دعا المفكر المصري الدكتور صلاح قنصوة، الذي يعد أحد أهم المرجعيات في فلسفة العقائد، إلى ضرورة الالتفاف حول إطار ثقافي عربي مُوحد على نطاق واسع، يكون منطلقه وبدايته استشعار خطر الإرهاب الذي يدهم الجميع، خاصة في المنطقة العربية..

مشدداً في هذا الصدد على دور الثقافة في التصدي للأفكار الهدامة، ولهذا طالب أيضاً في حواره مع «بيان الكتب» بضرورة أن يكون النظام السياسي لأية دولة راعياً للثقافة وداعماً لها، وحذر من أن التجارب السلطوية أو الحزبية داخل جنبات المجتمع يُمكن أن تفرز نوعية معينة من المثقفين، لا تخدم المشروع المجتمعي، فإلى تفاصيل الحوار:

تصور مفاهيمي

هل يُمكن وضع تصور مفاهيمي مُحدد لتعريف الثقافة وتحديد مشتملاتها؟

المفاهيم الثقافية عديدة ومتنوعة، ويمكن من خلالها اعتبار الثقافة كلمة مُطلقة المعاني، تستوعب آفاقاً أكثر اتساعاً من مجرد اعتمادها على تعريف المفهوم، أو تضمينه بمصطلحات تعبر عن المعنى الأصلي للمفهوم من عدمه، فرغم التعددية، فإنه يُمكن إدراجها في مسلكين، الأول هو الثقافة الخاصة، وهى الثقافة التي يتم تحصيلها من منطلق علمي..

وهى التي تتعلق بما تطرحه العلوم الاجتماعية، باعتبارها مسرح التفاعلات والتجارب الإنسانية التي تعد بمنزلة الجذور المنطقية لهذه العلوم التي تنعكس من خلالها على السلوك الإنساني والقيم بشكلٍ عام، فهي بذلك تعد المكتسبات الحياتية والبيئية والسلوكية التي يتمرسها الإنسان، ويجتازها إلى حدود تحويلها إلى مناهج علمية، من خلال التعبير العلمي المتوارث بنظرياته وتطبيقاتها المختلفة، من قوانين وضوابط وروابط تحكم المجتمع وتسير أموره وفقاً لها.

أما الإطار الثقافي الثاني، فيتمثل في الثقافة العامة أو الشائعة أو المتعارف عليها، وتشتمل على مجموعة الصور المحركة للوعي الاجتماعي الممزوجة بالعديد من أدوات التعبير المنبثقة من المعرفة العامة، ويمكن في كثير من الأحايين أن تقود الإنسان إلى الإبداع والخيال، وهى التي ينتجها المفكرون والمبدعون، وهى تلك الطبقة التي يطلق عليها تداولاً طبقة المثقفين، وهم من يستطيعون تحويل المعرفة إلى نوع من أنواع الإبداع الفني في شتى صوره ومناحيه.

الاستفادة من الثقافة

هل للنظم السياسية في المجتمعات علاقة بأي من هذين النوعين.. وما حدود هذه العلاقة؟

النظام السياسي لأية دولة في الكون من المفترض أن يكون راعياً لكلا النوعين على إطلاق القول، فتلك هي مسؤولية الدولة ومسؤولية النظام، والنظام الذي لا يدرك هذه الأبعاد لا يُمكن أو لا ينبغي أن يطلق عليه نظام، ولكنه من الممكن أن نطلق عليه لفظ «العشوائية»، فقد يكون النظام لا يُدرك أهمية احتضان هذه الثقافات، ودورها في صنع مجتمع علمي متقدم وواعد...

ومن ثم إن المحك هنا هو سوء اختيار الأشخاص في النظام، إما لتدني مؤهلاتهم للمناصب، أو لافتقار قدراتهم الشخصية إلى أدنى مستويات مقتضيات التطور الثقافي والنهوض به، وإن كانت مسؤولية الدولة الأكبر تندرج في إطار قدرتها على تنمية وتعظيم الاستفادة من الدلالة الشعوبية العامة للمنظور الثقافي، وهو ما يعنينا في المقام الأول ضمن هذا الصدد.

فالأنظمة السياسية هي بمنزلة المتغير الأصيل والمستقل الذي يسيطر على المتغيرات والمكونات الرئيسة والفرعية كافة، التابعة للمناخ الثقافي المرتبط بمساحة الإبداع والتعبير عن الفكر الثقافي الذي يدفع المجتمع نحو التطور والرقي، حتى في محاربة المتغيرات المدمرة التي تطرأ علينا، مثل معضلة الإرهاب اللعين الذي تواجهه مصر والدول العربية قاطبة، ما يتطلب ضرورة عمل إطار ثقافي عربي موحد على نطاق واسع، يكون منطلقه وبدايته هو استشعار الخطر الذي يدهم الجميع، من جراء هذا الوباء الذي لا بد من التصدي له من خلال باكورة العمل.

من أجل الثقافة في محاربة هذا الداء، وهو ما نبغي حدوثه في القريب العاجل بين منظومة العمل الثقافية، وعلاقتها بالمجتمعات العربية في السياق ذاته، فضلاً عما تحمله ضرورة عدم إغفال أو تجاهل دور الفرد في هذه المنظومة في الرغبة في التقدم والتثقف والتعلم؛ من أجل بناء مجتمع جديد مملوء بالحيوية، بعيداً عن إلقاء كل المسؤوليات على الأنظمة السياسية تجاه هذا التقدم بشكلٍ منفرد.

مسؤولية مجتمعية

ألا يُعد طرحك الأخير تجاوزاً أو تنصلاً لدور السلطة في إحداث هذا التطور؟

ليس ذلك بالطبع، بل أعني أنه برغم المسؤوليات الجسيمة التي يجب أن تتبناها السلطة في هذا الإطار، فإن هناك مسؤولية مجتمعية، لبنتها الأولى والرئيسة هي الفرد الذي يُعد المكون الأصيل والفريد للمجتمع ككل، أي أن المسؤولية هنا تشاركية بين الفرد والسلطة والمجتمع، كمرحلةٍ أصيلة في هذا التطور، فلو نظرنا مثلاً إلى حجم التغيرات التي أحدثتها عملية ازدهار الثقافة العربية والإسلامية في قرونها الأولى..

وما خلفته من تأثيرات في محيطها الأوروبي من حولها، ستتأكد صحة ورؤية هذا الطرح، فقد كان السبب الرئيس والمتفرد في هذا التفوق هو نجاح قدرة الفرد في المجتمعات في هذا المنحى، فبدأ التأثير يأخذ منحاه المنشود، وأبرز تفوق هذه المجتمعات في شتى مجالات الثقافة والعلوم على مستوى بعيد.

ولنا أن نقول إن الحضارة العربية والإسلامية كانت تعد السبب المباشر في تفوق الحضارة الأوروبية التي أنشئت على مسرح حضارتنا، بينما في المقابل نجد روعة وإبداع ما تركته الثورة الفرنسية وانعكاساتها غير المباشرة على الحياة السياسية والمجتمعية في مصر، من خلال الحملة الفرنسية في القرن الثامن عشر الميلادي، وتأثيراتها في البنية الاقتصادية والسياسية.

وبالنظر إلى ذلك نجد أنها تغيرات عميقة ممتدة الجذور، تتواكب مع حالة الاقتباس آنذاك، وهو ما لم يكن على صعيد التأثير المباشر كما قلت عن الحملة الفرنسية، بل كان من بين ثنايا تقويضها للسلطة المملوكية المادية منها والمعنوية، وما ارتبط بها من سلطة التفويض الخاصة بالحكم العثماني، إذ استطاع الشعب المصري أن يفرض محمد علي والياً على مصر..

وهو ذلك الرجل الذي تيسر له من هذا المنطلق أن يعيد استئناف منجزات الثورة الفرنسية، في ظل شروط مادية ومعنوية وسياسية وفكرية مختلفة، تماماً عما كانت تريده فرنسا إزاء مصر، ولا عجب في ذلك.

فقد كانت السلطة في عهد محمد علي تستمد وتعتمد على أفكارها من منظور ديني يتسم بالركود الشديد من وجهة نظري، ومن هذا المدخل أصبح المصريون في حاجة ماسة إلى مصدر آخر للمشروعية، وما يترتب عليها من إدخال مفاهيم جديدة، وقد كان ذلك مبرراً ومسوغاً رئيساً في أن يقوم محمد علي بتحطيم كل قيود التوازن القديم بين علماء الدين في الأزهر وبين سلطة المماليك.

الفكر الراكد

هل كان هناك صراع كبير بين الأزهر والمماليك يتجلى في هذا الصدد؟

لقد كان الأزهر معقلاً لهؤلاء السادة، ومنبراً للثقافة السائدة، بل كان أوسع الهيئات المصرية ثراءً مادياً؛ نتيجة ما كانت تدره هيئة الأوقاف، وقد سبق لهؤلاء العلماء من الأزهريين أن اعترفوا بالنظام العثماني القائم، وأعطوه شرعيته، بل كانوا يدعون إلى وجوب طاعته...

 ولكن بعد أن استولى محمد علي على السلطة باتت التغيرات المادية أكثر حدوثاً واتساقاً مع طبيعة الموقف الراهن، وقتها أسفرت عن بنائه جيشاً قوياً، ولكن علماء الأزهر كانوا على تحالف مع المماليك الذين أقصاهم محمد علي، ولم يُسارعوا إذاً بالتوافق والتفاعل مع المتغيرات الجديدة التي طرأت على الساحة السلطوية، واحتجوا وآثروا الصمت على رغبة النظام الحاكم في تسيير الفقه الجديد على هذه الأوضاع وفقاً لرؤى مغايرة لما سبق..

ولم يعجّلوا بعمل تشريعات جديدة تتواءم مع ما استجلبه محمد علي من قوانين خارجية وأجنبية تتوافق مع المطالب العصرية حينها، ومن هنا جاءت الفجوة الكبيرة، وحدث تبعاً لها الانقسام الثقافي والهوة الثقافية الكبيرة بين الوعي المجتمعي الذي كان سائداً، وهو المتمثل في علماء الدين، وبين المتغيرات الجديدة التي واكبت ظهور سلطة جديدة، في ظل غياب وعي كامل وتجاهل لهذه التغيرات المباغتة.

وهنا ظهر، في نظري، ما أستطيع تسميته بـ«الفكر الإسلامي الراكد» الذي يعتبر كل تطور وتقدم يحدث في المجتمع أهليةً وعلمانية في مقابل الشرعية الدينية التي يُطالبون بها، والتي في جوهرها على حد أفكارهم وتصوراتهم تدحض كل ما هو جديد، وكل ما هو يدعو إلى التطور والمدنية، حتى إن كان ليس له علاقة تصادمية مع التشريع الديني أو الإسلامي..

بل المدهش أنك حين ترى الرأي الإسلامي الصحيح في منحى التطور، تجد أن الإسلام يأمر بالتطور والتجديد، على عكس ما يفهم هؤلاء من فهم مغلوط أودى بالكثير من المجتمعات العربية إلى منزلق يجب التخلص من مخاطره حال استمراره.

فكر رجعي

ألا ترى من هؤلاء العلماء من انسلخ عن هذه الأفكار في اتجاه فهم مقتضيات وطبيعة الحاجة إلى التطور والتحديث؟

رفاعة الطهطاوي كان هو الرائد والمفكر الثقافي والموسوعة الدينية التي استطاعت الربط بين القديم والحديث، بما يتوافق مع روح النص الإسلامي وتشريعه في الإطار التقدمي، بعيداً عن زلات الفكر الرجعي الجاهلي الذي يُعيدنا إلى عصور ما قبل العلم والحداثة، وهو أول من أثرى المصطلح القديم بدلالات عصرية..

فهو من أفاض في موضوع «الحرية» ومنطلقاتها، وما يجب أن تدفع من خلاله المجتمع نحو المزيد من التطلع على الثقافات الأخرى، وتعظيم سبل الاستفادة منها، بل استطاع أن يُقدم لها المرادف الموازي من المعجم التقليدي السابق، فقرنها بلفظ «الرخصة» أو «الإباحة»، حتى لا تختلط بالدلالة القديمة المنقوصة لمفهوم الشخص الحر، وما يثار حوله من حقوق أو واجبات.

هل التجربة السلطوية أو الحزبية داخل جنبات المجتمع يُمكن أن تفرز نوعية معينة من المثقفين؟

بكل تأكيد هذا حدث من قبل، ويمكن حدوثه بسهولة، فلكل نظام سلطوي أو تجربة حزبية إفرازاتها المعينة أو المحددة، تتوقف نوعيتها تبعاً لأفكار التجربة ذاتها، فلو تأملنا حقبة ما قبيل ثورة 1919، سنجد أنه كانت هُناك نوعية خاصة من المثقفين، وهو ما أطلق عليه «المثقف الأميري»، أو الموظف لغيبة التعددية الحزبية التي لم تنشأ بشكلٍ حقيقي إلا مع دستور عام 1923..

وهنا قد بدأت فترة «الليبرالية المنقوصة» التي نص فيها الدستور وأعطى الحق للملك بأن يُقيل أو يسقط الوزارة القائمة، فكانت بداية فتح الباب أمام تقويض الأغلبية الوفدية آنذاك لمواصلة نفوذها داخل الوزارة، ومن ثم كانت الحياة السياسية في مصر أكثر عرضه لتزوير الانتخابات، تبعاً لأهواء السلطة، وانتهت تداعياتها بحريق القاهرة.

فانتهت لحظات الليبرالية المنقوصة، بعدها تسلم الجيش المصري مقاليد عهد جديد، فورث الحكم العسكري الثوري الخصومة نفسها مع حزب الأغلبية؛ لتبدأ مرحلة العداء الواضح والصريح للديمقراطية الذي بات مقترناً بالتوسع الشامل للرأسمالية التي عكفت على تأميم الاقتصاد، وتقويض أركان العمل الثقافي ربما بكل مشتملاته، فبالطبع كل هذه متغيرات شديدة التأثير في المنحى الثقافي للمجتمع والدولة بشكل عام.

ومن المثقف الأميري الذي تعنيه في كلامك، وما حدود تأثيره في الوضع المجتمعي؟

«المثقف الأميري» هو المثقف الذي يطوّع ثقافته وعلمه ودرايته بحقائق الأمور، في سبيل تجميل وتعزيز قرارات السلطة بالأخص، وهو يدرك أنها لا تتناسب مع طموحات مجتمعه في تحقيق التنمية أو العدالة الاجتماعية.

«الدين والفكر والسياسة».. روابط العقيدة والحياة

يُعتبر كتاب «الدين والفكر والسياسة» واحداً من أهم مؤلفات الكاتب د. صلاح قنصوة على الإطلاق الذي تناول خلاله محاور جدلية متعددة السياقات ومتباينة المعالجات، استطاع فيه الغوص في مضمار يتسم بالجدلية المفرطة التطرق إلى موضوعات يصعب تفنيدها، بعيداً عن الانتماءات والمرجعيات والدوافع الذاتية في تناولها، من بينها قضايا العلمانية والمدنية والمفاهيم المتعددة للحريات..

وعلاقة كل منها بالأصوليات والمرجعيات، وما يستتبع هذه المواءمات من قضايا شديدة التعقيد لدى مجتمعاتنا العربية وقضايا الحداثة وتأثيرات التغريب الثقافي، وما هو مستحب منها وما هو مستنكر، وما يتلاءم وكل مرجعية على حدة.

فكان قادراً بتعملق شديد على فك الشفرات الخلافية بين تلك المدارس وبعضها بحرفية الأديب ورؤية السياسي ومرجعية الداعية، خاصة في تلك القضايا المتعلقة برأي ما يسمى بالإسلام السياسي الذي طرأ على مجتمعاتنا في عصرها الحديث، وفي ما يتعلق بالأمور التي تطعن بالرفض أو تدعم في اتجاه القبول، أن يصل إلى تفنيدات واقعية وحلول أقرب لأن تكون شافية لمعالجة ما هو شائك منها.

تحليق عميق

كما يتناول قنصوة في هذا الكتاب التحليق العميق المستفيض لما يتصل بهذه القضايا من منطلقات إنسانية، تتجلى في تبيان العلاقة الكائنة والمفترضة والناشئة بين الإنسان وبيئته، وما تحويها من تطور واستحداث، إما لمفهوم تطور الآلة أو تمحور الأداة في مسلك التطوير، كأن تناول أهمية الفن والإبداع في تهيئة الكائن البشري لعمارة الكون.

كإحدى أدوات الربط بينها وبين إحدى الوظائف الأساسية للإنسان التي اعترف الشرع خلالها بوجوبيتها، بل فرضيتها لدى الإنسان، ومن ثم التوصل من ذلك نحو إثبات الكاتب أن الدين لا يمكن أن يحارب أو يرفض مثل هذه الأداة في دفع الإنسان في تأدية وظيفة من وظائفه التي اعترف بها الدين تجاهه.

وهو ما يطعن في ظنية المتشددين بأن العكس هو ذلك الصحيح الذي تمرسوه طيلة فترات دعوتهم، بل الوصول إلى أبعد من ذلك بأن الدين ربما يكون هو الملهم بالنسبة إلى الفنون والإبداع، باعتباره يتشارك معهما في الاهتمام بالنفس البشرية أو ظاهرة الوجود البشري بما يخدم عمارة الكون.

صراع أزلي

كما يجسد الكتاب الكثير من الزوايا المتعددة والمترامية لأوجه الصراع الأزلي بين المعسكر الغربي بمنهجيته ومدارسه المختلفة، وبين نظيره العربي في قضايا التطور، ومقارنة شبه مستفيضة لأسباب النجاح والرجعية لكلٍ منهما، وسمات المجتمعات هنا وهناك، بما يستهدف التعريف بالمفهوم الأصيل من وجهة نظر الكاتب لماهية الصراع بين هاتين الحضارتين بمفهوم كل منهما.

فضلاً عن مفهوم الكاتب ووجهة نظره إزاء هاتين القضيتين، وإمكانية التقريب أو الفصل بينهما بعيداً عن عمليات التنظير المعرفي في المفاهيم والمصطلحات والإسهاب غير المتكافئ لعناصر كل محتوى.

كما يحدد مفاهيم واضحة ورؤى غير مخلة بالعمق الحقيقي لمتطلبات الرجوع للعلم كمرجعية أساسية للتطور والحداثة، دون الإخلال بدور الدين كداعم لها، وليس كمحارب لها، وإعلاء القيم الدينية في محاولة عبقرية ممنهجة من الكاتب، للربط بين الدين والحياة في كونهما غير متضادين.