بحرفية لاعب أساسي يعرف متى يركل الكرة ومتى يدحرجها، ومتى يدفع بها إلى المرمى، وذكاء كاتب يعرف كيف يجذب انتباه القارئ، طوَّع الكاتب عوض بن حاسوم الدرمكي إحساسه ووعيه في إصداره الجديد «ذكريات سان دييجو» ليرصد من خلاله رحلة مغترب مليئة بالمشاعر والدروس والنضج الإنساني، وينجح من خلال أسلوبه المتميز في أن يصطحب القارئ معه في غربته، فيشاركه هَمّ البعد والفراق، ولذة الحنين والشوق لرائحة الوطن.

في هذا الكتاب سافر الدرمكي إلى سان دييجو، وسافرت معه أحلامه وطموحاته إلى هناك، وعاد بذاكرة مملوءة بالدروس، تفاصيلها ترسم البسمة على الوجوه، وأحاسيسها أكبر من مجرد لحظات عابرة. «بيان الكتب» تواصل مع عوض بن حاسوم الدرمكي، للحديث عن تفاصيل إصداره الجديد، الذي قال إنه كتبه إلى صديق لا يعرفه ورفيق رحلة لم يرحل معه بعد، وكذلك لنقل التأثير الذي حدث في حياته للآخرين فإلى التفاصيل:

استرجاع الماضي

وقائع دقيقة قد ننساها فور حدوثها، جسَّدها قلمك بكل دقة، هل كنت تكتب ذكرياتك أولاً بأول، أم استرجعت الماضي في لحظات حنينٍ إليه؟

الحمد لله، أمتلك ذاكرة جيدة، هناك تفاصيل كثيرة نسيتها، لكن بقيت لدي تفاصيل أخرى لا تُنسَى، أحياناً كان استرجاع التفاصيل أسهل بمشاهدة الصور وتقليب كتب الدراسة وكراسات الجامعة وقراءة الملاحظات الجانبية والهوامش، التي تحمل اسماً هنا، وعنواناً ورقم هاتف هناك، وأحياناً كنت أقوم بالتجوال في طرقات المدينة - افتراضياً - عبر خرائط جوجل، لأستذكر أموراً وتفاصيل غابت عن الذاكرة بعض الشيء.

عدت لكتابة ذكرياتك بعد عودتك من غربتك بفترة طالت، لماذا كتبتها، ولمن؟

كتبتها لصديق لا أعرفه، ورفيق رحلة لم يرحل معي بعد، فقد رغبت في أن أنقل التأثير الذي حدث في حياتي للآخرين، ولم أجد أفضل من رصدٍ لحياة صاحب التجربة في تلك الديار، فنحن نتعلم بالتجربة الشخصية أو بملاحظة تجارب الآخرين.

لهجة عامية

استخدمت اللهجة العامية بشكل كبير في كتابك، ألا ترى أنك بذلك فرضت نفسك على القارئ العربي بإجباره على محاولة فهم لهجة قد تصعب عليه؟

الكاتب ابن مجتمعه، ويهمني للغاية أن يقرأني أبناء بلدي في المقام الأول، وأن أكون أحد أسباب تحبيب الشباب بالقراءة من خلال تبسيط المادة بشيء من اللهجة المحكية وكثير من الأمثال والردود التي نستعملها بشكل يومي.

ربما يصعب على القارئ العربي فهم هذه المصطلحات أو جميعها، لكني حرصت على استخدام المرادف الفصيح دوماً مع العامي حتى لا يضيع المعنى، وقد عمدت للعامية عند الاستطراد أو إضافة بُعد فكاهي للجملة فقط، والأمر ليس جديداً فهناك آلاف الكتب تضج بلهجات محلية عربية بحتة قد نضيع في أول صفحة منها.

نجحت في أن تُقحِم القارئ إلى عالمك بأكثر من طريقة، وتسيَّد الواقع الموقف، هل تؤكد بذلك أن رصد الواقع هو أقرب الطرق للقارئ، أم يبقى الخيال سيد اللعبة؟

للخيال محبيه ومجالاته، وفي كتب الذكريات تُدوّن وقائع فعلية حدثت، وغالباً ما يكون الواقع معتاداً وبعيداً عن الإثارة التي يتقمصها الخيال، لذلك يغلب التحدي على الموقف من أجل إقناع القارئ بالمرور والاستمرار بسطور تحكي واقعاً محضاً.

وكلما نجحت أن تجعل القارئ ملاصقاً للقصة أو الموقف، كلما كان ذلك مدعاة للوصول إلى قلبه وعقله معاً، وبرأيي أن الأسلوب السهل الذي يحمل دفء الإفصاح عن المشاعر، وبساطة الطرح الطريف للكثير من الوقائع، واستحضار الأسماء وبعض خصائصها يجعل القارئ عنصراً في الكتاب، وليس مجرد قارئ لا يشعر برابط كبير بينه وبين ما يقرأه.

درس في المناظرة

يُعد فصل «الآفاق الضيقة» درساً قوياً في المناظرة، ما الرسالة التي أردت توصيلها من خلاله؟

لا أحاول - مُطلقاً - إرغام أحد على اعتناق ما أراه صحيحاً، فقط أردت توصيل رسالة مغزاها، أن خير وسيلة للإقناع هي بوضع العقل والمنطق معيار الحُكم، ومرجعية الفصل في التفضيل أو الترجيح بين الخيارات، فهشاشة بعض المواقف تحتاج هدوءاً ونقداً متأنياً دون إساءة، فلا أحد يقبل الإساءة لمعتقده وأفكاره.

برز في أكثر من فصل كـ«فنون الاسترخاء» و«التحدث أمام الناس» و«كيف تتأقلم مع الغربة» مهارات كثيرة ومهمة لتطوير الشخصية، من أين اكتسبتها؟

أنا قارئ نهم، وتعلمت الكثير من خلال قراءتي لكتب تطوير الذات والخبرات الكثيرة التي مررت بها في حياتي وعملي.

فكاهة ونقد

مزجت في كتابك بين الفكاهة والنقد اللاذع بطريقة غير مباشرة، والفرح والإحساس بالألم، هذا التنويع في الأسلوب أضفى الكثير، ما سبب هذه التوليفة من الأساليب؟

عندما نتحدث عن الذكريات، فنحن نتحدث عن مزيج متنوع وربما متضاد أحياناً من الأحداث والمواقف النفسية المصاحبة لها، ورأيت أن الثبات على خط واحد قد يصيب القارئ بالملل، لذلك حاولت التنويع قدر الإمكان حتى تصبح رحلة القارئ أكثر حميمية ومتعة، علماً أنني في حياتي اليومية أميل للمزاح وتبسيط الأمور.

ذكرياتك مطعمة بالشعر، هل أردت أن يكون كتابك هذا بطاقة تعريف توفر على القارئ قراءة السيرة الذاتية لك؟

لدي ديوان مطبوع، ولكن لا توجد فيه إلا نصوص مجردة فقط، وهذا ربما ما يعيب الدواوين الشعرية ويقتل الكثير من الجمال في النصوص التي تتواجد بين دفتيها، بينما حاولت في كتاب الذكريات أن أضع أمام القارئ أجواء القصيدة وأسبابها، أو على الأقل إن تعذر الإفصاح عن السبب الرئيسي أن يشعر بأحاسيس من كتبها ويقرأ أكثر ما بين السطور.