يمكن وصف تجربة الفنان والناقد علي العبدان بالمتنوعة كونه عمل في الفن والنحت، كما اشتغل على النقد الفني بجرأة مبتعداً عن المجاملات، إلى جانب هذا يهتم العبدان بفنون أخرى مثل الشعر الفصيح والموسيقى، وقدم في المجالين بحوثاً ومحاضرات.

أما كتابه «القرن الجديد..اتجاهات الفن التشكيلي في الإمارات بعد العام 2000» فبقي من أهم ما قدمه، كونه يسد فراغاً في مجال النقد الفني في الساحة المحلية، من منطلق قناعة العبدان بعدم وجود نقد فني حقيقي بمعناه الأكاديمي في الساحة الإماراتية.

عنه قال: «لا أدعي أنني ناقد حقيقي لكنني حرصت على أن أكون قريباً من أسس النقد ومعاييره»، كما يرى أن النقد التشكيلي يفتح نوافذ نحو أفق أفضل توجه وتنمي هذا الفن. حول هذا تحدث العبدان إلى «بيان الكتب» والبداية من اختياره تناول التجربة الفنية في الساحة المحلية بعد العام 2000.

تغيرات فنية

لماذا اخترت الحديث عن الفن التشكيلي في الإمارات بعد العام 2000؟

في أواخر الثمانينات كنت من أوائل الأعضاء في جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، وانقطعت فيما بعد عن الفن التشكيلي في التسعينات، بسبب ظروف سفري خارج الدولة، ولما عدت رأيت تغيرات فنية، تحدثت عنها وكان من الطبيعي بداية أن أبحث عن الواقع وبدايات الحركة الفنية، من الصحافة وبعض الكتالوجات.

وبدأت كتاباتي على شكل مقالات نشرت في الملحق الثقافي في جريدة «الخليج»، اعتمدت عليها فيما بعد في كتابي إلى جانب ترجمتي للعديد من الكتابات الأجنبية لفهم الواقع الإماراتي، خاصة فيما يتعلق بالمفاهيمية واخترت تناول التجارب من بعد العام 2000 لأنها بداية قرن جديد، كما أني لم أهمل الإفرازات القديمة، وتناولت تجارب العديد من رواد الفن مثل الفنان عبدالقادر الريس وحسن الشريف.

ذكرت سابقاً أن الكتاب جلب إليك العديد من المشاكل مع الفنانين فلماذا؟

النقد الوارد في الكتاب جاء صريحاً، بعد أن تعودت الساحة على المجاملات، فقد انتقدت بالأسماء تجربة فنانين مثل الفنان عبدالقادر الريس، مع أنه حساس تجاه بعض لوحاته، التي تحولت فيما بعد إلى لوحات ديكورية، فأين هي لوحاته وألوانه الجميلة التي كانت في الثمانينات.

أما حسن شريف فقاد ظاهرة فنية اتبعها العديد من الفنانين الإماراتيين، وفي نقدي أيضاً لتجارب فنانين مثل محمد كاظم ومحمد القصاب وغيرهم، أفتح نافذة لأجل أن نرى ما هو الأفضل، وهذه هي مهمة النقد التشكيلي.

وحدة جمالية

ما هي الأساسيات التي اعتمدت عليها في النقد؟

بداية هناك بعض النقاد الذي يكتبون كلاماً لا ينطبق على العمل، وهو يعتمد على فيزيائية ووهم العمل، سواء أكان لوحة أو نحتاً، فذات مرة قال أحد أهم النحاتين المعاصرين: «كلما كان النحت أصغر بدا لي نحتاً أكبر».

وبالعودة إلى الأساسيات التي تشكل العمل، نتناول المادة المستخدمة في تكوينه، وما هو العمل أيضاً، وإذ قصد به عدم التكوين لوحدة جمالية قياسية، فمثلا إذ تقابل شيء يكون الشيء ضد الشيء، أي التقابل بين قسوة العمل والمرونة، ما يشكل وحدة جمالية.

والنحت، حكماً، ثلاثي الأبعاد ومن فقد هذه الخاصية اقترب عمله من (الرليف)، أما في اللوحة فهناك البحث عن وحدة جمالية معينة، مثل التكرار، الذي يشكل الزخارف التي تحمل قيمة جمالية، فلماذا نستطلع من الفنان هذه الأشياء المكررة، ونسأل إن كان أحسن اختيارها ومدى قابليته في التأثير.

لكن هناك من يبتعد عن فكرة الواقعي ليصب بمدارس فنية أخرى، وصولاً إلى التجريد فكيف يمكن حينها نقد العمل؟

العمل الفني خامة أو فكرة، وهناك تشخيص، أو عدم تشخيص باللون فمن يستطيع أن يعطي قيمة إضافية للون والخط، فهو يمنحنا شيئا مفهوماً، وعندما يصبح مبهماً يصبح الفنان مثل من يكتب قصيدة النثر، وهناك أحد الشعراء الإماراتيين يقول «لدينا 100 شاعر يكتبون قصيدة النثر، ولكن في الواقع لا يوجد أكثر من سبعة نستطيع أن نقول عنهم شعراء»، وكذلك الأمر بالنسبة للتجريد، وما يتفرع عنه من التجريد الغنائي، والتعبيري والبارد.

فوارق فنية

ما سبب انتقادك للفن المفاهيمي ولـ«الفيديو آرت»؟

انتقد إدخال الفن المفاهيمي مع الفن التشكيلي، في إطار المفاهيمي كل شيء مباح، وفي إطار «الفيديو آرت» من يعتقد أنه يقدم فناً جديداً الآن فهو مخطئ، لأن «الفيديو آرت» فن قديم يعود إلى العام 1970، حيث عرض في متحف الفن الحديث.

وكان في تلك الفترة فناً مؤثراً، بعكس الآن فالعمل لا يبقى لأن التلفزيون مليء بالعناوين، وكذلك مواقع الإنترنت واليوتيوب كلها مليئة بالفيديوهات، بشكل لا يمكن حصره، إذا كيف يمكن له أن يؤثر في هذا المحيط.

بالمحصلة لا يوجد فيه قيمة تشكيلية، أي هناك رفض للتشكيل، وحركة «ضد التشكيل» بدأت في أميركا، وبالتالي سمي بعض الفنانين المشاركين بعدد من المعارض الفنية، بغير التشكيليين.

كيف تقيم الحركة التشكيلية الحديثة؟

ظهرت الحداثة ومن ثم انتهت في العام 1945 لتجسد أفكار الحرب، ومن ثم ظهرت فنون ما بعد الحداثة بعد أن جاءت الحداثة لهدم المُطلق وأصبحت هي المُطلقة، ومن بعد الحداثة نشأت حركات «البوب آرت»، وغيرها وما يماشي الفكر التسويقي والدعاية الأميركية وهذه الحركة لا ترفض الآخر.

وانتهت هذه الحركة أيضاً، أما اليوم فينتشر الفن الهجين الذي يقدمون فيه كل شيء، فهناك من يرسم أشكالا تعود لعصر الفراعنة، وهناك من يحاكي إنسان اليوم، أي هناك خليط من الفن.

الفن المؤثر

ما الذي يُميّز فن القدماء؟

قدموا فناً مؤثراً في الناس، فالمنحوتات كانت مثالية فوق الواقع، فالقدماء لا ينقلون الواقع لأنه لا فائدة من نقل الواقع. وفنان عظيم مثل دافنشي قدم ما لا يزيد على عشرين عملاً، ولكن أعماله غنية جدا لأنها نتاج بحث ودراسة.

ما هو جديدك؟

أعمل حاليا على كتاب عن الموسيقى، تحديدا عن تاريخ الأجناس الموسيقية العربية، وكتاب آخر عن بحور الشعر العربي.

وهل هناك مجالات جديدة يمكن أن تتناولها في مجال النقد التشكيلي؟

أعترف أنني قصرت بتناول بدايات الكثير من الفنانين الموجودين، وتجارب الشباب لأن هذا خارج طاقتي، ولكني سأخصص كتبا أخرى لهذه الموضوعات، إلى جانب تاريخ الفن التجريدي وتطوره، والنحت أيضاً.

ماذا لديك في مجال الفن باعتبارك نحاتاً؟

توقفت عن الإنتاج في هذه الفترة، لأني أريد أقدم فناً مبنياً على دراسة عميقة، كما كان يفعل القدماء. فالقدماء عملوا ببراعة، وأنتجوا فناً عظيماً يعتمد على مفاهيم فلسفية.