دافع شخصي يتعلق بتجربتها في الكتابة، كان وراء إصدار الروائية الكويتية بثينة العيسى، كتابها «بين صوتين - فنيات كتابة الحوار الروائي»، أما الدافع الموضوعي فيأتي من قناعتها «أن الحوار هو الشريان الذي يمد الرواية بالحياة»، فحاولت من خلال كتابها «بين صوتين» البحث عن تجربة العديد من الروائيين بالنسبة للحوار، وهو ما يثري تجربة القارئ المتخصص، ويقوده إلى مناطق جديدة أثناء كتابته الإبداعية.
الكتاب جاء بعد تجربة روائية، أو رحلة بحث بدأت كما قالت العيسى «بسؤال»، فالسؤال قادها إلى عدد من النجاحات، عبر روايات صدر من بعضها ثماني طبعات أحياناً، وهو أمر لا يحدث كثيراً في تجربة الروائيين، عن انعكاس هذا النجاح على تجربتها تحدثت العيسى لـ«بيان الكتب»، كما أضاءت الكثير من جوانب تجربتها، وبالأخص إصدارها الأخير من خلال الحوار التالي:
بذرة كتاب
كم من الزمن استغرق معك الإعداد والعمل على إصدارك الجديد «بين صوتين»؟
استغرق أربعة أشهر على وجه التقريب، وكنت أعتزم كتابة مقالة امتدّت كتابتها معي إلى سبع صفحات. أرسلتها إلى كاتب أثق برأيهِ فأشارَ عليّ بأن ما كتبتُه هو بذرة «كتيّب» في فنّيات كتابة الحوار الروائي، وأن الأمر يستحق المزيد من المعالجة.
بحثت في المراجع حول أهمّ ما كُتب في الموضوع، ووجدت أن ورقة مختصرة لإليزابيث بوين تستطيع أن تشكّل العمود الفقري لمشروعي. قرأت أيضا كتاب الحوار لغلوريا كيمبتون، وما كتبه روي بيتر كلارك، هاري بننغهام، وستيفن كينغ. جمعت أيضا قصاصات من نصائح أصحاب الحرفة فيما يتعلق بالحوار، ثمّ حاولت أن أصل إلى فهم مشترك لما يقوم عليه الحوار الناجح. الخطوة اللاحقة كانت العثور على أمثلة وتطبيقات فعالة.
استعنت بحوارات لنجيب محفوظ، غسان كنفاني، إسماعيل فهد إسماعيل، ليلى العثمان، سعود السنعوسي، رضوى عاشور، يوسف زيدان، سنان أنطون، خالد حسيني، جوزيه ساراماغو، ستيفن كينغ، وجيوكندا بيللي. عندما طابقت بين النظرية والنموذج أصبحت الرؤية واضحة بالنسبة لي، وأتمنى أن تكون واضحة أيضا بالنسبة للقارئ.
استنطاق الشخصيات
لمَ اخترت موضوع مناقشة فنيات كتابة الحوار الروائي؟
كتبت طوال حياتي عن شخصيات قريبة منّي، ولم أجد أية صعوبة في استنطاقها. كانت أصواتها تملأ أذني. ولكنني الآن وأنا أشتغل على مشروع روائي تبدو شخوصه بعيدة عن عالمي المباشر. تقع الأحداث في أمكنة لم أزرها في حياتي، وتتضمن جنسيات وأعراقا مختلفة من البشر الذين يجب عليَّ أن أستنطقهم بشكلٍ طبيعي و«ديمقراطي» و«قابل للتصديق».
أصبتُ بشلل كتابيّ مؤقت، لم أكن أعرف كيف أجعلهم يتحدّثون، فأنا أعرف ما سيقولونه، ولكنني لا أعرف كيف سيقولونه. توقّفت عن العمل على الرواية وتفرغت تقريبا لـ «سؤال الحوار»، إن جازت تسميته كذلك. كان سؤالا حقيقيا بالنسبة لي، وأجد نفسي أكثر ارتياحا للصيغة التي توصّلتُ إليها بعد إنجاز كتاب «بين صوتين».
لعل هذا هو السبب الذاتي، الشخصي جدا، وراء كتابة «بين صوتين». السبب الموضوعي هو أن الحوار يعمل بمثابة الشريان الذي يمدّ الرواية بالحياة، كما قال الروائي الراحل عبدالرحمن منيف، وأنا أتفق معه تماماً. إنه يحيي المشاهد والشخوص، يدفع الحبكة إلى الأمام، يبلور الحدث ويصقله. الحوار هو الجزء الصوتي من النص الروائي، الذي هو في معظمه نص مقروء.
إنه مستوى آخر من الكتابة، شفاهي إن جاز التعبير، وغالبا ما يستجلب حضوره الخفة والمتعة والحماسة. يمكن لسطر حواري جيّد أن يأخذ الرواية إلى الخلود، ألا نتذكّر كلنا ذلك السطر الخالد من رواية «عائد إلى حيفا» لغسان كنفاني «الوطن، يا صفية، هو ألا يحدث ذلك كله»؟
تجارب عالمية
ما هي مصادرك في هذا الكتاب الذي يضم مجموعة من التجارب لكتاب عالميين وعرب؟
أهمّها على الإطلاق، ملاحظات إليزابيث بوين في كتابة الرواية. كتاب ستيفن كينغ في الكتابة، وكتاب جون وينكور؛ نصائح للكتّاب.
حرفية الكتابة
ما أهمية أن يعرف أو يطلع الروائي على أسس كتابة الحوار، بما يكرّس بأن لا تكون الكتابة مجرد هواية بل يمكن التدريب على تقنياتها؟
سواء كانت الكتابة هواية أو حرفة، فهي يجب أن تُنجز بشكل جيّد. يجب أن يمتلك الكاتب أدواته. طالما أنك قررت أن تنشر منجزك على الملأ، فنظرتك إلى الكتابة لا تعني شيئا بالنسبة للقارئ. لن يتسامح القارئ مع رواية ضعيفة لأن كاتبها «هاوٍ»، وهو بالتأكيد لن يكمل قراءتها..القارئ يستحق أن تشتغل على نصّك بأفضل طريقة ممكنة، والحوار مجرد عنصر صغير جدا لتحقيق ذلك.
تجارب خلاقة
تقدمين ورش عمل في فنيات كتابة الرواية كيف تجدين هذه التجربة، وكيف يتم التفاعل معك؟
أجدها تجربة مثيرة، ووجدت التفاعل مدهشاً. عشت تجارب خلاقة رأيت فيها مجموعة من الكتّاب يشتغلون على النّص بغض النظر عن اسم حامِله. ثمة حوارات عميقة تفتّق بصيرة الكاتب وتمنحه الطلاقة الذهنية التي يحتاجها لمشروعه الكتابي. إن أقل ما يقال عنها إنها بيئة خصبة للكتابة. بعد تقديم أي ورشة عمل تنفتح شهيتي للكتابة إلى درجة الشراهة. بعد ورشة «فنيات الحوار الروائي» أصبحت أكتب ألف كلمة يوميا لمدة أسبوع.
عوالم الرواية
تكتبين الرواية فما هو هاجسك للكتابة؟
الرواية عندي تبدأ بسؤال، وأنا كائن متسائل طوال الوقت، أسئلتي تورق أسئلة. أعتقد بأن السؤال هو الذي يقودني داخل الرواية، هو الذي يشكل الشخوص ويرسم خط الأحداث. ويبقى لكل رواية سؤالها.
المرأة حاضرة دائماً وبقوة في روايتك فهل «المرأة التي تولد قضية» كما قلت ذات مرة هي قضيتك؟
المرأة تولدُ قضيّة في أي مجتمع ذكوري بطريركي يصادر إنسانيتها. إنها تولد وأمامها معركة. بعضنا يحارب، بعضنا الآخر يستسلم...
كتب عنك أحياناً بشكل سلبي فكيف تتعاملين مع هذا النقد السلبي؟
أقبلهُ بصفته حقاً لقائله. قد أتفق معه وقد لا أتفق.
طبعات
صدر من روايتك «عائشة تنزل إلى العالم السفلي» سبع طبعات، ومن رواية «كبرت ونسيت أن أنسى» ثماني طبعات ..على ماذا يدل هذا بالنسبة لك؟
توالي الطبعات تفسره أشياء كثيرة، طبعاً هناك قنوات التواصل الاجتماعي التي أنعشت حضور الكتاب عموماً. والسبب الآخر هو أن الرواية لامست كثيرين.
ما الذي تعملين عليه الآن؟
رواية أخرى، هي من وجهة نظري؛ مختلفة، على الأقل من حيث الأدوات. أشعر بي جاهلة وأنا أكتبها. إن الحديث عنها يصيبني بالرّعب، لذا سأصمت.
«بين صوتين».. خيارات دقيقة في فنيات الكتابة الأدبية
«بين صوتين» كتاب جديد للكاتبة الكويتية بثينة العيسى، أضاءت من خلاله عبر 104 صفحات، جملة من الأسئلة الفنية المتعلقة بكتابة الحوار الروائي، كما ناقشت أهم الآراء الواردة في هذا الموضوع مع كتاّب عالميين وعرب، ولم تغفل عن تقديم نماذج وأمثلة ذات قيمة فنية وإبداعية عالية، تفتح الطريق لكل من يريد الخوض في هذا المسار الذي هو من نوع السهل الممتنع.
خيارات دقيقة
ويرتكز موضوع الكتاب وكما ورد في العنوان حول فنّيات كتابة الحوار الروائي، حيث اعتبرت المؤلفة أن كتابة الحوار تمثل تحدياً حقيقياً لكاتب الرواية، فهي ترتبط بجملة من الخيارات الفنية بالغة الدقّة، التي يجُد الكاتب نفسه مضطراً للمفاضلة بينها وهي: متى يكون الحوار ضرورياً، ومتى يكون فائضاً عن الحاجة؟
ما الذي يذكر في السرد؟ أيكتب بشكل عمودي، أم يكتب مسروداً؟ وهل يكتب باللهجة أم يكتب بالفصحى؟ وهل يمكن الدمج بين مستويات متعددة من اللغة في الحوار؟ ومتى تظهر الحاجة إلى كسرِ المتن السردي بحوار؟
أسئلة وتقنيات
وهذه نماذج للأسئلة الحساسة التي يقدمها كتاب «بين صوتين» وهي أسئلة تواجه كاتب الرواية عند أيّة كتابةٍ حوارية، إذ غالباً ما يجد الروائي نفسه مضطراً للمفاضلة بين مجموعة من الخياراتِ، عن طريق «المحاولة والخطأ»، فيما يشبه العمل المخبري..
ويستغرقه الأمر عشرات المحاولات من الكتابة والمحو، مثلما يمكن أن تكون الكتابة على أرضية «السبب والنتيجة»، كما ترى بثينة العيسى حتى يصل الكاتب إلى الصيغة المطلوبة التي هي مسؤولية من يكتب أولاً وأخيراً.
وضمت موضوعات الكتاب المحاور الآتية: «ما هو الحوار؟، كيف يكتب الحوار؟، الحوار والإيجاز، الحوار إضافة لمعرفة القارئ، الحوار والواقعية، الحوار والعفوية، الحوار والحبكة، الحوار والشخصيات، الحوار والوصف، الحوار إراحةٌ لعين القارئ، وأخيراً لغة الحوار».
إضاءة
بثينة العيسى كاتبة وروائية من الكويت، صدر لها عدد من الروايات منها «ارتطامٌ .. لم يسمع له دوي»، «سعار»، «عروس المطر» وغيرها، ومجموعة نصوص بعنوان «قيس وليلى والذئب». عضو في رابطة الأدباء الكويتية، واتحاد كتاب الإنترنت العرب، كما حصلت على العديد من الجوائز منها المركز الأول في مسابقة هيئة الشباب والرياضة الكويتية 2003 في القصة القصيرة، والمركز الثالث في مسابقة الشيخة باسمة الصباح للقصة القصيرة.

