لإعداد الكتب البحثية أسلوب يختلف عن الكتابة الإبداعية، فهي تحتاج إلى وثائق ومراجع، وإحصاءات دقيقة وتحليل، وما إلى ذلك من أساليب استطاع الدكتور عبداللطيف الشامسي مدير عام معهد التكنولوجيا التطبيقية، أن يمتلكها ويسخرها في إصداره الأخير الذي جاء بعنوان «صناعة التعليم - مرحبا بجيل الآيباد»، ومن خلاله استطاع أن يقترح العديد من النقاط التي تستطيع أن تخدم الدولة لتوفير احتياجاتها من الاختصاصات العلمية.
ويؤكد على أهمية التكنولوجيا لتعليم الجيل الحالي خاصة وأن كبار المسؤولين في الدولة ركزوا على أهمية التعامل مع الخدمات الذكية. وهذا الأمر، برأيه، يوفر الكثير من الوقت والجهد. ويشدد عبداللطيف الشامسي في حواره مع «بيان الكتب»، على أننا في حاجة ملحة لتوفير الكتب ذات التخصص بالهوية الوطنية والعربية.
ما أهمية إصدار الكتب المتخصصة بالنسبة للمكتبة العربية؟
أصدرت هذا الكتاب لشح الكتب المتخصصة في المكتبة العربية، ذلك في وقت علينا فيه أن نواكب العصر في كافة المجالات، وليس في المجالات التاريخية والدينية، بينما نفتقد لكتب أخرى في مجالات التعليم مثلا، والتي إن توافرت فهي تتوافر مترجمة عن لغات أخرى، ولذلك علينا أن نوفرها انطلاقا من واقعنا، بما يتماشى مع احتياجاتنا بهوية عربية وطنية.
دور التكنولوجيا:
ما هي مصادرك في هذا الكتاب؟
من تراكم خبراتي المتواضعة في السنين السبع الماضية، في كيفية جذب الطلاب لتخصصات العلوم والهندسة، تجمعت الأفكار في مجال التربية، لمعرفة التحديات التي تواجههم بالتخصصات التي نحن أحوج ما نكون إليها، وكذلك من تلخيص لبعض الأفكار وكيفية التعامل مع جيل التكنولوجيا، وكيفية إعداد مناهجها مع قدرات هذا الجيل.
كم استغرقت في إعداده؟
استمر العمل على الكتاب حوالي السنة، كون المادة الموجودة في الكتاب تحتاج إلى العديد من المراجع العلمية، والاطلاع على الكتب المنشورة بلغات أخرى، إذ إن الدول الغربية تمتلك نوعاً من الاهتمام بمثل هذه المواضيع.
العنوان الذي اخترته «صناعة التعليم.. مرحبا بجيل الآيباد»، هل يمكن أن يفهم منه المعني أو القارئ، أن تطور التعليم الآن مرتبط بالتطور التكنولوجي؟
نعم.. فالعملية التعليمية كانت بخير قبل عشرين سنة، والتطور التقني التكنولوجي الحادث، أصبح جزءا من الحياة اليومية، فالطفل الصغير الذي لا يجيد القراءة يتعامل مع «الآي باد» بسهولة، ولهذا سننقله إليه في التعليم، وإلا نحن سنخسر جيلا بأكمله، إذ تعتبر التكنولوجيا إحدى الوسائل التي تعتبر أساسية وليست إضافية، وهي مرتبطة بجذب الطالب إلى عملية تساعدنا في زيادة رغبته بالتعلم.
أشرت في الكتاب إلى وجود 70% من الطلاب الذين يتجهون للتخصص الأدبي، و30% للتخصص العلمي. وتحدثت عن وجود الخلل في المسارين. فما السبب برأيك؟
الخلل حاصل بسبب جمود المادة العلمية، وهو ما يجعل الطلاب يعزفون عن التخصصات العلمية، والمسار الأدبي، كما يسمى، أسهل، ويأتي هذا من منطلق الحصول على الشهادة وتأمين وظيفة، بالطبع لا غنى عن الأدبي، لكن المادة العلمية جزء أساسي من كل تخصص، ونحن نفتقد المعلومات، فلم نحصر العلمي في الرياضيات والعلوم.
وسيلة لا هدف
قلت ان «التعليم التقليدي لا يتناسب مع الجيل». وهو ما يطرح السؤال الأساسي: هل التعليم الذي له علاقة بالتكنولوجيا يطور التعليم أم مفهوم ودافعية التعليم هي الأساس؟
«الآيباد» وسيلة، والشهادة هي أيضا وسيلة وليست الهدف، فالهدف الذي يجب أن يكرس في مختلف المراحل العلمية: المهنة، وهي كيف من الممكن أن يكون الفرد طيارا مهندسا طبيبا إلخ..
وذلك ما يجعل التعليم وسيلة للحصول على ما بعد الشهادة، وليس الهدف الأسمى هو التعلم للغرض التعليمي، فالشهادة لا قيمة لها إن لم يكن لها دور من خلال العمل. و«الآيباد» أيضا وسيلة لجعل التعلم متعة، من خلال البرامج واليوتيوب، بطريقة تثير شغفه وإبداعه، وهو ما ينعكس على تحصيله.
ركزت على ضرورة إيجاد نظام تعليمي مختلف. فما أهمية هذا بالنسبة لتطور دولة الإمارات؟
ربما انجرفنا نحو عزلة التعليم، وعندما ينعزل الفرد عن سوق العمل ويصبح نظريا وأكاديميا بشكل بحت، فهذه هوة فاصلة بين ما يتعلمه وبين ما هو خارج المدرسة. لذلك نبحث عن التكامل فالعملية التعليمية حاليا في عزلة عن سوق العمل العلمية.
والتكامل في دولة الإمارات نحتاج إليه أكثر من أي مجتمع، لأننا نتكلم عن الشباب الإماراتيين وهم الأقلية.
ولذلك فكل فرد فيهم محسوب في التنمية، سواء أكان ذكرا أم أنثى، فالتعليم النوعي وهو الاستثمار القادر على خلق الديمومة في أي قطع صناعي، واستمراريته تكون من خلال العنصر المواطن. لذلك عندما نقدم التعليم النوعي لا نخسرهم، فالربط مع السوق يلبي احتياجاتنا كدولة.
إشكالية وحلول واجبة
استشهدت بالإحصائية التي تقول ان العربي لا يقرأ إلا 6 دقائق في السنة، لكن هناك الكثير من الوجوه الثقافية والفكرية شككوا بصحة هذه المعلومة، وإن كانت دقيقة برأيك فما الحل؟
وضعت الإحصائية إصبعها على الجرح، فنحن شعوب مستهلكة وإصدارات مكتباتنا العربية محدودة، وكثيرا ما نعتمد على الغرب وعلى علمه بكل براءات الاختراع، والنشرات العلمية، فنحن كشعوب لا تقرأ، فالتقصير من نظام التعليم كونه لا يحفز حب المعرفة، فالكتب المدرسية ربما تدرس بطريقة الإجبار على الشيء، بينما تغيب الكتب التفاعلية، وزرع محبة القراءة.
لذلك يجب إيجاد مبادرات من مرحلة رياض الأطفال. لدينا خلل ويبدأ من فكرة أن نقرأ. وينعكس هذا على رغبة الطلبة بالتعلم لأننا لم نحببهم أساسا بالقراءة، وهو ما سينعكس على المجتمع وعلى الإنتاج الفكري، لأننا لا ننتج الفكر والمعرفة، ولذلك علينا أن نبحث عن جذور هذه المشكلة ونعالجها.
من المستهدف من إصدارك هذا؟
التربويون والقياديون. وكل من له علاقة بالتعليم، وأتمنى أن ينظروا إلى عملية التعليم على أساس وجوب أن نوفر طرق تعليم جديد لجيل جديد.
إضاءة
*الدكتور عبد اللطيف الشامسي. حاصل على شهادة الدكتوراه في تخصص الهندسة الميكانيكية من جامعة دوك في الولايات المتحدة الأميركية عام 1997.
* أسس مركز الأنشطة البحثية والبرامج العلمية ذات التمويل الخارجي. وعمل على تأسيس وحدة التدريب المهني والتعلم التكاملي عام 2001، والتي تهدف لتقليص الفجوة بين الدارسة الأكاديمية وسوق العمل.
* أصدر الشامسي أكثر من 35 مؤلفاً ودراسة، من كتب ونشرات علمية محكمة في المجلات الدورية العلمية والمؤتمرات العالمية.
صناعة التعليم في مرايا البحث والابتكار
يشير الدكتور عبداللطيف الشامسي في بداية كتابه «صناعة التعليم- مرحباً بجيل الآيباد»، الصادر عن دار الكتب الوطنية التابعة لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، إلى «أننا لا نعني بمصطلح »جيل الآيباد« كل مستخدمي جهاز الآيباد المصنوع من شركة »آبل«، وإنما نعني جيل شباب اليوم، لأنهم أكثر استخداما وتفاعلا مع الأجهزة الذكية».
ومن هذه الإشارة انتقل للحديث عن التحديات التي تواجه الأبناء، منذ بزوغ شمس العولمة. وفي الفصل الذي جاء بعنوان «لم... كيف وما؟» تحدث الشامسي عن أهمية المنهج العلمي لتشكيل قاعدة قوية لقيام صناعة التعليم، في أي مكان في العالم، كون التعليم وسيلة لتحقيق الأهداف والطموحات، ورأى أن قيمة الأجهزة الذكية، هي التي المعرفة والتقنية التي تشغل الجهاز..
وانتقل للحديث على اعتبار التعليم صناعة باعتباره بحاجة مستمرة إلى التطوير والبحث والابتكار، وتناول كيفية هذه الصناعة عبر باب كامل، ورأى أن التعليم ومنظومة الاقتصاد المعرفي متكاملة للنمو الاقتصادي.
كيفيات واستشهاد
واستعرض الشامسي كيفية صناعة التعليم، مستشهدا بتطور التعليم خلال القرون الثلاثة الماضية، لغاية اقتراحه إعادة هيكلية منظومة التعليم، وركز على أهمية اتجاه الدارسين إلى المنحى العلمي بما يضمن تطور الدولة في هذا المجال، كما ركز على أهمية القراءة وأهمية أن يتعلمها الطالب منذ المرحلة الابتدائية، وانعكاس هذا على المعرفة والتطور..
وعلى السبل التي تصنع المواهب، كما طرح عناصر لأفكار وبرامج مكملة في منظومة التعليم، والتي غالبا لا تستدرك أهميتها في إعداد كوادر المستقبل، أو يجري إهمالها كجزء من المخرجات التعليمية في خضم التركيز على التحصيل العلمي المجرد، ورأى ان البرامج الموضوعة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الخصوصية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي تتميز بها دولة الإمارات.
التنمية الشاملة
وأوضح الشامسي في كتابه، أهمية اكتشاف المواهب الوطنية وتنمية روح الإبداع والابتكار لدى الناشئة، وصناعتها منهجيا لتساهم بشكل مباشر في التنمية الشاملة، وبناء مجتمع الاقتصاد. إلى أن وصل إلى خلاصة تفيد بأنه «من الإجحاف بحق الأجيال الحالية، عدم الاعتراف بالتغيرات الجذرية التي تنظم عالمها، والتي أضحت فيها الوسائل التكنولوجية أداتهم الوحيدة للتفاعل مع ذلك».

