الشكل لن تفيد في بناء حضاري متوازن.
توافق واندماج
- هل يمكن أن نستشهد على هذا التفنيد الموضوعي بأنموذج يدعمه في هذا الاتجاه؟
لعل النموذج المصغر والأكثر دلالة على صدق هذه الأطروحة التي تبين لب ومغزى أسباب استفحال أزمة هويتنا العربية هو ما تعيشه الأقطار العربية في ظل المرحلة الراهنة من ثورات احتجاجات وصراعات بين قوى مذهبية وفكرية وسياسية متعددة الرؤى ومتعددة الهويات والثقافات..
الكل يصارع من أجل البقاء على فكرته والبقاء على استلاب امتيازات لفصيله، دونما النظر إلى مضرات تحقيق هذه الرغبات والإرادات على مستقبل الوطن العربي، فضلاً عن مصلحة كل دولة أو إقليم تحدث خلاله هذه الصراعات، وكلها تعمل على إضعاف البناء الموروثي والثقافي والهوياتي داخل كل مجتمع.
- ألا ترى أنه هذه التوصيفات نظرية وبعيدة عن الواقع ومتطلبات تطبيقه؟
لا، ليست أطروحات نظرية، بل هي واقع ملموس عشناه ونعيشه ونتجرع آلامه ليل نهار، وليس أدل على ذلك مما تشهده أقطارنا العربية، خاصة تلك التي خاضت معارك ثورية تحت مسمى «الربيع العربي»، كلها تجارب توغلت فيها حدة العنف والطائفية والمذهبية والصراع على البقاء، وإن كان جزء من مسببات ذلك يرجع إلى عقود من تراكمية التخلف والرجعية والقهر والظلم والاستبداد.
حرب على الهوية
- أفهم من ذلك أنه يمكننا الربط بين ما يحاك لأمتنا من مؤامرات على المنحى السياسي أنه بالأصل معركة هوية؟
لقد وضعت يدك على الربط الصحيح والمنضبط، نعم هي معركة تقودها الدول استعمارية العقيدة واستعمارية الفكر علينا من أجل القضاء نهائياً على هويتنا العربية الأصيلة التي قادت الأمم وقادت العالم بتنوعها المعرفي والثقافي وتفردها ووحدويتها الروحية وعلمت العالم من حولها كيف تكون الحضارة..
وكيف تتشكل أركانها دون ظلم أو قهر أو اغتصاب لحقوق فصيل لحساب آخر، نعم، هي حرب على الإنسانية العربية، ومعركة ضارية يشنها هؤلاء من أجل طمس هويتنا وتنوعها الثقافي والمعرفي.
بناء ثقافي
- كيف يؤثر المثقفون في تحقيق وتبيان هذا المنحى وهذا التوجه لدى الدولة والمجتمع؟
لابد للمثقف أن يطرح تصوراته المستمرة في إطار تصور استراتيجي يوضح فيه أوجه القصور في تعاطي الدولة مع البنية الثقافية بشكل عام..
وتأثيرات ذلك في إحداث نقلة نوعية في عملية التحول الثقافي المطلوب تفعيله، وهناك نقطة في غاية الأهمية يجدر الإشارة إليها حتى نكون على قدر كبير من الإنصاف في هذا الطرح؛ ألا وهي وجوب تضمين هذه الاستراتيجيات من قبل المثقف للدولة على مطالب تكون في إطار متناسق مع إمكانات الدولة وطبيعة المرحلة التي تمر بها.
وهل ينحصر دور الدولة في البناء الثقافي على فكرة الدعم المادي للثقافة ومشروعاته المتعددة فحسب؟
الحكومة الحقيقية هي التي تستوعب كل معاني ومفردات الموروث الثقافي والإبداعي لدى الدولة بكل تفاصيله وتفنيداته، وإن لم تكن لديها رؤية ثاقبة ذات أبعاد مرحلية وخطط استراتيجية فستصبح هي والعدم سواء، والثقافة هي التي تخلق استقلالية الفرد وتفرده وتصقل قدراته في اختيار أفضل السبل والآليات التي من شأنها إعلاء قيمة الدولة بين مثيلاها من الأمم.
إضاءة
د.عزالدين شكري فشير كاتب مصري، صدرت لها مجموعة من الرويات، من ضمنها «باب الخروج»، و«عناق عند جسر بروكلين»، و«أبو عمر المصري»، و«غرفة العناية المركزة»، و«مقتل فخر الدين»، اشتغل في السلك الديبلوماسي، ويعمل أستاذاً زائراً في قسم العلوم السياسية بالجامعة الأميركية.
«باب الخروج» رونق سردي وحالة استرشادية لواقع سياسي
د.عزالدين شكري فشير صاحب رواية «باب الخروج»، يحب أن يطلق عليه لقب «المثقف الدبلوماسي» لما يحمله من معان حقيقية بالنسبة إليه، يدرك أنها من النادر أن تجتمع في شخص، لما بين السياسة والأدب من صراعات تفاوتية على مر العصور، وجدلية لا زالت قائمة في ما يتعلق بعلاقتيهما بعضهما ببعض، فمن المتعارف عليه أن الأديب هو بمثابة الناقد الأصيل لممارسات وتحركات السياسي..
وبقدر حبه نفسه لهذا اللقب فإن عشقه لـ«باب الخروج» يؤكد شغفه بقضايا وطن، حيث تعمد فيها إبراز قدراته الفكرية والفلسفية وإمكاناته الدبلوماسية والسياسية في الربط المغلف بين طموحات الأديب وبلاغته ورونقه السردي وبين ما تفترضه محاذير اللعبة السياسية من الاقتراب أو الابتعاد.
ونستطيع القول إن «باب الخروج» حالة استرشادية مليئة بكل فنون التوصيف الدقيق والتحليل الأشد عمقًا لأزمات مصر، عبر رحلة 25 يناير بكل انفعالاتها ومسبباتها .
وتأثيراته الدولية والإقليمية والداخلية ووضعها في نصابها بتوازن فكرى منضبط لإحداث مرحلة مهمة مرت بها مصر، أراد خلالها الكاتب أن يصنع عالمًا محددًا من التفنيد الدقيق لهذه الأحداث عبر أشخاص الرواية ليرسم باقتدار حدود العلاقة بين أطراف العملية السياسية والحياتية في تلك المرحلة العصيبة..
ويضع كل منها أمام مسؤولياته التاريخية، وما كان ينبغي أن يكون منها تجاه الصالح العام ونقاط التقصير التي وقع فيها أطراف الصراع.
خيال وواقع
وكأن تلك الرواية التي خرجت إلى النور في عام 2012 عبر خيال الكاتب الواقعي بلكنة سياسية ترصد أشخاصها وأبطالها بعين السياسي المحنك تكون بمثابة الرسالة التحذيرية التي تأبى أن تتمنى ثورة للجياع في بلاد الخيرات وتنذر بكارثية تفاقم الأوضاع واستشراء أخطاء الساسة في إدارة شؤون البلاد، فضلًا عن رؤى التخوين التسلطية وكروت المزايدات التي تستميل أطراف اللعبة السياسية تجاه طرف أو صوب آخر..
وينسج من خلال سطورها المهندمة ملامح الخطورة ومكامن مغبات الانخراط في اللهو السياسي بمقدرات وطن يوشك أن ينهار ويبقى انهياره رهان الإرادة الشعبية المبنية على أساس متين من الإيمان بالإصلاح وعمق الرغبة في تحقيقه.
عين ثاقبة
ولم تقتصر «باب الخروج» على تلك الرسائل التحذيرية فحسب، بل يصل الكاتب إلى بر آمن من الأطروحات الدالة على طرق الوصول نحو الحلول بعين ثاقبة وفكر مستنير يضع في اعتباراته مقتضيات اللحظة الراهنة التي تمر بها مصر عبر رحلته السردية، ما يعكس إيمانًا غير منقوص بمدى تأثره بالمدرسة الأدبية الواقعية تلك التي تستخدم الأدب تحليقًا في آفاق الخيال استنادًا إلى تحويله إلى وواقع ملموس يختلف مذاقه وروعته عن غيره لأنه في الأصل هو استنباط من بحر خيالي ما أروعه حين يتحقق.
